يمثل قرار المملكة العربية السعودية بالسماح للأجانب بتملك العقارات ابتداءً من كانون الثاني 2026 أحد أهم الإصلاحات القانونية والاقتصادية في تاريخ المملكة الحديث. فعلى مدى عقود، كان يُنظر إلى الوجود الأجنبي في المملكة على أنه مؤقت، ووظيفي، وخاضع لرقابة مشددة. ويُشير القانون الجديد إلى تحول حاسم نحو اندماج عالمي طويل الأمد، بما يتماشى مع رؤية 2030، البرنامج الوطني الرائد للتحول في المملكة، والذي يهدف إلى التنويع الاقتصادي، وجذب الاستثمارات الأجنبية، والتحديث الاجتماعي.
لا يمكن فهم هذا الإصلاح بمعزل عن سياقه، فهو متجذر بعمق في جغرافية المملكة، وتركيبتها السكانية، واحتياجاتها من سوق العمل، وتطور الهجرة، وسياسة الانفتاح متعددة الاتجاهات. وتشكل هذه العناصر مجتمعةً الأساس الذي يقوم عليه قانون ملكية العقارات للأجانب، مما يُعيد تشكيل المشهد الاقتصادي للمملكة، ويُعيد تعريف علاقتها بالمجتمع الدولي.
قراءة مقترحة
تبلغ مساحة المملكة العربية السعودية حوالي 2.25 مليون كيلومتر مربع، مما يجعلها أكبر دولة في الشرق الأوسط، وإحدى أكثر دول العالم تنوعًا جغرافيًا. توحدت المملكة عام 1932 على يد الملك عبد العزيز آل سعود، جامعًا مناطق تاريخية متميزة، منها نجد، والحجاز، والأحساء (المنطقة الشرقية)، وعسير.
خريطة المملكة العربية السعودية ومدنها الرئيسية
جغرافيًا، تهيمن على المملكة العربية السعودية تضاريس قاحلة وشبه قاحلة. يُعد الربع الخالي أكبر صحراء رملية متصلة في العالم، بينما تُشكل هضبة نجد القلب السياسي للمملكة. وتحظى منطقة الحجاز، المطلة على البحر الأحمر، بأهمية دينية بالغة، إذ تضم مكة المكرمة والمدينة المنورة، في حين تُشكل المنطقة الشرقية ركيزة الاقتصاد الوطني من خلال إنتاج النفط والغاز.
تاريخيًا، ارتبطت أنماط الاستيطان بتوافر المياه، وطرق التجارة، وممرات الحج، والوصول إلى السواحل، وهي عوامل لا تزال تُؤثر في التمركز الحضري حتى اليوم.
شهدت المملكة العربية السعودية نموًا سكانيًا سريعًا، حيث بلغ عدد سكانها ما بين 35 و37 مليون نسمة بحلول عامي 2024-2025، ما يجعلها من بين الدول ذات أعلى معدلات التحضر على مستوى العالم. ويعيش حوالي 80% من السكان في المراكز الحضرية الرئيسية، ولا سيما الرياض، وجدة، ومكة المكرمة، والمدينة المنورة، والدمام، والخبر.
ومن أبرز السمات الديموغرافية حجمُ عدد السكان الوافدين. إذ يُشكّل المقيمون الأجانب ما بين 40 و42% من إجمالي السكان، ما يجعل المملكة العربية السعودية من أكثر الاقتصادات اعتمادًا على الوافدين في العالم.
ومن السمات الديموغرافية البارزة حجمُ عدد السكان الوافدين.
تستضيف الحجاز نحو ثلث سكان المملكة العربية السعودية.
مشهد من مدينة جدة في المملكة العربية السعودية
وتُعدّ نجد، بقيادة الرياض، المركز السياسي والإداري.
وتُمثّل المنطقة الشرقية مركزًا رئيسيًا للطاقة والخدمات اللوجستية والتنمية الصناعية.
وقد أثّر هذا الواقع الديموغرافي بشكلٍ جوهري على توجهات السياسة السعودية فيما يتعلق بأسواق العمل، والتنمية العمرانية، والطلب على السكن، وأطر الإقامة طويلة الأجل.
مدينة الرياض في المملكة العربية السعودية
3. سياسة الانفتاح متعددة الأوجه في المملكة العربية السعودية.
يُعدّ قانون تملك الأجانب للعقارات أحد مظاهر استراتيجية انفتاح أوسع نطاقًا ومتعددة المستويات، وتشمل الأبعاد الاقتصادية والمالية والقانونية والاجتماعية.
في إطار رؤية 2030، تسعى المملكة العربية السعودية إلى:
· تقليل الاعتماد على النفط.
· زيادة الاستثمار الأجنبي المباشر.
· توسيع قطاعات السياحة والخدمات اللوجستية والتكنولوجيا المتقدمة.
· تطوير مدن عالمية مثل الرياض وجدة ونيوم.
تشمل أبرز مظاهر هذا الانفتاح ما يلي:
· الوصول الكامل للمستثمرين الأجانب إلى الأسواق المالية السعودية بحلول عام 2026.
· خصخصة واسعة النطاق وشراكات بين القطاعين العام والخاص.
· تحرير قطاعي السياحة والترفيه.
· استحداث مسارات إقامة طويلة الأجل.
تشير هذه الإصلاحات مجتمعةً إلى تحول استراتيجي من اقتصاد مغلق قائم على الريع إلى مركز استثماري متكامل عالميًا.
مدينة أبها- منطقة عسير- المملكة العربية السعودية
يتطلب التحول الاقتصادي في المملكة العربية السعودية مهارات ورؤوس أموال وخبرات لا يمكن توفيرها محلياً فقط. ومن أهم العوامل الدافعة لذلك:
· نقص في سوق العمل في مجالات التكنولوجيا والرعاية الصحية والهندسة والمالية والسياحة والبحث العلمي.
· مشاريع ضخمة (نيوم، البحر الأحمر، القدية) تتطلب خبرات دولية.
· التوازن الديموغرافي، حيث لا تستطيع القوى العاملة المحلية تلبية الطلب على المدى القصير.
· التنافسية العالمية في الابتكار والإنتاجية.
لطالما شغل العمال الأجانب أدواراً تشغيلية، لكن رؤية 2030 تتطلب فئة جديدة من المهاجرين والمستثمرين ذوي المهارات العالية على المدى الطويل.
محمية طبيعية قرب مدينة أبها- المملكة العربية السعودية
اعتمدت سياسة الهجرة السعودية تقليديًا على نظام الكفالة، مع التركيز على الهجرة العمالية المؤقتة ذات الحقوق المحدودة ودون إمكانية الحصول على الإقامة الدائمة.
خلال العقد الماضي، اتسم تطور السياسة بالوضوح، حيث شمل:
• التفكيك الجزئي لقيود الكفالة.
• استحداث برامج الإقامة المميزة (التأشيرة الذهبية).
• زيادة حرية تنقل العمالة.
• تعزيز الحماية القانونية للوافدين.
تمثل هذه الإصلاحات تحولًا من الاعتماد المؤقت على العمالة إلى هجرة انتقائية طويلة الأجل تتماشى مع الأهداف الاقتصادية.
تساهم هجرة الأجانب في:
• تراكم رأس المال البشري.
• نقل المعرفة والابتكار.
• نمو بيئة ريادة الأعمال.
• زيادة الاستهلاك المحلي.
• الاندماج الثقافي والعالمي.
يساهم الوافدون اقتصاديًا بمليارات الريالات سنويًا من خلال الاستهلاك والإيجار والخدمات والاستثمار، مع دعم قطاعات النمو الرئيسية.
تاريخيًا، كانت ملكية الأجانب للعقارات في المملكة العربية السعودية مقيدة بشدة، ولا يُسمح بها إلا في ظروف استثنائية، وغالبًا ما تتطلب موافقة وزارية.
يحل قانون ملكية العقارات لغير السعوديين الجديد، الصادر عام 2025 والذي دخل حيز التنفيذ في يناير 2026، محل الأنظمة المجزأة بإطار وطني شفاف.
• السماح بالتملك الأجنبي في المناطق المخصصة.
• السماح بالتملك السكني والتجاري والصناعي والزراعي.
• استمرار القيود المفروضة على مكة المكرمة والمدينة المنورة، مع استثناءات محدودة.
• التسجيل الإلزامي، والضرائب (حوالي 5%)، والرقابة على الامتثال.
• غرامات تصل إلى 10 ملايين ريال سعودي للمخالفات.
تتسم آثار القانون بالهيكلية لا الرمزية:
• توسيع الاستثمار الأجنبي المباشر من خلال ضمانات عقارية.
• تسريع التنمية الحضرية.
• تنويع سوق الإسكان.
• زيادة الطلب على البنية التحتية والخدمات.
• دمج الإقامة والاستثمار والتوطين.
من المتوقع أن يصبح القطاع العقاري محركًا رئيسيًا للنمو غير النفطي. مكملةً لقطاعات السياحة والخدمات اللوجستية والتمويل.
بالنظر إلى المستقبل، من المرجح أن تقوم المملكة العربية السعودية بما يلي:
• توسيع نطاق الربط بين الإقامة والاستثمار.
• تشجيع الإقامة الدائمة للعمالة الوافدة ذات القيمة العالية.
• زيادة تحرير المناطق العقارية.
• ترسيخ مكانة الرياض وجدة كمدينتين عالميتين للعيش والاستثمار.
يشير هذا المسار إلى انفتاح مُتحكم فيه، يوازن بين الهوية الوطنية والواقعية الاقتصادية.
إن قرار المملكة العربية السعودية عام 2026 بالسماح بتملك الأجانب للعقارات ليس مجرد إصلاح قانوني، بل هو إعادة تعريف استراتيجية للعقد الاقتصادي والاجتماعي للمملكة مع العالم. انطلاقاً من الجغرافيا، ومدفوعاً بالتغيرات الديموغرافية، ومُمكّناً بإصلاحات الهجرة، ومُبرراً بالضرورات الاقتصادية، يُشير القانون الجديد إلى تحوّل المملكة العربية السعودية من اقتصاد يعتمد على العمالة المؤقتة إلى وجهة للاستثمار والإقامة على المدى الطويل.
ومع تبلور رؤية 2030، ستُصبح ملكية الأجانب للعقارات رمزاً وآليةً في آنٍ واحد لاندماج المملكة العربية السعودية عالمياً، مما يُعزز مكانتها كدولة متنوعة، تنافسية، وذات روابط دولية.