لم يكن هذا السقف المزخرف ضربًا من الترف، بل كان جزءًا من العلاج: فتلك الدائرة الزرقاء والبيضاء والصفراء في الأعلى كانت تمنح المريض الممدد بلا حراك شيئًا من النظام يتأمله، حين كانت الحياة تضيق بفعل السرير والألم والانتظار إلى اتجاه واحد.
عرض النقاط الرئيسية
في مستشفى سانت باو في برشلونة، لم تكن الرعاية مقصورة على الأجنحة والأدوات. بل كانت ماثلة أيضًا في الأسطح الممتدة فوق السرير. وما إن تأخذ منظور المريض إلى الأعلى على محمل الجد، حتى يكفّ القبو الفسيفسائي عن أن يبدو مجرد لمسة تزيينية، ويبدأ في الظهور بوصفه تصميمًا عمليًا.
حين تقف تحت القبة، فأول ما يلفت انتباهك هو المركز: شكل دائري يمسك التصميم كله في حالة من الثبات. وحوله تتكرر أشكال زرقاء وبيضاء وصفراء في تناظر واضح، تتخللها تفاصيل برتقالية أدفأ داخل النمط. لا تقفز العين عشوائيًا من موضع إلى آخر، بل تجد مكانًا تقصده، ثم مكانًا تعود إليه.
قراءة مقترحة
تمهّل معها قليلًا، كما يفعل المرشد الجيد حين يجعل المكان كله يتباطأ. ابدأ من الدائرة. وتتبع شريطًا إلى الخارج. ثم الذي يليه. تتناوب الألوان، وتستجيب الهندسة لنفسها، وتُبقي القطع الخزفية المرصوصة يدويًا السطح حيًا من غير أن تجعله صاخبًا.
وهذا يكتسب أهمية أكبر من السرير لا من أرض القاعة. فبالنسبة إلى من يستلقي مستويًا، عاجزًا عن الالتفات كثيرًا أو المغادرة، يحوّل ذلك التناظر القوي بالأزرق والأبيض والأصفر مشهد النظر الثابت إلى أعلى من شيء فوضوي إلى شيء منظم. والنظام يستطيع أن يحتضن الانتباه برفق. ويمكن للنمط أن يمنح الذهن مسارًا يتبعه حين لا يملك الجسد إلا أقل القليل من الاختيار.
لو كنت مستلقيًا على سرير مستشفى، فما الذي تود أن تحدق فيه لساعات؟
هنا يكمن التحول في القصة كلها. فقد اعتدنا أن نعامل الزخرفة على أنها شيء مضاف من أجل الزوار أو المتبرعين أو الاعتزاز المدني. لكن من زاوية المريض، ينتمي السقف إلى الفئة نفسها من القرارات التي تنتمي إليها نافذة موضوعة جيدًا أو ممر أكثر هدوءًا: إنه يشكّل ما يتعين على الجسد والعقل أن يعيشا معه.
تساعد هنا دراسة شهيرة، وإن كان ينبغي التعامل معها بحذر. ففي عام 1984، نشر روجر س. أولريش بحثًا في مجلة Science، ومفهرسًا في PubMed، عن 46 مريضًا خضعوا لاستئصال المرارة وتعافوا بعد جراحة المرارة. وقد كانت إقامة المرضى الذين تطل غرفهم على الأشجار بعد العملية أقصر من إقامة أولئك الذين كانت نوافذهم تواجه جدارًا من الطوب.
كانت تلك الدراسة عن الإطلالات من النوافذ، لا عن الأسقف. وهي لا تثبت أن قبة من الفسيفساء تشفي الجروح. لكنها تثبت، على نحو واضح ومفيد، أن البيئة البصرية يمكن أن تؤثر في التعافي بطرق قابلة للقياس.
ثم وسّع أولريش هذا الطرح لاحقًا. ففي عام 2006، كتب في The Lancet عن العمارة الصحية القائمة على الأدلة، وقال إن تصميم المستشفيات قادر على التأثير في التوتر والنتائج والسلامة. وهنا تكمن الفكرة الأهم حقًا: فذلك السقف القديم ينتمي إلى المنطق نفسه الذي تنتمي إليه الإضاءة الطبيعية، والأجنحة الأهدأ، وسهولة الاهتداء داخل المكان، وإمكانية الوصول إلى الطبيعة. لم يكن التصميم خارج تصور العلاج، بل كان جزءًا منه.
إذا تأملت عنصرًا بصريًا واحدًا في كل مرة، بدأت القبة تشرح نفسها. أول ما يعين على ذلك هو التناظر. فعندما يتوازن النمط حول مركز، تستطيع العين أن تتنبأ بما سيأتي بعده، والتنبؤ يخفف من عبء النظر.
ثم يأتي دور اللون. فالأزرق والأبيض يبدوان واضحين ومقروءين أحدهما إزاء الآخر، بينما تضيف النقاط الصفراء دفئًا ومواضع للتأكيد. وهذا، بطبيعة الحال، لا يفعل فعل الدواء، لكنه قد يمنع النظرة من أن تشعر بأنها عالقة في فراغ، أو أن تتعثر في فوضى بصرية.
ثم هناك التكرار. فالأشكال المتكررة تمنح الانتباه إيقاعًا. والمريض الذي لا يستطيع أن يمشي في الممر، يظل قادرًا على تتبع الأشكال، والعودة إلى المركز، ثم الانجراف إلى الخارج مرة أخرى. الضوء، واللون، والتكرار، والعمل اليدوي، والإحساس بالاتجاه، والهدوء. يمكنك أن تشعر بالتصميم وهو يعمل من غير حاجة إلى محاضرة تشرح ذلك.
وللخزف المصنوع يدويًا أهميته أيضًا، لا لأن العمل اليدوي يملك قدرة سحرية على الشفاء، بل لأنه يحمل قدرًا من التفاوت الصغير داخل نظام أكبر. فالسطح منتظم بما يكفي ليبعث على الطمأنينة، ومتنوع بما يكفي ليظل جديرًا بالتأمل. وذلك توازن كريم بالنسبة إلى شخص عالق في مكانه.
هنا عادة ما يبدأ الشك، وهو شك في محله. فقد يبدو الأمر كأنه إضفاء طابع رومانسي على الزخرفة أو تبرير لزينة باهظة. وقد يبدو كما لو أن الجمال يُستدعى للتغطية على حقائق قاسية مثل الألم، ونقص العاملين، وخطر العدوى، أو سوء الرعاية.
ولا يستطيع أن يفعل ذلك. فالسقف الفسيفسائي ليس دواءً بالمعنى الصيدلاني، والزخرفة وحدها لا يمكنها أن تصلح مستشفى يعاني الخلل. فإذا كان عدد العاملين غير كافٍ أو كان العلاج سيئًا، فلن تجعل أي قبة في العالم ذلك مقبولًا.
لكن هذا الحدّ الصريح لا يجعل السقف بلا معنى. فهناك فرق بين وجاهة فارغة وبين تصميم يخفف التوتر، ويوجه الانتباه، ويجعل المريض يشعر بأنه مُحتوى في مكان، لا متروك فيه كشيء مركون. فالمستشفيات تطلب من الناس أن يتنازلوا عن السيطرة؛ وأي عنصر معماري يعيد إليهم قدرًا يسيرًا من الثبات له قيمة عملية.
إليك اختبارًا بسيطًا مع نفسك. تخيل سقفين فوق سرير طوال ساعة طويلة: أحدهما فارغ لكنه مربك بصريًا، تشد عينيك فيه فتحات التهوية والانقطاعات من موضع إلى آخر؛ والآخر منظم، متمركز، مزخرف بنمط يسمح لنظرك أن يستقر. يستطيع معظم الناس أن يدركوا، في أجسادهم نفسها، أيهما سيكون أيسر للراحة معه.
ليس الدرس أن كل مستشفى يحتاج الآن إلى قبة فسيفسائية. الدرس هو أن الأسطح مهمة لأن المرضى يلاحظونها، ولا سيما حين لا يكون بوسعهم فعل الكثير غير ذلك. فالسقف ليس فراغًا علويًا مهملًا بالنسبة إلى شخص يمضي ساعات وهو ينظر إلى أعلى.
ولهذا لا يزال سانت باو يبدو بالغ الدلالة. فهو يذكرنا بأن الجمال، حين يقترن بالنظام والإحساس بالاتجاه، ليس ترفًا معلقًا فوق الوظيفة. بل هو إحدى الطرق التي تصبح بها الوظيفة أكثر إنسانية.
لذلك، في المرة المقبلة التي تكون فيها في مستشفى، أو محطة، أو متحف، أو مبنى عام قديم، ارفع نظرك واسأل عمّا أراد المصمم أن يشعر به الجسد المنتظر. ففي بعض الأحيان، يكون ألطف ما في المبنى هو ذلك الجزء الذي يقدمه لمن لا خيار لهم إلا التحديق في السقف.