كيف تجمع مدينة مينائية كورية الجسورَ والشحنَ ووسطَ المدينة في مرفأ واحد
ADVERTISEMENT
ما يبدو مزدحمًا للوهلة الأولى هو في الحقيقة مكان صُمّم ليحتفظ بحقيقتين متناقضتين في آن واحد: حركة واسعة واحتشاد كثيف.
وهذه هي حيلة واجهة ميناء بوسان. فجسر ميناء بوسان ليس موجودًا للزينة، بل هو بنية تحتية عاملة: وتذكر مواد مدينة بوسان الرسمية أن طول الجسر يبلغ 3,368 مترًا، وأن البناء
ADVERTISEMENT
بدأ في عام 2007، وافتُتح في مايو 2014. ابدأ من هذه النقطة، وستصبح قراءة المشهد كله أسهل.
صورة التقطها JHANY BLUE على Unsplash
جرّب اختبارًا سريعًا. تتبّع ثلاث طبقات في الوقت نفسه: مسارات المياه، وعبور الجسر، وتجمّعات الأبراج. أيّها يبدو أكثر ازدحامًا عند النظرة الأولى؟ الإجابة أقل أهمية من النقطة التالية: فهي لا تتنافس بالطريقة نفسها، لأن كل واحدة منها تستخدم مستوى مختلفًا وسرعة مختلفة.
لماذا يبدو هذا الميناء مزدحمًا لكنه لا يتصرف كاختناق مروري؟
ADVERTISEMENT
يعمل الميناء لأن الحركة فيه متراكبة. فالسفن تحتاج إلى مياه صالحة للملاحة بوضوح. والسيارات والشحن تحتاج إلى معبر لا يعطّل تلك المياه. والمساكن والمكاتب تحتاج إلى أن تتكدس قرب المركز من دون أن تمتد عبر الحافة العاملة.
هنا تحديدًا يثبت جسر ميناء بوسان جدواه. فبحره الرئيسي الممتد 540 مترًا يمنح السفن الكبيرة مساحة للمرور تحته عبر جزء طويل غير منقطع من الجسر، فيما تتحرك حركة الطرق فوقه. ويمكنك أن تتخيله كأنه بوابة أفقية طويلة تُترك مفتوحة للسفن، فيما يرتفع فوقها تيار ثانٍ للمركبات.
وباختصار: حين تفصل بين التدفقات، يهدأ الميناء. فحركة الملاحة تبقى في مسارات المياه. وحركة الطرق تقفز فوق الفجوة بدل أن تتكدس على العبارات أو تلتف إلى الداخل. وتظل المدينة كثيفة لأنها تبني إلى الأعلى، فلا تلتهم الأبنية المنخفضة الارتفاع خط الساحل العامل.
ADVERTISEMENT
ومن السهل أن يفوتك هذا الجزء الأخير إذا كنت تراقب الجسر فقط. فحافة وسط بوسان مدمجة بمعنى حرفي للغاية. إذ تستوعب الأبراج السكنية والتجارية الشاهقة عددًا كبيرًا من الناس على مساحة محدودة، ما يترك مجالًا أكبر لأعمال الميناء وروابط الطرق والمياه المفتوحة لكي تواصل أداء وظائفها.
ولا يزال ميناء بوسان، ولا سيما منطقة الميناء الشمالي، ميناءً عاملًا. فالرافعات، ومناولة البضائع، والوصول البحري، وروابط الطرق ليست بقايا من مدينة أقدم. إنها أنظمة نشطة. والسبب في أن هذه الواجهة كلها لا تنهار إلى ضجيج بصري هو أن الميناء منظم من أجل انسياب الحركة، فيما تُنظَّم المدينة إلى جانبه من أجل الكثافة.
ومن الأعلى، يكاد هذا يبدو كمخطط واضح. شريط يحمل السفن. وخط يحمل حركة العبور عبر الميناء. وتجمّع يحتضن الحياة الحضرية رأسيًا. وهنا تتجلى الفكرة: فهذه ليست سطحًا واحدًا مزدحمًا، بل عدة أنظمة متراكبة.
ADVERTISEMENT
الجزء الذي لا تلتقطه عيناك: الهدوء هنا بُني على إيقاع أبطأ بكثير
لكن هنا الجزء الذي يغيّر القصة كلها. فإذا قرأت الميناء بوصفه مجرد لغز مروري في الزمن الحاضر، فسيفوتك الواقع الأكبر، وهو أن انتظام اليوم تشكّل على مدى عقود لا دقائق.
لقد ظلّت واجهة ميناء بوسان تتكيف مع أنماط الشحن الجديدة، ولوجستيات الحاويات، والنمو الحضري لسنوات. ويكفيك خطّ الجسر الزمني ليخبرك بذلك. فقد بدأ البناء في عام 2007، ولم يُفتتح المعبر إلا في عام 2014. وهذه فترة طويلة من التخطيط والهندسة والتنسيق قبل أن يعبره أي سائق.
والأمر نفسه ينطبق على اليابسة. فقد حدّدت هيئة ميناء بوسان مساحة منطقة إعادة تطوير الميناء الشمالي عند 1,532,419 مترًا مربعًا. وهذه ليست معالجة صغيرة لرقعة محدودة. بل هي إعادة تخصيص للمساحة على مقياس مدينة، من النوع الذي يحدد أين يبقى نشاط الميناء، وأين يتسع الوصول العام، وكيف تتوقف الواجهة البحرية عن التعثر في نفسها.
ADVERTISEMENT
تمهّل قليلًا وتخيّل تسلسلًا اعتياديًا واحدًا. تدخل سفينة عبر مسار بحري يجب أن يظل واضحًا وآمنًا. وتغذي الشاحنات حركة الميناء في أماكن أخرى عبر روابط طرق صُممت لهذا العبء. وتؤوي أبراج الشقق السكان في كتل رأسية بدل أن يمتد السكن أفقيًا داخل الواجهة البحرية العاملة. هذا ليس ترتيبًا عرضيًا أنيقًا، بل فصلٌ مقصود بحكم التصميم.
ومن الأعلى، قد يبدو هذا التنسيق أكثر سلاسة مما هو عليه في الحياة على الأرض. ومن الإنصاف قول ذلك. فما زالت بوسان تتعامل مع الازدحام والضوضاء والمفاضلات التي تفرض نفسها حين يتشارك ميناء كبير ومدينة كثيفة حافة ضيقة.
إذا كان كل شيء مضغوطًا إلى هذا الحد، فلماذا لا يبدو الأمر فوضويًا؟
لأن النظام هنا لا يأتي من الفراغ. بل يأتي من منح كل وظيفة ما يكفي من الحيز في الاتجاه المناسب.
فالسفن تحتاج إلى فسحة أفقية وممرات موثوقة. والجسر يستجيب لطلب الطرق برفع المركبات فوق تلك المياه بدل دفعها إلى الشريط نفسه. والكثافة السكنية تستجيب للطلب الحضري بالصعود عموديًا. وما إن ترى هذه الاتجاهات بوضوح — عبر المياه، وفوق المياه، وصعودًا من الأرض — حتى يتوقف الميناء عن أن يبدو مكتظًا، ويبدأ في الظهور بوصفه منظّمًا.
ADVERTISEMENT
هذا لا يعني أن كل زاوية تبدو سهلة على مستوى الشارع. لكنه يعني أن التكوين العام منطقي. فالميناء يواصل العمل لأن الوصول إليه محمي. والمدينة تواصل النمو لأن السكان يتركزون قرب المركز. والجسر يخفف نوعًا من الضغط من دون أن يعيق نوعًا آخر.
وما يبدو وكأنه أكثر مما ينبغي من الأشياء المحشورة في ميناء واحد، يتبين في النهاية أنه نقيض ذلك تمامًا: دليل على أن الكثافة لا تبدو فوضوية إلا حين تُجبَر الوظائف المختلفة على التزاحم على السطح نفسه.
دييغو سالغادو
ADVERTISEMENT
زاخيكو .. المدينة الميتانية المفقودة تعود للظهور بالعراق بعد ٣٤٠٠ عام
ADVERTISEMENT
في السنين القليلة الماضية حدث جفاف شديد في نهر دجلة على مراحل متعددة بصورة تدريجية ، مما استدعى السلطات العراقية من أن تفتح خزانات سد الموصل لتحل هذه الأزمة وكانت هذه هي الخطوة الأولى في كشف الستار عن مدينة "زاخيكو" قلب الإمبراطورية الميتانية الغامضة والمفقودة منذ 3400 عام، حيث يعتبر
ADVERTISEMENT
العلماء مدينة زاخيكو علماء الآثار هي الحلقة المفقودة التي ستكشف الكثير عن تاريخ وأسرار الحضارة الميتانية في الأيام القادمة.
تاريخ المدينة المفقودة زاخيكو
صورة أحجار الطابوق (المصدر)
يرجح علماء الآثار أن مدينة زاخيكة تعود إلى الفترة بين عامي 1550 و1350 ق.م (قبل الميلاد) وأنها كانت أحد مراكز قوة الامبراطورية الميتانية القديمة.
تم العثور على الآثار الباقية لمدينة زاخيكو بفضل بعثة تنقيب قام بها فريق كردي ألماني في منطقة دهوك التي انخفض فيها منسوب مياه نهر دجلة بفضل الجفاف الذي حدث.
ADVERTISEMENT
وبفضل هذا الاكتشاف تم العثور على ما يقرب 200 لوح طيني مكتوب بالكتابة المسمارية يظن أنهم يحملون أسرار الامبراطورية الميتانية التي ظلت غامضة حتى يوم الاكتشاف العظيم هذا، ولازال علماء الآثار يعملون على فك شفرة هذه النصوص وترجمتها.
لمم تكن النصوص المسمارية هي الوحيدة المكتشفة جراء هذه البعثة ولكن تم الكشف أيضا عن آثار لجدران وبيوت مبنية من مادة تسمى "الطابوق" وهو مصنوع من الطين المحروق وكان يستخدم في البناء قديماً.
وأشار مسؤول عالٍ في منظمة الآثار لإقليم كردستان العراق أن بعد الانتهاء من أعمال الحفر تم رسم وتحديد خريطة مدينة زاخيكو
بشكل دقيق والإشارة إلى ما تحتويه من منازل وطرقات.
رحلة عبر الزمن في مدينة زاخيكو..
صورة جزء من الجدران الملونة المكتشفة في مدينة زاخيكو (المصدر)
استمرت أعمال الحفر والتنقيب لمدة اربعين يوما متواصلة في موقع مدينة زاخيكو القديمة وذلك على أيدي البعثة الكردية الألمانية عن جامعتي "توبيغن وفرايبورغ" الألمانيتين وكانت الأعمال متتابعة ومكثفة بهذا الشكل بهدف الإلمام بأكبر قدر ممكن من المعلومات عن المدينة المكتشفة قبل عودة المياه للجريان فوقها مرة أخرى.. وهو نفسه السبب الذي جعل العلماء يقومون بتغطية سطح المدينة بالبلاستيك والتراب لحمايتها من الماء عند عودته.
ADVERTISEMENT
وأغلب الظن لدى علماء الآثار أن المدينة المكتشفة هي مدينة "زاخيكو" التي كان قد ورد ذكرها أكثر من مرة في النصوص البابلية القديمة، المدينة التي كانت تضم قصراً وبيوتاً وسوراً كبيراً يحيط بهم. وللتأكد من حقيقة كونها هي المدينة المعنية بالذكر أم لا فلا بد من فك النصوص المسمارية التي تم العثور عليها والتي عددها يقارب المئتين نص.
ويذكر عالم الآثار "ناظم زيباري" أن ما تم العثور عليه هو مجموعة من العظام والكتابات المسمارية والنصوص والجدران السفلية وأنه إذا تم انخفاض منسوب المياه مرة أخرى ستسنح الفرصة للقيام بالمزيد من أعمال التنقيب والحصول على معلومات إضافية.
الاكتشافات تتوالى عبر السنين
في عام 2018 وجد مبنى ضخم نسبيا عن طريق الصدفة عندما انحسرت المياه عن خزان سد الموصل على نهر دجلة، ثم عادت المياه فغطت الموقع من جديد.
ADVERTISEMENT
وبعدها في عام 2019 تم الإعلان عن اكتشاف آخر أكبر ولو اكتشاف مدينة كاملة يظن أنها مدينة زاخيكو الميتانية وكان هذا الاكتشاف في محافظة دهوك على يد البعثة الكردية الألمانية التي أشرنا إليها وخرج مع هذه البعثة بعض القطع المكتشفة حديثا بهدف الدراسة والتفسير.
لم يمر عدة أشهر حتى تم العثور على جدران ملونة في موقع المدينة المكتشفة حديثاً بالإضافة إلى ألواح جديدة غير التي سبق اكتشافها كتبت بالكتابة المسمارية أيضا سيتم تحليلها ودراستها هي الأخرى، ويظن أن هذه الألواح تتمم ما تم رصده في الألواح السابقة عن الحياة في المدينة الميتانية زاخيكو بجل أشكالها سياسياً وعسكرياً وحتى اجتماعياً وتجارياً وأن بعد تمام فك هذه النصوص لن تظل مدينة زاخيكو بشكل خاص الإمبراطورية الميتانية بشكل عام غامضة كما كانت قبل هذا الاكتشاف المبهر.
إسلام المنشاوي
ADVERTISEMENT
من باريس الهوسمانية إلى لا ديفانس: محور واحد يكشف كيف تغيّرت المدينة
ADVERTISEMENT
ما يبدو كأنه قطيعة بين باريس القديمة وأفقها الحديث هو، في هذه الحالة، العكس تمامًا: فحيّ لا ديفونس يُكمل خطًا ظلت باريس تمدّه غربًا على مدى قرون.
ولهذا الخط اسم، وهو مهم. يطلق عليه المخططون والمؤرخون اسم «المحور التاريخي» (Axe historique): وهو مسار احتفالي مستقيم يمتد من متحف اللوفر عبر
ADVERTISEMENT
حدائق التويلري، ثم يعبر ساحة الكونكورد، ويصعد على طول الشانزليزيه إلى قوس النصر، ثم يواصل طريقه إلى لا ديفونس، حيث اكتمل القوس الكبير «غراند آرش» عام 1989 بوصفه امتداده الغربي الحديث.
صورة بعدسة فلوريان فيهده على Unsplash
لماذا يبدو الأفق نشازًا في الوهلة الأولى
يرى الناس الأبراج وراء المدينة الحجرية القديمة فيظنون: هناك، عند تلك النقطة، تنتهي «باريس الحقيقية». وهذا مفهوم. فقد درّبت باريس العين على توقّع الكرانيش والشرفات وخطّ سقوف متقارب الارتفاع، لذا قد تبدو مجموعة من الزجاج والفولاذ وكأنها مقاطعة للمشهد.
ADVERTISEMENT
لكن في هذا الشارع العريض، ليست الهيئة المعمارية هي القاعدة الأساسية المنظمة. بل الهندسة. فالمباني الأقدم، والجادة، وقوس النصر، ثم الحيّ الممتد وراءه، ليست مصطفّة في مشهد واحد على سبيل المصادفة. إنها تستقر على استقامة موروثة، جيلًا بعد جيل، كأنها درز أُبقي عليه بعناية فيما تغيّر القماش من حوله.
وهذه هي الصيغة البسيطة التي تستحق أن تبقى في الذهن: ليست الأبراج هي ما ينظّم نظرك هنا، بل المحور. ويُقرأ لا ديفونس بوصفه جزءًا من المشهد لأنه وُضع على ذلك الخط، لا لأن المباني الحديثة تحاكي باريس القديمة بطريقة ما.
على أن ليس كل الباريسيين يحبون لا ديفونس. فكثيرون ما زالوا يرون الأفق صادمًا أو مفرط الضخامة أو منفصلًا وجدانيًا عن بقية المدينة. وهذا المقال لا يريد أن يأمر أحدًا بحبّه؛ إنما يشرح فقط لماذا يبدو المشهد متصلًا حتى حين لا تكون العمارة كذلك.
ADVERTISEMENT
الحيلة أقدم من الأبراج
المحور التاريخي واحد من أفكار التخطيط التي تبدو فخمة حين تسمعها، ثم يتضح أنها عملية جدًا ما إن تراها. فهو خطّ نظر وحركة، لكنه أيضًا بيان عن الطريقة التي تريد المدينة أن تقدّم بها نفسها: منظّمة، مقروءة، ممتدة إلى الخارج من غير أن تفقد بوصلتها.
ويهمّ تتابع عناصره لأن كل جزء يسلّم العين إلى الجزء الذي يليه. فاللوفر يضع سلطة البداية. وتُبقي حدائق التويلري الخط مفتوحًا. وتوسّعه ساحة الكونكورد ليصبح مفصلًا عامًا. وتمدّه الشانزليزيه غربًا بوصفها جادة. أما قوس النصر فيوقفك لحظة، ثم يطلق الخط من جديد بدل أن ينهيه.
وفي هذه النقطة تحديدًا يسيء كثير من الزوار قراءة المشهد. فهم يتعاملون مع القوس بوصفه نصبًا ختاميًا، نقطةً أخيرة. لكنه، من منظور التخطيط العمراني، يمثّل أيضًا نقطة ترحيل. فالخط يتواصل بعده نحو منطقة الأعمال التي جرى تطويرها عمدًا خارج المركز التاريخي.
ADVERTISEMENT
جرّب اختبارًا صغيرًا. تتبّع المسار في ذهنك: اللوفر، فالحديقة، فالساحة، فالجادة، فالقوس، ثم أبعد غربًا نحو لا ديفونس و«غراند آرش». ولو اختفت الأبراج غدًا، لكن بقي المحور، فما الذي سيظل ينظّم بصرك؟ الجواب هو الخط نفسه.
ما الذي يفعله «غراند آرش» هناك بالضبط؟
ليس «غراند آرش» مجرد جسم ضخم جاثم في البعيد لأن الأرض هناك كانت فارغة ومتاحة. لقد جرى تصوّره بوصفه نظيرًا حديثًا على المحور، نصبًا من أواخر القرن العشرين وُضع عند الطرف الغربي لهذا التسلسل الطويل. وعندما اكتمل عام 1989، صار المقصود واضحًا: كانت باريس تمدّ خطًا مدنيًا إلى عصر جديد، لا تلقي منطقة أعمال عشوائيًا وراء المدينة القديمة.
وعند النظر إليه بهذه الطريقة، يغدو التباين أقل عبثية. فالواجهات القديمة تؤدي وظيفة، والقوس الحديث يؤدي وظيفة أخرى. وليس من الضروري أن يتشابها في الطراز لأنهما يتعاونان في الموضع. وهذا، في رأيي، ضرب من الثقة العمرانية الفرنسية: ليس التماثل، بل الاصطفاف.
ADVERTISEMENT
قف أمام الجادة ودع بصرك يسير. سوف يمر بين الأشجار وحركة المرور والواجهات الحجرية وقوس النصر، ثم يواصل طريقه حتى يلتقطه «غراند آرش» ويؤطره بصرامة. ولطالما تعامل المخططون مع المحاور على هذا النحو: لا بوصفها مصادفات جميلة، بل أدوات للمحاذاة والرمزية والامتداد.
ثم ينفتح فجأة مقياس الزمن
هنا تكمن النقطة التي تفوت الناس لأنهم يقرأون المشهد بصيغة الحاضر وحدها. فأنت لا ترى مجرد باريس القديمة وقد أُلصقت بها بعض المباني الأحدث في الطرف. بل ترى خطًا واصلت أنظمة مختلفة تمديده غربًا عبر لحظات سياسية شديدة التباين.
أرض ملكية. نصب إمبراطوري. جادة جمهورية. حي أعمال ما بعد الحرب. ثم، في عام 1989، قوس من جديد. حديقة، فساحة، فجادة، فقوس، فحي، فقوس. في مشهد واحد، تنضغط قرون داخل جملة مدنية واحدة.
وهنا يحدث التحول الحقيقي. فمتى رأيت الجادة بوصفها تراكمًا لقرارات، لا مجرد خليط من الأساليب، تبدّل السؤال. لم يعد السؤال: «لماذا اقتحمت باريس الحديثة باريس التاريخية؟» بل صار: «كيف واصلت باريس التاريخية إسقاط قواعدها نحو الخارج، حتى حين تغيّرت العمارة بالكامل؟»
ADVERTISEMENT
وهذا لا يحسم مسألة الذوق، والحمد لله على ذلك. فالاستمرارية المخططة قد تفضي مع ذلك إلى انقطاع عاطفي. قد يعجب شخص ما بالمحور، ومع هذا يكره الأبراج. لا بأس. فالانتظام البصري والمودّة الشخصية ليسا الشيء نفسه.
الطريقة الأدق لقراءة هذا الشارع العريض
ما يهم هو أن المشهد مقروء. إنه يخبرك أن المدن تستطيع أن تحافظ على استمراريتها بالهندسة والقصد، لا بمجرد الإبقاء على المواد نفسها أو الارتفاع نفسه أو القرن نفسه. وما إن تستوعب ذلك، حتى تبدأ بملاحظة خطوط موروثة شبيهة في أماكن أخرى: مراكز قديمة تسلّم المشهد إلى أحياء أحدث من غير أن تتخلى عن الخطة الكامنة تحتها.
ولهذا فإن هذا الامتداد من باريس أكثر إثارة للاهتمام من الحكاية المستهلكة عن مدينة قديمة في مواجهة أفق حديث. فعلى هذا المحور، لا يقطع لا ديفونس صلة باريس بنفسها؛ بل يطيع واحدة من أقدم التعليمات التي أمْلتها المدينة على نفسها.