أمضيت سنوات أقرأ في القطار، وقبل النوم، وخلال استراحات الغداء. امتلأت رفوفي بالكتب الكلاسيكية والأكثر مبيعًا وكتب التنمية الذاتية، وكنت أتعامل مع كل صفحة جديدة كأنها إضافة مؤكدة إلى ذكائي. ثم لاحظت فجوة يصعب تجاهلها: أستطيع إنهاء الكتاب، لكنني بعد أسبوع بالكاد أتذكر رسالته الأساسية، وربما لا يبقى منه سوى العنوان واقتباس أو اثنين.
لم أكن أفكر بوضوح أكبر أو أحل المشكلات بفاعلية أعلى أو أتخذ قرارات أفضل. أخطأت حين ساويت بين التعرض للأفكار واستيعابها؛ فالقراءة كانت حاضرة بكثرة، بينما التعلم الذي يغيّر الفهم والسلوك كان ضعيفًا.
كنت أقرأ الكتب بالطريقة التي يشاهد بها بعض الناس حلقات مسلسل متتالية: أقلب الصفحات بسرعة، أترقب النهاية، ثم أنتقل إلى عنوان جديد. نادرًا ما توقفت لأعيد صياغة فكرة أو أربطها بموقف من حياتي. ولهذا كانت الأفكار العميقة تتلاشى، حتى عندما أظن أثناء القراءة أنني فهمتها تمامًا.
قراءة مقترحة
ظهر أثر ذلك في سلوكي أيضًا. قرأت عشرات الكتب عن الإنتاجية، ومع ذلك ظللت أؤجل. وقرأت عن الذكاء العاطفي، لكنني واصلت التصرف باندفاع. كانت لدي معلومات كثيرة لا تتحول إلى قرار أو عادة أو طريقة مختلفة للتعامل مع مشكلة. كانت القراءة دون تأمل أشبه بسكب الماء في منخل: يمر كله ولا يبقى منه ما يكفي للاستخدام.
كان جزء من المشكلة متعلقًا باختيار الكتب نفسه. كنت أبني قائمتي على ما يبدو جيدًا في وسائل التواصل الاجتماعي وعلى توصيات المثقفين، لا على ما أحتاج إلى تعلمه في تلك المرحلة. بعض العناوين دخل قائمتي لأنها تصلح للمحادثات أو لصورة على إنستغرام، ولأنني أردت أن يُنظر إليّ على أنني «مثقف»، حتى عندما لم أفهم المحتوى فهمًا كافيًا.
وفي الوقت ذاته، كنت أتجنب الكتب التي تتحدى معتقداتي أو تحتاج إلى تركيز طويل. كانت الكتب السهلة، أو التي تؤكد ما أعتقده مسبقًا، أكثر راحة. لكنها لم تضطرني إلى مراجعة أفكاري، بينما بقيت المواد الأصعب التي كان يمكن أن توسع مداركي خارج قائمتي.
أضاف هاجس السرعة مشكلة أخرى. كنت أفتخر بعدد الكتب التي أنهيها في شهر، فأتصفح بعض المقاطع وأتجاوز صفحات وأسرع للوصول إلى النهاية. أصبح العدد مقياس النجاح، مع أن إنهاء كتاب لا يثبت أنني أستطيع شرح حجته أو الاعتراض عليها أو استخدام ما قرأته.
توضح مراجعة أجراها جون دنلوسكي وزملاؤه لعشر تقنيات تعلم أن وضع الخطوط والتلخيص لا يقدمان وحدهما ضمانًا قويًا للتعلم؛ فقد حصلا في المراجعة على تقدير منخفض للفاعلية، في حين حصل اختبار النفس والممارسة الموزعة على تقدير مرتفع. كان ذلك قريبًا مما افتقدته في قراءتي: كنت أميز الجمل على الصفحة، لكنني لا أختبر قدرتي على استعادتها أو أعود إليها على فترات.
بدأ التحول عندما تركت سؤال «كم كتابًا يمكنني قراءته هذا العام؟» وانتقلت إلى سؤالين: «ماذا يمكنني أن أتعلم من هذا الكتاب، وكيف يمكنني تطبيقه؟». تغيرت طريقة جلوسي مع الكتاب؛ صار القلم حاضرًا، وصرت أضع خطوطًا تحت الأفكار الرئيسية وأكتب ملاحظات في الهوامش وألخص الفصول بلغتي.
لم تكن العلامات على الصفحة غاية مستقلة. بعد مقطع مهم، كنت أحاول شرحه من الذاكرة: ما الفكرة؟ وما الحجة التي تدعمها؟ وأين تقع حدودها؟ بهذه الطريقة يظهر الفرق بين جملة تبدو مألوفة وجملة أستطيع إعادة بنائها وشرحها.
يتفق ذلك مع تجربة لجيفري كاربك وجانيل بلنت نُشرت عام 2011 في مجلة «ساينس». وجد الباحثان أن ممارسة استرجاع المعلومات حققت مكاسب أكبر في التعلم ذي المعنى من الدراسة التفصيلية باستخدام خرائط المفاهيم. بالنسبة إلى القراءة، يمكن تحويل هذا المبدأ إلى توقف قصير بعد الفصل ومحاولة كتابة فكرته المركزية من الذاكرة قبل الرجوع إلى الصفحات.
بدأت كذلك أتعامل مع النص كحوار. كنت أسأل: «هل أتفق مع هذا؟»، و«ما الدليل الذي يدعم هذه الفكرة؟»، و«كيف يرتبط هذا بما أعرفه مسبقًا؟». كانت الإجابة تكشف أحيانًا أنني فهمت الحجة، وتكشف أحيانًا أخرى أنني انجذبت إلى صياغة أنيقة دون أن أفحص مضمونها.
أما المعرفة القابلة للاستخدام، فوضعت لها قاعدة واضحة: إذا قرأت شيئًا نافعًا، أطبقه في غضون أسبوع. قد يكون عادة جديدة، أو تغييرًا في طريقة التفكير، أو أسلوبًا للتواصل. التطبيق هنا ليس إعلانًا أن الفكرة صحيحة؛ إنه نقلها من الهامش إلى موقف فعلي يمكنني ملاحظة أثرها فيه.
كما توقفت عن معاملة الكتب كتجارب عابرة. عدت إلى الفصول الرئيسية، وأعدت قراءة ملاحظاتي، وناقشت الأفكار مع الآخرين. الجمع بين الاسترجاع والمراجعة على فترات أعطاني وسيلة أدق لمعرفة ما بقي في ذاكرتي، عوض الاكتفاء بالشعور السلس الذي يرافق قراءة فقرة مألوفة.
أعدت تعريف الذكاء على أساس طريقة التفكير والتصرف والنمو، لا على أساس عدد العناوين المنتهية. معرفة الحقائق جزء منه، لكنها لا تكفي من دون فهم السياق وإقامة الروابط واستخدام المعرفة في مواقف الحياة. الكتب تقدم المادة الخام، والقارئ هو من يعالجها ويقرر موضعها من خبرته.
تغير اختياري للكتب تبعًا لذلك. صرت أقرأ لاستكشاف الأفكار، وأسمح لنفسي بترك كتاب لا يلامس أسئلتي، وأتمهل عند كتاب يجد صداه لدي. الفضول صار يوجه الاختيار أكثر من الرغبة في إكمال القائمة أو عرضها.
وأصبحت أفضل فهم كتاب عظيم واحد بعمق على المرور السريع بعشرة كتب. العمق يعني أن أستطيع تلخيص الحجة، وتحديد ما أوافق عليه وما أعترض عليه، وربط الفكرة بما أعرفه، ثم معرفة إن كانت قد أثرت في قرار أو سلوك. أما عدد الصفحات، فلا يخبرني بشيء من ذلك.
أقرأ الآن كتبًا أقل، وأستفيد من كل كتاب أكثر. لم أعد أقيس القراءة بما تراكم في الرف أو في قائمة العناوين، وإنما بما اندمج من وجهات نظر جديدة في تفكيري وشعوري وسلوكي. منذ أن تغير أسلوبي، لم تعد الكتب صفحات أعبرها للوصول إلى النهاية؛ صارت أفكارًا أعود إليها وأختبرها وأستخدمها.