أعلن علماء الفلك، باستخدام تلسكوب هابل الفضائي، عن اكتشاف نوع جديد تمامًا من الأجرام الكونية، وهي سحابة من الغاز والمادة المظلمة خالية من النجوم، أُطلق عليها اسم "السحابة 9". تقع هذه السحابة الغريبة على بُعد حوالي 14 مليون سنة ضوئية على أطراف المجرة الحلزونية مسييه 94، وهي تختلف عن أي شيء تم تأكيده سابقًا في الكون. تحتوي على كميات هائلة من غاز الهيدروجين والمادة المظلمة، ولكنها تخلو تمامًا من النجوم، مما يجعلها غير مرئية في الضوء العادي، ولا يمكن رصدها إلا من خلال تأثيرات جاذبيتها وانبعاثاتها الراديوية. يصف العلماء السحابة 9 بأنها "مجرة فاشلة"، وهي لبنة بناء بدائية لم تتمكن أبدًا من بدء تكوين النجوم. يُعد هذا الاكتشاف مثيرًا لأنه يُقدم دليلًا مباشرًا على وجود هياكل نظرية تُعرف باسم سحب الهيدروجين المحدودة بإعادة التأين (RELHICs)، والتي تم التنبؤ بها ولكن لم يتم رصدها من قبل. بالنسبة لعلماء الفلك، تُمثل السحابة 9 نافذة نادرة على الكون المظلم، حيث تُقدم أدلة حول كيفية تشكل المجرات، ولماذا لا تنجح بعضها أبدًا في ذلك ، إنّ الحماس المحيط بهذا الاكتشاف جليّ، حيث عبّر الباحثون عن سعادتهم البالغة، إذ أُتيحت لهم فرصة دراسة بقايا أحفورية من تاريخ الكون ظلت خفية حتى الآن.
قراءة مقترحة
تكمن فرادة سحابة 9 في فشلها في إنتاج النجوم رغم امتلاكها المواد الخام اللازمة لتكوين المجرات. ففي معظم الحالات، تجذب هالات المادة المظلمة غاز الهيدروجين، الذي يتكثف في مناطق كثيفة تُشعل في النهاية الاندماج النووي، مُولِّدةً النجوم والمجرات. لكن يبدو أن سحابة 9 قد توقفت في هذه العملية، إذ جمعت الهيدروجين دون أن تصل إلى عتبة تكوين النجوم. تُقدَّر كتلة غازها بنحو مليون ضعف كتلة الشمس، بينما تفوق كتلتها من المادة المظلمة كتلة المادة العادية بمليارات الكتل الشمسية. ومع ذلك، لم تكن الظروف داخل السحابة كافية لتحفيز ولادة النجوم. هذا ما يجعل سحابة 9 بقايا أحفورية من الكون المبكر، بنية بدأت تتشكل لكنها لم تُكمل رحلتها. ويؤكد العلماء أن حالات الفشل كهذه لا تقل أهمية عن حالات النجاح في فهم التطور الكوني. كما أوضح قائد الفريق أليخاندرو بينيتيز-لامباي، فإن عدم رصد النجوم هو ما يثبت صحة النظرية، مؤكدًا أن بعض هالات المادة المظلمة لا تزال خالية من النجوم. يُؤكد هذا الاكتشاف صحة عقود من التنبؤات الكونية حول هياكل المادة المظلمة الصغيرة، ويُقدم حلقة مفقودة في لغز تكوين المجرات. ومن خلال دراسة سحابة 9، يأمل علماء الفلك في معرفة سبب نجاح بعض الهالات وفشل أخرى، مما يُسلط الضوء على التوازن الدقيق للقوى التي شكلت الكون.
تتجاوز أهمية سحابة 9 مجرد كونها ظاهرة جديدة. يُعتقد أن المادة المظلمة تُشكّل حوالي 85% من كتلة الكون، ومع ذلك فهي لا تزال غير مرئية ومراوغة، ولا يُمكن رصدها إلا من خلال تأثيرها الجاذبي. تُتيح سحابة 9 فرصة نادرة لدراسة بنية تهيمن عليها المادة المظلمة بشكل مباشر، دون تداخل ضوء النجوم. قد يُساعد هذا العلماء على تحسين نماذج كيفية تفاعل المادة المظلمة مع المادة العادية وكيف شكّلت الكون بعد الانفجار العظيم. يدعم وجود سحابة 9 فكرة تشكّل العديد من الهالات الصغيرة من المادة المظلمة في الكون المبكر، والتي لم يُصبح بعضها مجرات. قد تكون هذه البقايا مُنتشرة في الفضاء، مخفية عن الأنظار ولكنها بالغة الأهمية لفهم البنية الكونية. كما تُساعد مُراقبة سحابة 9 في تفسير سبب كون عدد المجرات الصغيرة التي نراها اليوم أقل مما تنبأت به عمليات المحاكاة. فلو لم تُشكّل العديد من الهالات نجومًا، لظلت غير مرئية، مما يُفسّر هذا التباين. بهذه الطريقة، تربط مجرة كلاود 9 بين النظرية والملاحظة، مؤكدة أن الكون لا يحتوي فقط على مجرات ساطعة، بل أيضًا على هياكل مظلمة خالية من النجوم. بالنسبة لعلماء الكونيات، يُعد هذا الاكتشاف إنجازًا هامًا، إذ يوفر أداة جديدة لاستكشاف البنية الخفية للكون واختبار النظريات المتعلقة بإعادة التأين، وتكوين المجرات، ودور المادة المظلمة.
إن اكتشاف كلاود 9 ليس سوى البداية. يخطط علماء الفلك لمواصلة دراسة تركيبها وديناميكيتها باستخدام تلسكوب هابل، والتلسكوبات الراديوية مثل مصفوفة التلسكوبات الكبيرة جدًا (VLA)، وأجهزة مستقبلية مثل تلسكوب جيمس ويب الفضائي. ويأملون في قياس كثافة غازها، ورسم خريطة لهالة المادة المظلمة المحيطة بها، والبحث عن أجسام مماثلة أخرى في أرجاء الكون. إن العثور على المزيد من أجسام RELHIC سيؤكد أن كلاود 9 ليست فريدة من نوعها، بل هي جزء من مجموعة أكبر من المجرات الفاشلة، وهي بقايا من التاريخ الكوني ظلت خفية حتى الآن. قد تُحدث هذه الدراسات ثورة في فهمنا لتكوين المجرات، مُظهرةً أن النجاح والفشل عنصران أساسيان في قصة الكون. بالنسبة للمجتمع العلمي، يُمثل اكتشاف "كلاود 9" تذكيراً بأن الكون لا يزال يحمل مفاجآت، حتى في المناطق القريبة من مجرتنا. فهو يُبرهن على قدرة تلسكوب هابل، بعد عقود من إطلاقه، على كشف ظواهر تعجز التلسكوبات الأرضية عن رصدها. والأهم من ذلك، أنه يُثير الرهبة والحماس، إذ يُدرك علماء الفلك أنهم يشهدون فصلاً جديداً في استكشاف الكون. وكما قال أحد الباحثين، فإن "كلاود 9" ليس مجرد اكتشاف، بل هو احتفال، لحظة يُثبت فيها العلم قدرته على كشف ما هو خفي وتوسيع آفاق المعرفة البشرية. مع هذا الاكتشاف، يعيش علماء الفلك حالة من النشوة، مُبتهجين بفرصة إلقاء نظرة على الكون المظلم وكشف أسراره.