تبدو تلك المخاريط الحجرية الشاهقة في غوريمه كأنها محضُ ظاهرة جيولوجية، لكن كثيرًا منها حُوِّل أيضًا إلى ملاجئ وغرف وكنائس صغيرة ومساحات للتخزين، وما إن تفهم كيف التقت نعومة الطف البركاني بالحاجة الإنسانية حتى تكفّ كابادوكيا عن أن تكون مجرد منظر، وتبدأ في الظهور كمكانٍ مبني.
عرض النقاط الرئيسية
وليست هذه الازدواجية مجرد طريقة شاعرية للحديث عنها. فقد أدرجت اليونسكو متنزه غوريمه الوطني ومواقع كابادوكيا الصخرية على قائمة التراث العالمي لقيمتهما الطبيعية والثقافية معًا، وهي أبسط صياغة رسمية ممكنة لقول الشيء نفسه: التكوينات الصخرية مهمة، وما فعله الناس بها مهم أيضًا.
تبدأ الحكاية بالبراكين. قبل ملايين السنين، نشرت الثورات البركانية من المراكز البركانية في وسط الأناضول الرماد في أنحاء المنطقة. ثم استقر ذلك الرماد، وانضغط، وتحول إلى طف، وهو صخر لين يمكن قطعه بسهولة أكبر من البازلت الصلب أو الغرانيت.
قراءة مقترحة
ثم بدأت عوامل الطقس عملها. فقد نحتت الرياح والأمطار والجريان السطحي ودورات التجمد والذوبان الشتوية هذا الطف على نحو غير متساوٍ. وحيثما استقرت طبقة أصلب فوقه، كانت تحمي الصخر الألين تحتها مدة أطول، فكانت النتيجة ساقًا ضيقة وتاجًا أعرض، وهو الشكل الذي يسميه الناس اليوم «مدخنة جنّية».
وإليك النسخة السريعة، لأن الأمر حقًا بهذه الروعة: صار الرماد البركاني طفًا لينًا، وأبطأت الطبقة الصلبة العلوية التعرية، فأبقت الرياح والمياه أبراجًا قائمة، ثم اكتشف الناس أن الحجر نفسه، لليونته، يمكن تفريغه من الداخل، وبعد ذلك أعادت أجيال متعاقبة استخدام تلك الفراغات ووسّعتها، وهذا أحد أسباب بقاء هذا القدر الكبير منها.
هذه هي فكرة المقال كلها في سطر واحد. لم تكن تلك المداخن صخورًا غريبة صودف أن سكنها الناس على سبيل الحيلة. فقد جاء شكلها من التعرية أولًا، لكن فائدتها جاءت من الليونة نفسها التي كشفتها التعرية.
لو كنت تعيش في مكان تحيط به حجارة قابلة للتشكيل، لكان النحت فيها منطقيًا من الناحية العملية. فالطف يمكن قطعه بأدوات يدوية. والغرفة المنحوتة داخل الصخر يمكن أن تبقى أبرد في الطقس الحار، وأكثر استقرارًا في البرد، من بناء ذي جدران رقيقة في العراء.
وهذا أهم من الاسم الحالم نفسه. فلم يكن الناس يحاولون صنع أعجوبة لزوّار المستقبل. بل كانوا يستخدمون ما تتيحه لهم الأرض: مأوى، ومساحات للتخزين، وأماكن للعبادة، وفي بعض أنحاء كابادوكيا مجمّعات كاملة منحوتة في الصخر مرتبطة بالحياة اليومية.
وقد وثّق المؤرخون وعلماء الآثار هذا النمط الأوسع في كابادوكيا منذ زمن طويل، ولا سيما من العصر البيزنطي فصاعدًا، حين نُحتت في الطف كنائس وغرف رهبانية وبيوت للحمام وفضاءات سكنية. ولست بحاجة إلى كل التواريخ كي تدرك الفكرة الأساسية. فالحجر اللين جعل إنشاء فضاءات قابلة للسكن منخفض الكلفة ومحلية وقابلة للتوسعة.
ولهذا تبدو هذه المداخن غريبة إلى هذا الحد عند النظرة الأولى. فنحن معتادون على تقسيم العالم إلى صندوقين: الطبيعة هنا، والبناء هناك. لكن غوريمه ترفض هذا الفصل باستمرار.
في أي لحظة تتوقف الصخرة عن أن تكون جيولوجيا وتبدأ في أن تصبح عنوانًا؟
تأمل فتحة واحدة محفورة في وجه أحد هذه المداخن. إذا كان المدخل مصقولًا لا خشنًا، وإذا جاء موضعه على صلة بفتحة أخرى فوقه أو إلى جانبه، وإذا بدا الفراغ موضوعًا في مكانه لا ممزقًا منه، فأنت لم تعد تنظر إلى التعرية وحدها. بل تنظر إلى استعمال بشري.
وتفصيل واحد كهذا يغيّر كل شيء. فالتجويف الطبيعي يمكن أن يحدث. لكن الفتحات المتراكبة، والحواف المتكررة، والعتبات المنحوتة، والتجاويف المتجمعة في البرج نفسه، كلها توحي بتخطيط من صنع الأيدي البشرية. قد لا يكون تخطيطًا فخمًا، لكنه استعمال ما زلت تستطيع قراءته من الخارج.
وهذا أفضل اختبار بسيط تحمله معك حين تزور المكان. اسأل نفسك: هل يبدو النمط عرضيًا أم منظمًا من أجل الحياة؟ فتحة واحدة لا تثبت الكثير. أما عدة فتحات تعمل معًا، ولا سيما مع مداخل ملساء ونحت متجمع، فترجّح السكن أو وظيفة مقصودة أخرى.
وبمجرد أن ترى ذلك، لن تستطيع ألّا تراه بعد الآن. فالمِدخنة لا تعود تبدو كسارية وحيدة، بل ككتلة رأسية من الغرف المشذبة من حجر لين. لقد عاش الناس فعلًا في ذلك.
وهنا يأتي التصحيح الصريح الذي يفرضه المكان. فليست كل فتحة منحوتة مسكنًا لعائلة. بعض التجاويف استُخدم للتخزين. وبعضها كان كنائس صغيرة. وبعضها بيوتًا للحمام. وبعض الفضاءات وُسّع أو أُعيد توظيفه أو تكييفه لاحقًا. وقد تبدو بعض الفتحات موحية من بعيد، ثم يتبين عند الاقتراب منها أن الأمر أقل وضوحًا.
وجدير بقول هذا لأن المسافرين قد يضفون على هذه الأماكن مسحة رومانسية، ثم يبدؤون في قراءة حياة منزلية قديمة في كل شق مظلم في الصخر. والنهج الأفضل أبسط وأكثر احترامًا: افصل بين التعرية الطبيعية والنحت المقصود، وافصل بين الاستخدام السكني وسائر الاستخدامات الأخرى.
ولحسن الحظ، يساعدك الحجر نفسه على فعل ذلك في كثير من الأحيان. فالتجوية العشوائية تبدو عشوائية في الغالب. أما العمل البشري فيميل إلى التكرار. فهو يربّع حافة، ويُحاذي الفتحات، ويُنعّم المدخل، ويجمع الفضاءات حيث يستطيع الإنسان بالفعل أن يتحرك أو يخزن أو يصلي أو ينام.
قد تبدو كابادوكيا غامضة حين تُعامَل بوصفها مجرد أعجوبة طبيعية أو مجرد أثر من آثار الاستيطان القديم. لكنها أسهل من ذلك فهمًا. فالليونة الجيولوجية نفسها التي سمحت للرياح والماء بنحت الطف هي أيضًا التي سمحت للناس بأن يقطعوا فيه ويقيموا داخله.
لذلك، إذا وجدت نفسك تنظر إلى المداخن الجنّية في غوريمه، فلا تسأل فقط كيف صنعتها الطبيعة. اسأل أيضًا: ما العلامات الدالة على الاستعمال التي حوّلت الحجر إلى مأوى؟ الفتحات المتراكبة، والمداخل المنحوتة، والتجاويف المتجمعة، وآثار القصد. عندها تكفّ تلك الأبراج الشهيرة عن أن تكون مجرد غرابة طبيعية أضيف إليها التاريخ لاحقًا، وتغدو ما كانت عليه منذ البداية: تضريسًا أرضيًا من جهة، وبيتًا من جهة أخرى.