تربية الأطفال هي من المهام الأكثر صعوبة. تختلف البيئات والظروف والثقافات التي ينشأ بها الأطفال بشكل كبير مما يجعل انتهاج قوانين واحدة مصمتة في تنشئة الأطفال أمر شبه مستحيل. إذا كنت والد أو والدة أو شاب مقبل علي الزواج أو تربوي تعمل مع الأطفال أو حتى مقدم رعاية للأطفال فإنك على الأغلب تشعر كثيرا بالتردد في كل مرة توجه الطفل. القيم الأساسية التي تربى عليها الأطفال أمرا لا يجب العبث أو التهاون به. هذا المقال لا يناقش القيم التي تربى عليها طفلك لأننا لا نفاوض على القيم الأساسية مثل الصدق والنزاهة والإنسانية والأحترام وغيرها من القيم. موضوع هذا المقال هو النهج أو الأسلوب الذي سوف تتبعه في تربية طفلك. حدثناكم في مقال سابق عن مدارس التربية يمكنكم الرجوع للمقال للتعرف على المدارس المختلفة في تربية الأطفال. هذا المقال سوف يركز على كيفية إدارة سلوك الأطفال من خلال تحقيق التوازن بين الانضباط والحرية.
قراءة مقترحة
تنقسم سلوكيات الأطفال إلي سلوكيات إيجابية مثل المشاركة والمساعدة والتصرف بإحترام وغيرها والسلوكيات السلبية مثل التلفظ بألفاظ غير لائقة أو الصراخ أو الكذب أو السرقة وغيرهم من السلوكيات. إدارة السلوك هو ببساطة تربية الأطفال بطريقة تعزز السلوكيات الإيجابية وتكافئها وتقلل من السلوكيات السلبية وتحاول الحد منها من خلال العواقب المنطقية (وليس العقاب) بغرض بناء شخصية سوية.
يظن البعض أن إدارة السلوك هو مهمة الوالدين فقط ولكن هذا الأمر غير صحيح. البيئة الأولى للطفل هي المنزل وأفراد الأسرة الأساسيين. الأب والأم والأخوة والأخوات الأكبر والأجداد في حالة إقامتهم في نفس المنزل مع الطفل هم البيئة الأولى والأساسية المؤثرة في سلوك الطفل. بعد خروج الطفل لبيئات أخرى مثل المدرسة أو النادي أو أي مجتمعات أخري يتواجد بها الطفل بصفة منتظمة تبدأ في مواجهة المشاكل حيث لا يتم تعميم السلوكيات في تلك البيئات كما يجب.
تعديل سلوك الطفل هو مسؤولية مقدمي الرعاية في كل البيئات التي يتواجد بها الطفل بصفة منتظمة. لذا؛ المعلمون والتربويون والأقارب و المدربون الرياضيون ... وغيرهم من الأفراد الذي يتواجد معهم الطفل بصفة منتظمة يجب أن ينالوا قسطا من المسؤولية في تدريب الطفل وتعديل سلوكه. يجب أن نفهم أن تعديل سلوك الطفل هو عملية يشترك فيها فريق كامل بتطبيق نفس الخطة في نفس الوقت بنفس الاستراتيجية. قلما يحقق تعديل سلوك الطفل نتائج جيدة عند التركيز على بيئة واحدة يتواجد بها الطفل.
- نبدأ دائما بتحديد سلوكيات الطفل السلبية المراد تغييرها. سلوكيات يمكنك بسهولة ملاحظتها وقياسها. علي سبيل المثال لا نقول عدم الأمانة ولكن نقول الكذب أو السرقة. عدم الأمانة هو صفة وليس سلوك بعينه ولا يمكن قياسها، لذا؛ ما تقصده ربما هو سلوك الكذب أو السرقة. الكذب أو السرقة سلوكيات سلبية يمكن ملاحظتها وقياسها.
- بعد تحديد السلوكيات السلبية للطفل نقوم بترتيبها حسب الأولوية. لا يمكننا إصلاح كل السلوكيات السلبية في نفس الوقت لذا؛ قم بالتركيز أولا على السلوكيات السلبية الأكثر خطورة على الطفل والآخرين الأكثر تكرارا. بعد إحداث تقدم فى تعديل سلوك بعينه يمكنك التركيز على سلوك آخر.
- نضع خطة لتعديل سلوكيات الطفل بعد ملاحظة السلوكيات السلبية و الأكثر تكرارا . نشارك الخطة مع مقدمي الرعاية في بيئات الطفل الأخرى (مثل مدرس الصف بالمدرسة). تعديل السلوكيات يجب أن يبدأ بشرح الحدود للطفل والعواقب التي سوف تترتب على هذا السلوك. نقوم بتقديم التعزيز الإيجابي (المكافأة والمدح) في كل مرة يلتزم فيها الطفل بالاتفاق والعواقب في حالة المخالفة. أعط الطفل فرصة عند إرتكاب الخطأ في المرة الأولى وذكره بالعواقب التي سوف تطبق في المرة القادمة إذا ما تكرر الخطأ. العواقب يمكن أن تكون بحرمان الطفل من بعض المميزات، على سبيل المثال الحرمان من المصروف ليوم أو أكثر (حسب الخطأ). يمكن أيضا حرمان الطفل من الخروج في الأجازة الأسبوعية أو من مكافأة يتوقعها الطفل.
تذكر أنه لا يصح أبدا في أي حال من الأحوال حرمان الطفل من حاجاته الأساسية مثل الطعام. يمكن حرمان الطفل من الحلوى ولكن ليس من الوجبات الأساسية. يجب تطبيق نفس النهج في البيئات الأخرى.
- استخدام وسائل مرئية في تقييم سلوك الطفل يساعد الطفل على الألتزام ويشجعه على الاستمرار. يمكن تعليق لوحة في حجرة الطفل وتقسيمها لأيام الأسبوع والسلوكيات الإيجابية والسلبية، في كل مرة يقوم الطفل بسلوك إيجابي مرغوب نضع نجمة أو وجه ضاحك وفي كل مرة يكسر الطفل أحد القواعد من خلال سلوك سلبي نضيف وجه حزين.
- يجب أن يحرص الوالدين ومقدمي الرعاية على الإلتزام بالقوانين التي تم الاتفاق عليها مع الطفل من البداية سواء من ناحية المكافأة أو تنفيذ العواقب. تذكر أنك تحتاج للكثير من الصبر، لن يتخلص الطفل من السلوكيات السلبية سريعا.
- تدريجيا نبدأ بعد فترة في تقليل المكافأة حتى يعتاد الطفل علىالتصرف بطريقة إيجابية دون انتظار مكافأة. مثلا نبدأ بالمكافئة اليومية ثم بعد فترة نجعلها أسبوعية ثم شهرية ثم بعد إنتهاء الفصل الدراسي.
- تذكر أن تعديل سلوك الطفل فى الصغر هو أمر أسهل كثيرا من الانتظار حتى يبلغ الطفل سن المراهقة. يمكنك دائما الاستعانة بمختص تعديل السلوك إذا ما وجدت صعوبة فى مساعدة الطفل بنفسك.
الأن بعد أن تعرفنا على إدارة السلوك والمنهج المتبع لتحقيق ذلك دعنا نفهم كيف يمكننا إدارة السلوك بتوازن بين الإنضباط والحرية. تربية الأطفال أمر لا يمكن تحقيقه بأنظمة صارمة وغير مرنة، كذلك لا يمكن تحقيقه بحرية مطلقة غير منضبطة. يجب أن ندير سلوك الطفل بإنضباط من خلال حدود وقوانين واضحة يفهمها الطفل. لا يجب أن ينال الطفل عقاب لفظي أو بدني أو نفسي من أي نوع.
الفارق بين العقاب والعواقب هو فارق شاسع جدا. يهدف العقاب لكسر إرادة الطفل وإهانته وإثارة خوفه من السلطة بينما تهدف العواقب لمساعدة الطفل على تحمل عواقب وتبعات اختياراته وقراراته ويتحمل مسؤوليتها. قبل أن يكذب الطفل على سبيل المثال هو يعرف أنه لن يتمكن من مشاركة أصدقائه اللعب في نهاية الأسبوع. في تلك الحالة عندما يكذب الطفل سوف نذكره بأنه على علم بالاتفاق المسبق ونسأله ماذا تتوقع أن يحدث الأن فهو يعرف الإجابة مقدما ولا يشعر بالظلم.
المرونة هنا تكمن في كيفية تطبيق القوانين المتفق عليها والسماح للطفل بالاختيار والتفاوض، على سبيل المثال، يمكننا أن نخير الطفل بين ميزتين سوف يحرم من أحدهما إذا ما أعاد تكرار نفس السلوك السلبي. أيضا الهدوء وعدم إثارة مخاوف الطفل عند مناقشة السلوك السلبي. إعطاء الطفل الفرصة للمناقشة والتبرير والتعبير عن مشاعره. بدلا من توبيخ الطفل سوف نراجع معه ماذا تعلم من هذا الموقف. مساعدة الطفل على المشاركة في اتخاذ القرارات التي تخصه وتخص الأسرة بالكامل. منح الطفل الحرية في نظامه اليومي والأمور التي تخصه. علي سبيل المثال، هل تحب مشاهدة كارتونك المفضل قبل كتابة الواجب المدرسي أم بعده؟ تذكر إذا نمت بدون الإنتهاء من أداء الواجب المدرسي لن يمكنك مشاهدة الكارتون غدا. في هذا المثال حصل الطفل على فرصة للاختيار وعرف القوانين والعواقب.