يظنّ معظم الناس أن دوّار الشمس يظلّ يتبع الشمس طوال فترة الإزهار، لكن الرؤوس الزهرية الناضجة تتوقّف عادةً عن ذلك وتتجه نحو الشرق بدلًا من ذلك، وهي في الحقيقة حقيقة أجمل من الأسطورة، لأن القصة الحقيقية أمتع من الخرافة.
عرض النقاط الرئيسية
وهذا التصحيح ليس مجرد كلام يتناقله الناس في الحدائق. ففي عام 2016، ذكر هاغوب س. أتاميان وزملاؤه في مجلة Science أن نباتات دوّار الشمس الشائعة الفتية تتعقّب الشمس من الشرق إلى الغرب خلال النهار، ثم تعيد ضبط وضعها ليلًا، بينما تتوقّف الرؤوس الزهرية الناضجة عن الحركة وينتهي بها الأمر إلى مواجهة الشرق.
إذا قضيت عددًا كافيًا من فصول الصيف قرب صفوف دوّار الشمس، فستبدأ بملاحظة أن النباتات الصغيرة تتصرف على نحو مختلف عن الرؤوس الكبيرة المتقدمة. فالنباتات الأصغر سنًا، قبل أن تتفتح الزهرة تمامًا، تؤدي حركة يومية بطيئة متأرجحة. أما الأزهار الناضجة فتبدو وكأنها قد استقرت وحسمت أمرها.
قراءة مقترحة
وهذا هو أول تمييز مفيد ينبغي أن تحتفظ به في ذهنك: رؤوس فتية متحركة، وأخرى ناضجة ثابتة. قد يبدو فرقًا بسيطًا، لكنك متى عرفته، لم يعد الحقل كله يبدو شيئًا واحدًا، بل مجموعة من النباتات في مراحل مختلفة، يتعامل كل منها مع النهار بطريقته الخاصة.
وهناك اختبار بسيط يمكنك القيام به على طريقة التحقق السريع من جانب الطريق. مرّ بحقل دوّار الشمس في الصباح الباكر، ثم عد إليه في وقت متأخر من النهار. قارن بين الرؤوس غير المتفتحة أو الفتية وبين الأزهار الكبيرة الناضجة. فالرؤوس الأصغر هي الأرجح في إظهار تأرجح اليوم، أما الوجوه الناضجة فهي الأرجح في أن تبقى متجهة نحو الشرق.
تتضح الآلية ما إن تختزلها إلى الساق. ففي النهار، ينمو الجانب الشرقي من ساق دوّار الشمس الفتي أكثر، فيميل الرأس نحو الغرب مع حركة الشمس. وفي الليل، ينمو الجانب الغربي أكثر، فيعيد النبات سحب نفسه نحو الشرق قبل الفجر.
وهذا النمو المتناوب ذهابًا وإيابًا مرتبط بالساعة اليوماوية للنبات، أي نظامه الداخلي لضبط الوقت. وفي دراسة أتاميان، لم تكن الحركة مجرد دفعة مباشرة من ضوء الشمس. فقد حافظت النباتات على إيقاع يومي، وكان هذا الإيقاع يساعد على تنظيم موضع استطالة الساق وتوقيتها.
ثم يغيّر النضج هذا الترتيب كله. إذ يتباطأ نمو الساق، وتتوقف الحركة اليومية، وينتهي الأمر بالرأس الزهري إلى مواجهة الشرق. والخلاصة المختصرة: ينمو جانب في النهار، وينمو الجانب الآخر في الليل، وتضبط الساعة الإيقاع، وتقوم الساق بالعمل، ثم تتوقف الحركة عندما تنضج الزهرة.
وهذا صحيح بالنسبة إلى دوّار الشمس الشائع في ظروف النمو المعتادة، لكن ليس كل زهرة في كل حقل ستصطف على نحو مثالي. فقد تجعل الأحوال الجوية، والازدحام، والأضرار، وعدم تجانس الضوء، وببساطة اختلاف المرحلة النمائية، بعض الرؤوس منحرفة عن الزاوية المتوقعة.
انتقل الآن من زهرة واحدة خلال يوم واحد إلى كثير من الأزهار عبر أجيال كثيرة. نعم، للحركة اليومية أهميتها، لكن المكسب الأكبر هو ما يحدث عندما تتوقف الزهرة الناضجة عن الدوران وتحافظ على هذا الاتجاه الشرقي.
وفي الورقة نفسها المنشورة في مجلة Science عام 2016، وجد أتاميان وشركاؤه أن الرؤوس الزهرية الناضجة المتجهة شرقًا تسخن بسرعة أكبر في الصباح وتجذب عددًا أكبر من الملقحات. وعندما وجّه الباحثون الرؤوس الناضجة نحو الغرب، تلقت تلك الأزهار الغربية زيارات من الملقحات أقل بنحو خمس مرات من الأزهار المتجهة شرقًا. وهنا تكمن لحظة الفهم في القصة كلها.
إذًا، فالتوقف على الجهة الشرقية ليس حركة متبقية فحسب، كأنها باب علق في منتصف الطريق. بل يبدو أقرب بكثير إلى استراتيجية مضبوطة التوقيت: تتبع الشمس ما دمت في طور النمو، ثم تتوقف عن الحركة وتستفيد من دفء الصباح المبكر الذي يساعد على جذب النحل وغيره من الملقحات عندما تصبح الزهرة جاهزة لها.
الملقحات كائنات عاملة. والزهرة التي تسخن في وقت أبكر من اليوم يمكن أن تصبح أكثر جاذبية في وقت أبكر، وتكاثر دوّار الشمس يعتمد على تلك الزيارات. فإذا كانت الأزهار المتجهة شرقًا تنال هذا الإقبال، بينما تفوّت الأزهار المتجهة غربًا ذلك، فإن الانتقاء الطبيعي يجد أمامه مادة وافرة ليعمل عليها.
وهنا ينفتح الباب على الزمن الأطول. فذلك الانحناء اليومي الطفيف في الساق لا يبقى في النوع لأنه يبدو ساحرًا في أعيننا. بل يبقى لأن النباتات التي أحسنت التعامل مع التوقيت، عبر الأجيال، خلّفت بذورًا أكثر.
وعند النظر إليه بهذه الطريقة، لا يكون دوّار الشمس بصدد أداء رمزٍ ما. إنه يحل سلسلة من المشكلات: أين يوجد الضوء أثناء النمو، وكيف يعيد الضبط ليلًا، ومتى ينبغي أن يتوقف، وأي اتجاه يخدم التلقيح على أفضل وجه عندما تنضج الزهرة.
لا يزال بإمكانك أن تقول، بصدق: «لقد رأيت صورًا لدوّار الشمس يبدو فيها جميعه وكأنه يتبع الشمس». وهذا مفهوم. فكثير من الصور تلتقط نباتات فتية، أو تلتقط الحقل في وقت واحد من النهار وتدع دماغك يكمل بقية القصة.
وتبقى الأسطورة أيضًا لأن عبارة «دوّار الشمس يتبع الشمس» أنيقة ومناسبة إلى حد كبير في مرحلة معينة. لكن ما يسقط منها هو جانب دورة الحياة. فالحقل يكتسب معنى مختلفًا تمامًا حين تفصل بين الرؤوس الفتية التي ما تزال تتأرجح والرؤوس الناضجة التي استقرت بالفعل نحو الشرق.
ولهذا السبب، فإن التحقق بنفسك أهم من أي عبارة موجزة. مرّ بالمكان في ضوء الصباح، ثم مرة أخرى قرب المساء، وقارن بين المراحل بدلًا من التعامل مع كل زهرة كما لو أنها تؤدي المهمة نفسها.
بعد أن تعرف هذا، لن يعود دوّار الشمس مجرد رمز مسطح واحد، بل سيبدو نباتًا يملك إحساسًا بالتوقيت. وحيلته الأبرز ليست أن يواصل الدوران إلى الأبد. بل إن الحركة الذكية هي أن يدور وهو فتي، ثم يتوقف عندما يصبح التوقف هو الخيار الأجدى.
إن أكثر ما يبدو كأنه حركة ذكية لدى دوّار الشمس ليس اتباع الشمس إلى الأبد، بل معرفة متى يتوقف ويواجه الشرق.