ما يبدو كأنه دفعة انفجارية واحدة هو في الحقيقة تحرر نابض؛ فالجرادة أنجزت معظم العمل قبل أن تغادر الساق.
عرض النقاط الرئيسية
وهنا تكمن الغرابة. تبدو القفزة وكأنها تحدث في طرفة عين، لكن الفعل الحقيقي يبدأ في تلك القرفصة الوجيزة قبل الانطلاق. فبحلول اللحظة التي تصير فيها الحشرة في الهواء، تكون الطاقة قد حُزمت داخل جسمها كما تُشد ساعة زنبركية.
للوهلة الأولى، يبدو الجواب بسيطًا بما يكفي: للجراد سيقان خلفية كبيرة، لذلك يدفع بقوة وينطلق. ولا شك أن قوة الساقين مهمة. لكنها ليست سوى نصف القصة، وليست نصفها المدهش.
الصعوبة الحقيقية هي السرعة. فالقفزة تتطلب قدرًا كبيرًا من القدرة في دفعة قصيرة جدًا. والقدرة تعني مدى سرعة إيصال الطاقة، وللعضلات حدود في ذلك. فحتى العضلات الممتازة لا تستطيع أن تفرغ كل قوتها في لحظة واحدة كما يفعل النابض.
قراءة مقترحة
هنا تنعطف الآلية. ففي عام 1967، درس مالكولم بوروز قفز الجراد في دورية Journal of Experimental Biology، وأظهر أن الانطلاق لا يمكن تفسيره على أنه مجرد دفعة مباشرة من العضلات وحدها. ثم جاءت أعمال لاحقة لبوروز وغريغوري ساتون، منها ورقة منشورة عام 2008 في Journal of Experimental Biology عن قفزات حشرات froghopper، لتوضح الفكرة البيوميكانيكية العامة نفسها عبر الحشرات القافزة: حين تتجاوز القدرة المطلوبة للإقلاع ما تستطيع العضلات تقديمه في لحظة وجيزة واحدة، يخزن الحيوان الطاقة أولًا ثم يطلقها بسرعة.
وبلغة بسيطة، فالحشرة لا تؤدي قفزة قرفصاء صغيرة كما يفعل الإنسان. إنها تشد نفسها كما يُشد نابض.
أبطئ المشهد وراقب الجرادة قبل القفز، لا أثناءه. تنثني الساقان الخلفيتان بإحكام تحت الجسم. وتصطف المفاصل. وتنقبض العضلات في الصدر والساقين بينما لا تزال الحشرة ثابتة في مكانها.
تلك هي اللحظة المتباطئة، الجزء الذي تغفله أعين كثيرة. لا يبدو أن شيئًا دراميًا يحدث. لكن في الداخل، تسحب العضلات ضد تراكيب في الساقين والجسم يمكنها أن تنثني وتحتفظ بالتوتر لحظة، بما في ذلك الكيوتكل والبروتينات المرنة مثل الريزيلين الموجودة في كثير من أنظمة النوابض لدى الحشرات.
ثم تأتي المرحلة السريعة. قرفصة. إقفال. شحن. تحرر. انطلاق.
تستخدم الجرادة منظومة إمساك ثم إفلات. تحمّل العضلات النظام بالطاقة على مدى أطول قليلًا من الزمن الذي تستغرقه القفزة نفسها. ويساعد ترتيب قفل في مفاصل الساقين على منع ذلك التوتر من الانفلات قبل الأوان. وعندما يفلت ذلك القفل، تتحرر الطاقة المختزنة دفعة واحدة تقريبًا عبر الساقين الخلفيتين الطويلتين إلى الأرض.
الآن تصبح القفزة مفهومة. فالعضلات ليست ضعيفة؛ إنها تعمل مسبقًا. وحركة النابض هي التي تحل مشكلة التوقيت.
هذه هي النقطة الجديرة بالاحتفاظ بها. فكثيرًا ما يسمع الناس عبارة «ليس بالعضلات وحدها» فيظنون أن العضلات أدوات قاصرة بطريقة ما. وليس هذا هو المقصود. فالمسألة مسألة معدل.
تستطيع الجرادة أن تبني القوة بالعضلات خلال طور إعداد قصير، ثم تطلق تلك الطاقة المختزنة في دفعة أشد حدة بكثير مما يمكن لانقباض العضلات وحده أن ينجزه. والأمر يشبه السبب الذي يجعل القوس يطلق سهمًا بقوة أكبر مما تستطيع ذراعك أن ترميه بها في لحظة الإفلات نفسها. الذراع تشحن؛ والقوس يطلق.
وغالبًا ما يسمي علماء الميكانيكا الحيوية ذلك تضخيم القدرة. فالحيوان يخزن الطاقة ببطء ثم ينفقها بسرعة. وما إن ترى ذلك حتى تكف القفزة عن أن تبدو معجزة من قوة ساقين صغيرتين، وتبدأ في الظهور باعتبارها حسن توقيت ميكانيكي.
والآن دع مشهد القفزة في تلك الكسرة من الثانية، واقفز — إن جاز التعبير — إلى ملايين السنين. فهذا التصميم القائم على نابض مشحون لم يُبنَ لكي يثير إعجابنا. بل صقلته الطبيعة لأن الحيوانات التي استطاعت أن تختفي سريعًا من الخطر، وتعبر الفجوات، وتتحرك من دون أن تحرق طاقة أكثر مما تملك، كانت تميل إلى البقاء على قيد الحياة زمنًا يكفي لتمرير تلك الآلية إلى نسلها.
لم يكن الانتقاء الطبيعي يستهدف الأناقة. لقد أبقى النسخ التي نجحت. وعلى امتدادات زمنية طويلة، كان في وسع تغيرات طفيفة في هندسة الساق، وإحكام المفصل، وصلابة الجسم، والأنسجة المرنة، أن تصنع الفارق بين نجاة وإخفاق.
فماذا يشتري كل ذلك الصقل القديم للحشرة في جزء من الثانية؟ يهبها منظومة انطلاق تحوّل قرفصة قصيرة إلى دفعة سريعة، مع قدر كافٍ من التحكم في الزاوية والتوقيت ليلائم اللحظة. وهذه النقطة الأخيرة مهمة، لأن القفزات ليست كلها متماثلة؛ فالأنواع تختلف، وحتى داخل النوع الواحد قد تتبدل زاوية القفز وقوته تبعًا لطبيعة السطح أو لما إذا كانت الحشرة تأكل أو تتحرك أو تهرب.
الاعتراض الشائع يبدو معقولًا: إذا كانت الساقان الخلفيتان كبيرتين إلى هذا الحد، فلماذا لا نقول إن الساقين وحدهما تفسران كل شيء؟ لأن كبر الساقين يدلّك على موضع توليد القوة، لا على مدى السرعة التي يمكن بها إيصال تلك القوة.
المطرقة واليد كلتاهما ترتبطان بعضلة، لكن أداة التوقيت هي ما يصنع الفارق. وفي الجرادة، تمثل الساقان الخلفيتان المتضخمتان جزءًا من منظومة تخزن الطاقة وتطلقها. إنهما ليستا مجرد مكبسين. إنهما أقرب إلى ذراعي فخ نابضي قد ضُبط وينتظر أن يفلت القفل.
وهذا التمييز هو ما يجعل القفزة تبدو قوية على نحو غير معقول بالنسبة إلى حيوان صغير كهذا. فالحشرة لا تدفع بقوة فحسب، بل تطلق توترًا مختزنًا بسرعة.
يمكنك أن تتحقق من ذلك بنفسك من دون أي معدات مخبرية. شاهد مقطعًا بالتصوير البطيء لجرادة، أو الأفضل من ذلك، راقب واحدة حقيقية وهي تستريح على ساق نبات أو على الأرض. لا تحدق في الجزء الذي تكون فيه في الهواء. راقب انثناء الساقين الخلفيتين السريع والوقفة الصغيرة قبل الانطلاق.
ومتى عرفت أن عليك أن تبحث عن تلك القرفصة السابقة للانطلاق، ستتغير هيئة القفزة في ذهنك. فالوثبة ليست سوى لحظة التحرر. أما الشحن فقد حدث قبلها.
في المرة القادمة التي تراها فيها، فتّش عن القرفصة التي تسبق الومضة، لأن هناك تحديدًا يُشد النابض.