
ما يجعل هذا الماء يبدو شبه غير مرئي ليس الماء وحده؛ بل الحصى الفاتحة تحته أيضًا، إذ تتضافر مع ضحالة العمق ونقاء الماء من الجسيمات العالقة.
وهنا يخطئ كثيرون منا في البداية. فنحن نعطي البحر كل الفضل، بينما تكون بعض الخلجان الصيفية الأشد سطوعًا ثمرة
ما يجعل هذا الماء يبدو شبه غير مرئي ليس الماء وحده؛ بل الحصى الفاتحة تحته أيضًا، إذ تتضافر مع ضحالة العمق ونقاء الماء من الجسيمات العالقة.
وهنا يخطئ كثيرون منا في البداية. فنحن نعطي البحر كل الفضل، بينما تكون بعض الخلجان الصيفية الأشد سطوعًا ثمرة
تضافر بين الماء وقاع البحر والضوء.
وقد شرح باحثو ألوان المحيطات هذا الأمر منذ سنوات، بلغة تزداد وضوحًا وبساطة: فما تراه العين في المياه الساحلية الضحلة لا يتحدد بالماء نفسه فقط، بل بما يرقد تحته أيضًا. ففي مراجعة نُشرت عام 1996 في دوريةLimnology and Oceanography، عرض كورتيس موبلي الأساسيات البصرية للمياه الطبيعية، ومنها الكيفية التي يمكن أن يؤثر بها انعكاس القاع في المياه الضحلة بقوة في اللون الذي يعود إلى العين. فإذا كان القاع ساطعًا، عاد ضوء أكثر إلى الأعلى. وإذا كان الماء ضحلًا أيضًا وقليل المواد العالقة، بدأ المشهد كله يبدو أقل شبهًا بسطح ماء، وأكثر شبهًا بنافذة موهومة.
العنصر الأول في هذه الظاهرة هو قاع البحر. فالحصى البيضاء والرمادية الفاتحة تعمل كعاكس هادئ، يرد ضوء الشمس صعودًا عبر الماء. وهذا الضوء المرتد يمتزج بلون الماء نفسه، الذي يكون في العادة خافتًا جدًا في الظروف شديدة الضحالة، فتكون النتيجة مظهرًا لافتًا من الشفافية.
ولهذا قد يبدو أحد الخلجان صافيًا كأنه من زجاج، بينما يبدو آخر على بعد مسافة قصيرة أكثر تسطحًا أو ميلاً إلى الخضرة. فإذا تغيّر القاع من حصى فاتحة إلى صخور داكنة أو أعشاب بحرية أو رمل بني، بدا الماء في كثير من الأحيان أعمق وأكثر كثافة وأقل شفافية، حتى لو لم يتغير الماء نفسه كثيرًا.
وقد قاس الباحثون هذا التأثير في البيئات البحرية الضحلة على مدى عقود. ففي مراجعة نُشرت عام 2006 بقلم هوارد غوردون فيPhysics Today، تلخص علم ألوان المحيطات، أوضح أن الضوء الصادر من الماء يتشكل بفعل الامتصاص والتبعثر داخل عمود الماء، لكنه قد يحمل أيضًا، في المناطق الضحلة، إشارة قوية من القاع. وبعبارة أبسط: في المياه الساطعة والضحلة، أنت ترى جزئيًا ضوء قاع البحر وهو يعود عبر الماء.
أما العمق فهو الجزء الثاني من هذه الخدعة. فالماء يمتص الضوء كلما ازداد عمقًا، ولا سيما الأطوال الموجية الأطول أولًا، لذلك تقل أهمية القاع كلما ازداد العمق. ففي الماء الذي يبلغ عمقه الكاحل أو الركبة فوق حصى فاتحة، لا يزال الضوء المنعكس يجد طريقًا سهلًا للعودة إلى عينيك. لكن ما إن تنتقل إلى ماء أعمق حتى يتراجع إسهام القاع سريعًا.
ثم تأتي العكارة، وهي الكلمة البسيطة التي تصف مقدار ما يطفو في الماء من مواد دقيقة. فالجسيمات الصغيرة من الرواسب أو العوالق النباتية أو المواد العضوية التي تحرّكت من القاع تشتت الضوء وتخفف وضوح الرؤية إلى الأسفل. وقد يبقى الماء صالحًا للسباحة، لكنه لن يبدو غير مرئي، لأن العين تفقد تلك الحواف الحادة والضوء الساطع العائد من الحصى في الأسفل.
ولا يعني شيء من هذا أن التأثير زائف. بل يعني أن أفضل مشاهد «المياه البلورية الصافية» تكون معززة بصريًا. فالصفاء الحقيقي مهم، لكن سطوع ما تحت السطح يمكن أن يجعل هذا الصفاء يبدو أشد مما افترضته أول وهلة.
هل انتبهت أولًا إلى الماء، أم إلى الحصى تحته؟
هذا السؤال مهم، لأن العين تواصل تبديل وظيفتها. ففي لحظة تقرأ سطحًا تعلوه اللمعة ومسحة زرقاء. وفي اللحظة التالية تنفذ عبر ذلك السطح إلى القاع الفاتح. ويبدو المشهد شديد الصفاء على نحو غير معتاد، لأن دماغك يظل يتعامل مع الماء كما لو كان بالكاد موجودًا.
قف عند شاطئ حصوي دقيقة واحدة وقارن بين ثلاث بقع متقاربة: حصى فاتحة، ورقعة صخرية أدكن، وشريط ظل يمر فوق الاثنتين. قد يكون الماء فوق كل رقعة بالعمق نفسه ومن الخليج نفسه، ومع ذلك ستبدو المنطقة الفاتحة في الغالب أنظف وأكثر شفافية، وتبدو المنطقة الداكنة أكثف، بينما يبدو الجزء الواقع في الظل أعمق فجأة. هذا هو اختبارك السريع. فعيناك لا تقيسان النقاء، بل تقرآن التباين والضوء المرتد.
ضحالة العمق تتيح لك الاستمرار في رؤية القاع.
والقاع الفاتح يرسل ضوءًا أكثر إلى الأعلى.
وانخفاض العكارة يعني وجود جسيمات أقل تعوق مسار هذا الضوء العائد.
ثم تأتي انعكاسات السطح لتضيف الطبقة الأخيرة. ففي بعض الزوايا يعكس السطح السماء ويحجب ما تحته. وفي زوايا أخرى، ولا سيما عندما يكون السطح هادئًا، يصبح النظر عبره أسهل. والرياح تخشّن ذلك السطح وتجزّئ المشهد، وقد يفقد الخليج نفسه أثر الماء غير المرئي في غضون دقائق.
ولهذا أيضًا لا يظهر هذا المظهر في كل البيئات الساحلية. فالمياه العميقة، والقيعان الداكنة، والسطح المضطرب، أو المياه التي تحمل قدرًا أكبر من الرواسب أو الطحالب، لا تعطي النتيجة نفسها. فقد يكون المكان جميلًا ونظيفًا، ومع ذلك لا يبدو أبدًا مثل تلك الخلجان الحصوية الشفافة.
ليس تمامًا. فصفاء الماء الحقيقي يتعلق بمدى قلة المواد العالقة فيه، وبالمسافة التي يستطيع الضوء أن يقطعها قبل أن يتبعثر أو يُمتص. أما الصفاء البصري، ذلك الذي يحكم به دماغك في لحظة خاطفة، فهو تلك الحالة الفيزيائية نفسها مضافًا إليها ما يقدمه قاع البحر والضوء من دعم.
ولهذا التمييز أهميته، لأن الماء الذي يبدو صافيًا ليس هو نفسه الماء النظيف أو الصحي بالمعنى العلمي الكامل. فالمياه الضحلة فوق حصى ساطعة قد تبدو شفافة على نحو رائع، ومع ذلك لا تخبرك، بمفردها، إلا بالقليل عن البكتيريا أو التلوث الكيميائي أو صحة النظام البيئي عمومًا. إن هذا المظهر مفيد، لكنه ليس اختبارًا مخبريًا.
ومع ذلك، ما إن تعرف ما الذي ينبغي أن تبحث عنه، حتى يصبح من الأسهل قراءة كثير من السواحل الصيفية. فتكف عن التعامل مع الشفافية بوصفها لغزًا، وتبدأ في رؤيتها بوصفها نمطًا.
وعند الشاطئ، أو حتى في صورة سفر، افحص أربعة أمور بالترتيب: لون القاع، والعمق، واضطراب السطح، والظل. فإذا كانت الحصى فاتحة، والماء ضحلًا، والسطح هادئًا، والبقع الداكنة نادرة، فغالبًا ما تكون أمام تلك الخدعة البصرية التي تجعل الماء الأزرق يبدو كأنه غائب تقريبًا.
طبق المنسف ... سيّد المائدة الأردنيّة ورمزٌ للأصالة
يتربّع طبق المنسف على عرش المائدة الأردنيّة بلا منازعٍ، فهو صاحب التاريخ القديم الذي لازم أهل الأردن لآلاف السنين، ومازال يستمتع به الغريب والقريب من داخل وخارج الأردن لما له من طعمٍ متميّزٍ وخصوصية اكتسبها على مر التاريخ لارتباط تعلّم النساء الأردنيّات
طريقة عمله من الأمّهات والجدّات، ممّا يجعل لهذا الطبق مكانةً إضافيّةً في قلوب نساء الأردن وفلسطين وجنوب سوريا والعراق اللاتي حافظن على تقاليد ومكوّنات هذا الطبق المميّز عبر الأجيال، فما يزال هذا الطبق رفيق الاجتماعات والمناسبات العائليّة وأنيس الضيوف الشهيّ في الأعياد والأعراس.
يتربّع طبق المنسف على عرش المائدة الأردنيّة بلا منازعٍ، فهو صاحب التاريخ القديم الذي لازم أهل الأردن لآلاف السنين، ومازال يستمتع به الغريب والقريب من داخل وخارج الأردن لما له من طعمٍ متميّزٍ وخصوصية اكتسبها على مر التاريخ لارتباط تعلّم النساء الأردنيّات طريقة عمله من الأمّهات والجدّات، ممّا يجعل لهذا الطبق مكانةً إضافيّةً في قلوب نساء الأردن وفلسطين وجنوب سوريا والعراق اللاتي حافظن على تقاليد ومكوّنات هذا الطبق المميّز عبر الأجيال، فما يزال هذا الطبق رفيق الاجتماعات والمناسبات العائليّة وأنيس الضيوف الشهيّ في الأعياد والأعراس.
تعتبر وجبة المنسف من الوجبات شديدة القدم، وقد تتفاجأ إذا علمت أن المنسف يعود إلى أكثر من 3200 عام وتحديدًا في فترة مملكةٍ تسمّى "المملكة المؤابيّة"، والتي كانت في شدٍّ وجذبٍ مع أعدائهم من مملكة "يهوذا"، وتحكي كتب التاريخ أن ملك المؤابيّين " ميشع" وصل إلى مسامعه نيّة الملك "عَمْري" ملك يهوذا بالهجوم على مملكته، فأراد أن يختبر ولاء شعبه له في حالة هجوم اليهود عليهم، فأمر الملك "ميشع" الشعب بأن يطهو اللحم باللبن لمخالفة العقيدة اليهوديّة التي تحرّم طهو اللحم باللبن كما ذكر في سفر الخروج الإصحاح 23 الآية 19 : "لا تطبخ جديًا بلبن أمّه"، فاستجاب الشعب كله وطبخ اللحم باللبن تأكيدًا لملكهم بأنهم مخلصين للمملكة، فنسف الملك ما جاء بالتوراة وسمّيت الوجبة بالمنسف، وحاربوا مملكة يهوذا وهزموها وفقد الملك "ميشع" ابنه عند أبواب قلعة مؤاب التاريخيّة. تمّ تخليد هذا النصر على حجرٍ سُمّي بعد ذلك بمسلّة ميشع، وتوجد هذه المسلّة الآن بمتحف اللوفر.
يتميّز المنسف عن كل الوجبات الأخرى باستخدام اللبن في طبخ اللحم بطريقة فريدة، حيث يجب تحويل اللبن أوّلًا إلى لبنٍ رائبٍ "جميد" قبل طهو اللحم فيه، ويتكوّن المنسف من اللحم المطبوخ في اللبن الرائب والأرز المضاف إليه السمن وخبز "الشراك" الرقيق المكوّن من القمح، ثم يتم تزيين الطبق بالمكسّرات المختلفة كالصنوبر واللوز، كما يضاف إليه بعض البقدونس المفروم، ممّا يعطيه نكهةّ ومذاقًا متفرّدًا.
من المعروف أن طبق المنسف من الأطباق الجماعيّة التي تُقدّم في صحونٍ دائرية كبيرةٍ ، يبدأ تجضير الطبق بوضع خبز الشراك في قاع الطبق وتغطية قاع الطبق بالكامل، ثم وضع الأرز على الخبز، ثم يتم رش مرقة الللحم باللبن على الأرز حتى يتشبع به لتقوية نكهىةالأرز، ثم توضع قطع اللحم فوق الأرز المتشبع بالمرقة وتكون رأس الذبيحة آخر قطعة يتم وضعها على الصحن ، ثم يتم تزيين الصحن بالمكسّرات وأوراق البقدونس. يجتمع عددٌ من الناس حول كلّ صحنٍ ويتشاركوا في الطعام من هذا الصحن، واثبتت الدراسات التاريخيّة أن منشأ تلك الصحون الدائريّة القديمة يعود إلى أكثر من 6000 عامٍ حيث العصر الحجري الحديث، ويدلّ هذا الأمر على معرفة أهل الأردن للأكل الجماعي في المجتمعات الزراعية ممّا دفع البعض للاعتقاد بأن جذور وجبة المنسف تعود إلى أكثر من 6000 عام، وأنها دليلٌ لتحضّر المجتمع الأردني منذ القدم، حيث أن مكوّنات وجبة المنسف لا تتوفّر لسكّان الصحراء بشكلٍ دائمٍ نظرًا لاحتوائها على اللبن والأرز اللذان يحتاجان إلى مجتمعاتٍ زراعيةٍ وليست صحراويّةً.
يحتوي المنسف على العديد من العناصر الغذائية الهامّة التي تكوّن مع بعضها البعض وجبةً متكاملةً، فاللحم مصدرٌ غنيٌّ بالبروتين والألياف والمعادن كالحديد والفوسفور والزنك، ويفضّل استخدام لحم الجدي قليل الدسم، كما يحتوي المنسف على اللبن الرائب " الجميد" كمصدرٍ للكالسيوم والمعادن والفيتامينات المهمة للجسم مثل ب1 و ب3 وب6 و ب12، وهي مهمّةٌ لبناء العظام والجهاز العصبيّ، أما الأرز فهو مصدرٌ غنيٌّ بالكربوهيدرات والفيتامينات الأخرى اللازمة لبناؤ خلايا الجسم وتقوية المناعة، كما أنذ المكسّرات المضافة إلى المنسف تحتوى على الدهون الغير مشبعة والتي يحتاجها الجسم في العديد من العمليات الحيوية. يحتوي 100 غرام من المنسف على 315 كيلو جول من الطاقة و 55 غرام من الكربوهيدرات و8 غرامات من الدهون، لذا فهو من الوجبات الصحيّة السريعة الهضم بسبب اللبن الرائب " الجميد" الذي يسرّع من عملية الهضم.
يّقدم المنسف في أطباقٍ دائريّةٍ كبيرةٍ ويجتمع حولها الضيوف، ويكون الأكل على مراحل فتأكل مجموعةٌ ثم تقوم وتأكل مكانها مجموعةٌ أخرى، وتسمّى المجموعة الواحدة بالطور، ويتم تقديم رأس الذبيحة في طبق سيّد القوم أو أعلاهم منزلةً كشكلٍ من أشكال إكرام الضيف، وأحيانًا توضع الذبيحة كاملةً أمامه ليأكل من أيّ قطعة يشتهيها، وجرت العادة أن يضع الجماعة أيديهم اليسرى خلف ظهورهم ويأكلون بيدهم اليمنى ولا يعتبر الأكل بالملعقة مقبولًا، كما أنّ من العار على المضيف أن يقدمً كمّيّةً قليلةً من خبز الشراك، فتجد المضيف يزيد من خبز الشراك للضيوف على المائدة، كما أنه من العار على الضيف أن يكشف قاع الطبق لأنّ ذلك فيه دلالةٌ على جشع الضيف، ومن العيب أيضًا أن يُنهي الضيف على الغماس الموجود في الطبق، حيث يجب عليه أن يستخدم الخبز بطريقةٍ معيّنة حيث يغمس طرف الخبز فقط ويأكله. اعتاد أهل الأردن على استخدام 3 أصابع فقط في أكل المنسف، لذا من العيب أن يكون الطعام على ظهر اليد أو باطنها، فيراعى في ذلك أداب الطعام ونظافة المجلس ليحظى الجميع بوحبةٍ شهيّةٍ وذكرياتٍ عائليةٍ طيبةٍ.
عائشة
تلك الشاة في المرعى تفكر أكثر مما يوحي به وجهها. فكثيرًا ما يأخذ الناس الجسد الساكن والتعبير العادي دليلًا على البلادة، مع أن قدرًا كبيرًا من عمل الحيوان يجري في هدوء: الأكل، وتفقد مواضع الآخرين، والانتباه إلى ما تغيّر، وتقرير ما إذا كان أي شيء يستحق استجابة أقوى.
قد تبدو
الشاة وكأن شيئًا لا يحدث على الإطلاق وهي ترعى ورأسها إلى أسفل. لكن الهدوء ليس هو الفراغ. وفي حيوان يعيش ضمن قطيع، يعني الهدوء في كثير من الأحيان أن الأعمال الروتينية للانتباه تسير على ما يرام.
لنبدأ بأبسط تصحيح: فالشياه تتابع بعضها بعضًا. فالحيوان الذي يرعى لا يقتصر على اقتطاع لقمات من العشب؛ بل يحتفظ أيضًا بخريطة تقريبية للرفاق القريبين، والمسافة، والحركة، لأن الأمان في القطيع يعتمد على البقاء على اتصال من غير اضطراب دائم.
وهذا جزء مما وصفه باحثو سلوك الحيوان بالمقايضة بين الرعي واليقظة لدى كثير من أنواع الفرائس. فالشاة تأكل، ثم تتوقف، ثم تلقي نظرة، ثم تنصت، ثم تتحرك بضع خطوات، ثم تعود إلى الأكل. وإذا بدت هادئة، فذلك في الغالب لأن هذه المراجعات مندمجة في إيقاع الأكل نفسه.
ويأتي الدليل الأقوى من الذاكرة. فقد أفاد كيث كندريك وزملاؤه، العاملون في معهد بابراهام في كامبريدج، في عام 2001 في دورية Nature، بأن الشياه تستطيع تعلم الوجوه والتعرف إليها من الصور الفوتوغرافية، بما في ذلك وجوه الشياه والبشر على السواء. وفي أبحاث لاحقة كثيرًا ما ارتبطت بفريق كندريك، تبيّن أن الشياه قادرة على التعرف إلى ما لا يقل عن 50 وجهًا فرديًا من وجوه الشياه وتذكرها لأكثر من عامين.
وهذا مهم لأنه يغيّر معنى الوجه الخالي من التعبير لدى الشاة. فالحيوان القادر على تخزين عشرات الأفراد ثم تمييزهم لاحقًا لا يهيم في الحقل في ضباب. بل يعيش في عالم اجتماعي يهم فيه من يوجد قريبًا، وتساعد فيه الذاكرة على توجيه الخيارات العادية.
لذلك، حين تبقى شاة في مكانها، فقد ينطوي ذلك السكون على عدة أحكام صغيرة في آن واحد. هل القطيع مستقر؟ هل ذلك الحمل قريب بما يكفي؟ هل نهض ذلك الحيوان المستريح؟ هل صدر من السياج النباتي صوت يستحق التحقق؟ إن هذا العمل ثابت لا استعراضي، لكنه عمل على كل حال.
هل سبق لك أن خلطت بين السكون والفراغ — عند الحيوانات أو عند البشر؟
قف قرب بوابة بعد المطر وأصغِ لحظة. ستسمع الصوت الطري الرطب للشياه وهي تقص عشب الربيع، ثم المضغ، ثم وقفة تبدو كأنها لا شيء، إلى أن تدور أذن وترتفع رأس أخرى. ليس الحقل مزدحمًا كما تزدحم به شوارع المدن، غير أن قرارات صغيرة تمر فيه طوال الوقت.
ومن السهل أن يفوتنا ذلك، لأننا نحن البشر ننجذب إلى العلامات الواضحة على التفكير: أيدٍ تعمل، ووجوه تتبدل، وعيون تثبت على شيء ما. أما الشياه فتنجز كثيرًا من شؤونها بنبرة أخفض. فهي تراقب الرفاق، وتستجيب للمسافات الفاصلة، وتهدأ أو تتحرك جزئيًا من خلال قراءة القطيع من حولها.
وثمة أيضًا أدلة على أن اختيارات الشاة قد تتبدل تبعًا لحالتها العاطفية. ففي عام 2017، اختبرت دراسة عن الانحياز في الحكم نُشرت في Scientific Reports عددًا قدره 26 من نعاج Romane الصغيرة، ووجدت أن استجاباتها للمؤشرات الملتبسة تغيّرت على نحو قابل للقياس، بما يوحي بوجود صلة بين الحالة الشبيهة بالمزاج وبين اتخاذ القرار.
وهذا لا يعني أن الشياه تشعر تمامًا كما نشعر نحن، أو أنها تجلس هناك متأملة الحياة على نحو إنساني ما. بل يعني أن سلوكها ليس ثابتًا وآليًا. فالكيفية التي تفسر بها موقفًا مشكوكًا فيه قد تختلف، وذلك عقل أبعث على الاهتمام مما تتيحه الصورة النمطية القديمة.
ومع ذلك، لا بد من إبقاء حد منصف هنا. فالشياه ليست فلاسفة صغارًا مكسوّين بالصوف، ولا حاجة إلى إضفاء طابع رومانسي عليها. إن معظم جهدها الذهني عملي: مراقبة الاضطراب، والأكل جيدًا، وتتبع القطيع، والاستجابة للإشارات الاجتماعية بسرعة تكفي للبقاء مع الجماعة.
لكن هذا الادعاء الأضيق هو الأقوى. فلا حاجة إلى أن تحل الشاة صندوق أحجية كما يفعل الغراب أو الرئيسيات لكي ترى أنها منخرطة ذهنيًا. كل ما عليك هو أن تكف عن معاملة الوجه الهادئ بوصفه دليلًا على عقل هادئ.
بمجرد أن تعرف أمر ذاكرة الوجوه، يتوقف المرعى عن أن يبدو خاليًا من التفكير. فالشاة التي بدت كأنها مجرد جسم متوقف وسط العشب، يُفهم أمرها على نحو أفضل بوصفها حيوانًا يحتفظ بخيط خفيف من أسماء بلا كلمات: وجوه مألوفة، وجيران معتادون، والمسافة الصحيحة عن القطيع، وإحساس بما هو طبيعي وبما يوشك ألّا يكون كذلك.
إنها طريقة ألطف للنظر إلى الحيوانات الساكنة، ولعلها أيضًا أصدق. فليس كل نوع من الذكاء يعلن عن نفسه. بعضه هادئ، اجتماعي، ويسهل أن يفوتك إن كنت لا تحترم إلا ما يبدو منشغلًا.
لذا، في المرة القادمة التي يبدو فيها المرعى شبه ساكن، امنحه بضع ثوانٍ أخرى. فقد يكون الحقل هادئًا، لكنه ليس خاليًا من التفكير، وألطف عادة هي أن تنظر قليلًا مدة أطول قبل أن تقرر أن شيئًا لا يجري. إنها طريقة أجمل لملاقاة العالم، وأكثر إنصافًا أيضًا.