يبدو هذا الطائر كأنه صُمّم للوقوف على حافة جرف، ومع ذلك يستطيع أن يطير تحت الماء ويعود وفي منقاره عدة أسماك ممسوكة بإحكام. تلك هي غرابة البفن الواضحة: طائر بحري صغير أنيق فوق السطح، وآلة صيد سريعة تحته.
عرض النقاط الرئيسية
وثّق عالم أحياء الطيور البحرية مايك ب. هاريس، الذي أمضى عقودًا في دراسة طيور البفن في جزيرة آيل أوف ماي في اسكتلندا، طيورًا تعود وصفوفًا من الأسماك الصغيرة ممسوكة عرضيًا في المنقار. وبالنسبة إلى بقيتنا، فهذا يعني أن البفن الذي يلفت نظرك أولًا بوجهه الزاهي يفعل شيئًا أغرب بكثير من مجرد الوقوف على صخرة. فهو يصطاد مرارًا في البحر، ويتمكن بطريقة ما من عدم إسقاط السمكة الأولى بينما يلتقط التالية.
على اليابسة، قد يبدو البفن جامدًا بعض الشيء، أشبه بلعبة، بجسم مدمج وأرجل قصيرة موضوعة إلى الخلف لتلائم السباحة. ويصبح هذا الشكل أوضح معنى حين تتذكر أين يكسب رزقه. فهو يتغذى في البحر، في الغالب على الأسماك الصغيرة، وكثير من عناصر تصميمه المفيدة ينتمي إلى الماء لا إلى الجرف.
قراءة مقترحة
لا يلاحق البفن الأسماك بالتجديف كما يتخيل كثيرون. إنه يستخدم جناحيه. وتحت الماء، تخفق تلك الأجنحة القصيرة كما لو كانت زعانف، فتدفع الطائر عبر عمود الماء بينما تساعد القدمان في التوجيه. وإذا رأيته من الجانب، فالأمر أقل شبهًا ببطة تغوص، وأكثر شبهًا بطائر يستعير عمل البطريق لبضع ثوانٍ في كل مرة.
وهذا ليس مجرد تشبيه جميل. ففي مراجعة نُشرت عام 2019 في مجلة Frontiers in Ecology and Evolution، وصف كايل هـ. إليوت وديفيد لينتينك طيور الألكيد، وهي الفصيلة التي ينتمي إليها البفن، بأنها طيور غوص تدفع نفسها بالأجنحة وتستخدم البنى الأساسية نفسها للطيران في الهواء والطيران تحت الماء. وبعبارة أبسط، تؤدي أجنحة البفن وظيفتين في آن واحد. فالطائر الذي تراه على الجرف يحمل معه مجموعة من المراوح المائية.
توقف قليلًا عند الرأس. الجسم مدمج، والعنق قصير، ثم هناك ذلك المنقار الزاهي الذي يبدو أكبر من أن يلائم الطائر. من السهل أن تراه أولًا مجرد زينة، لكن حجمه وحده ينبغي أن يثير شكك.
أكثر من واحدة، وغالبًا عدة أسماك. ففي ظروف التغذية الجيدة، قد يعود البفن وهو يحمل حزمة صغيرة من الأسماك مصطفّة عبر المنقار، تمسك كل واحدة منها بشكل عرضي. والمفاجأة ليست في العدد وحده، بل في أن الطائر يستطيع الاستمرار في اصطياد أسماك جديدة من دون أن يفقد ما التقطه أولًا.
وهنا يأتي الانتقال الحاسم. منقار البفن أداة عملية. فعندما يلتقط سمكة، يستطيع أن يثبت الأولى على أشواك خشنة في سقف الفم مستخدمًا لسانه، ثم يضيف أخرى. الأجنحة القصيرة تدفعه في الغوص. القدمان توجهانه. الأسماك تستقر عرضيًا. واللسان يساعد على تثبيتها. وتجاعيد الفم تساعد على إحكام القبض عليها.
وإذا أردت اختبارًا صغيرًا لنفسك، فانظر إلى منقار البفن واسأل: ما السمة التي تمكّن هذا الطائر من الاحتفاظ بسمكة زلقة بينما ينفتح المنقار لالتقاط التالية؟ الجواب ليس مجرد قوة عضة أكبر. بل هو مزيج من لسان متخصص وتلك الأشواك المتجهة إلى الخلف، والتي تُسمى أشواك odontocerete، على الحنك.
وقد وُصفت هذه الآلية منذ سنوات في أعمال الباحثين في البفن والأدلة الميدانية، كما اختبرها بصورة أنيقة توماس ن. بيركهد في ورقة بحثية نُشرت عام 2018 في British Birds، استعرضت كيف يثبت البفن عدة أسماك في منقاره مع مواصلة البحث عن الغذاء. والصورة الذهنية البسيطة هي الأجدى: المنقار يقبض، واللسان يعمل كدعامة متحركة.
هنا تكمن الحلقة المفصلية في هذا الطائر كله. فعلى الجرف يبدو المنقار كبيرًا أكثر من اللازم، ويكاد يكون هزليًا. أما في البحر، فيتحول إلى أداة حمل.
وتتجلى أهمية ذلك أكثر ما تكون في موسم التكاثر، حين يجلب البالغون الطعام إلى الفراخ. فالطائر الذي يستطيع حمل عدة أسماك صغيرة في رحلة واحدة يبدد جهدًا أقل من طائر يعود بصيد واحد في كل مرة. وغالبًا ما تعود طيور البفن الأطلسية بأسماك الرمال أو الكبلين أو غيرها من الأسماك الصغيرة، بحسب موقع المستعمرة وما هو متاح في الجوار.
لكن لذلك حدًا واضحًا. فمظهر «حزمة الأسماك في المنقار» الشهير حقيقي، إلا أن كل رحلة لا تبدو على هذا النحو. إذ يتغير حجم الحمولة تبعًا لنوع الفريسة، والموسم، وظروف التغذية المحلية، لذلك قد يعود أحد طيور البفن بمنقار ممتلئ، بينما يرجع آخر ومعه بضع سمكات فقط، أو حتى سمكة واحدة.
وإذا ساورك الشك في أن هذا الأمر يُبالغ فيه لأن البفن يبدو طائرًا غير مألوف، فالخبر الجيد أن هذا السلوك شوهد مباشرة في مستعمرات التكاثر منذ زمن طويل. لم يخترع الباحثون والمصورون هذه الحيلة لأن الطائر جذاب. فالتشريح يلائم المهمة، والمشاهدات الميدانية المتكررة تنسجم مع هذا التشريح.
لا تنظر إلى الألوان فقط. انظر إلى وضعية الرأس وشكل المنقار. ثم تخيل الطائر نفسه تحت الماء، وجناحاه يخفقان في مياه بحر باردة، وهو يطارد سمكة نحيلة ويمسكها عرضيًا بينما يواصل السعي خلف أخرى.
وهذا التحول الواحد يكفي لترسخ صورة البفن في ذهنك على نحو صحيح. فهو ليس مجرد طائر بحري أنيق على حافة عشبية. بل هو غوّاص صُمّم لالتقاط الفريسة بسرعة وحمل حمولة صيد صغيرة إلى موطنه في المنقار الزاهي نفسه الذي يجعل الناس يبتسمون لأول وهلة.
منقار البفن الزاهي معدّ لحمل الأسماك.