برز المنتخب الأردني لكرة القدم، المعروف باسم النشامة - وهو مصطلح يستحضر الفروسية والشجاعة والفخر الوطني - كواحد من أكثر قصص النجاح إلهامًا في كرة القدم الشرق أوسطية. فمن بدايات متواضعة إلى المنافسة على أكبر المسارح الآسيوية، استطاع الفريق أن يأسر قلوب الأردنيين ويحظى باحترام واسع في جميع أنحاء القارة. رحلتهم لا تقتصر على الأهداف والألقاب فحسب، بل تتعداها إلى الصمود والوحدة وقوة الرياضة في الارتقاء بالأمة. بدأت رحلة الأردن الكروية عام 1953 بمباراته الدولية الأولى ضد سوريا. فلعقود طويلة، ظل المنتخب الأردني على هامش كرة القدم الإقليمية، وغالبًا ما كان يُطغى عليه من قِبل منتخبات عربية وآسيوية أكثر هيمنة. مع ذلك، بدأت بذور النمو تُزرع من خلال تطوير القاعدة الشعبية، وتوسيع الدوري المحلي، وتأسيس الاتحاد الأردني لكرة القدم عام 1949 وشهدت حقبتا الثمانينيات والتسعينيات تحسنًا تدريجيًا. فبتوجيه من مدربين محليين، ومع زيادة الاستثمار في برامج الشباب، بدأ الأردن يُظهر حضوره في البطولات الإقليمية. وقد وفرت دورة الألعاب العربية ودورة الألعاب العربية فرصة قيّمة للمنتخب، وبحلول أواخر التسعينيات، كان الفريق يكتسب زخمًا. وجاءت لحظة فارقة عام 1999 عندما استضاف الأردن دورة الألعاب العربية ووصل إلى المباراة النهائية، مما أشعل موجة من الحماس الوطني. شهدت هذه الفترة أيضًا بروز لاعبين بارزين أصبحوا رموزًا وطنية، مثل حاتم عقل وبدران الشقران. وقد ساهم أداؤهم في رفع مكانة المنتخب وألهم جيلًا جديدًا من لاعبي كرة القدم في جميع أنحاء المملكة.
قراءة مقترحة
شهدت بداية الألفية الجديدة نقطة تحول في تاريخ كرة القدم الأردنية. ففي عام 2004 وتحت قيادة المدرب المصري الأسطوري محمود الجوهري، تأهل فريق النشامة لأول مرة في تاريخه لكأس آسيا. وعلى عكس كل التوقعات، وصل إلى ربع النهائي، حيث تعادل مع كوريا الجنوبية وفاز على الكويت قبل أن يخسر بصعوبة أمام اليابان بركلات الترجيح. وقد أعلن هذا الأداء عن بروز الأردن كأحد أبرز المنافسين على الساحة الكروية الآسيوية. واصل الفريق البناء على هذا النجاح، فتأهل لكأس آسيا مجددًا في أعوام 2011 و2015و2019 والأهم من ذلك في عام 2023، عندما صنع التاريخ بوصوله إلى المباراة النهائية. كانت مشاركته في عام 2023 مثالًا رائعًا على الانضباط التكتيكي وروح الفريق واللعب الجريء. وقد أكسبه الفوز على العراق وكوريا الجنوبية، ثم الخسارة بصعوبة أمام قطر في النهائي، إعجاب الجماهير في جميع أنحاء العالم العربي. قدّم المنتخب الأردني أداءً قويًا في بطولة اتحاد غرب آسيا لكرة القدم (WAFF)، حيث وصل إلى المباراة النهائية عدة مرات. ورغم عدم فوزه باللقب، إلا أن أدائه المتميز عزز مكانته كقوة إقليمية عظمى. وفي كأس العرب، وصل الأردن إلى الدور نصف النهائي عامي 1988 و2002، وبلغ المباراة النهائية عام 2025، مما يُؤكد مكانته المتنامية في الساحة الكروية العربية.
لعلّ أكثر الفصول تأثيرًا في تاريخ كرة القدم الأردنية كان عندما تأهل المنتخب الأردني لكأس العالم FIFA 2026للمرة الأولى في تاريخه. كانت حملة التأهل شاقة، لكن الفريق أظهر عزيمةً استثنائية، حيث تغلب على عمالقة المنطقة وحجز مكانه على أكبر مسرح كروي في العالم. فبقيادة مزيج من اللاعبين المخضرمين والمواهب الشابة الواعدة، جسّد الفريق روح المنتخب الأردني - الشجاعة والوحدة والعزيمة. أصبح لاعبون مثل موسى التعمري، ويزن العرب، والحارس يزيد أبو ليلى، أسماءً لامعةً في عالم كرة القدم. لم تقتصر إنجازاتهم على إلهام الفخر فحسب، بل جمعت الأردنيين من مختلف شرائح المجتمع. كان التأهل لكأس العالم أكثر من مجرد إنجاز رياضي، بل كان احتفالاً وطنياً. امتلأت الشوارع بالجماهير المبتهجة التي تلوح بالأعلام الأردنية، وأصبحت أطقم الفريق الحمراء رمزاً للأمل والوحدة. بالنسبة لبلد يواجه تحديات اقتصادية واجتماعية، مثّل نجاح النشامة تذكيراً قوياً بما يمكن أن يحققه الجهد الجماعي والإيمان. اتسم أداء الأردن خلال البطولة بالحماس والتنافسية. ورغم عدم تجاوزهم دور المجموعات، فقد نالوا احتراماً عالمياً لانضباطهم وروحهم الرياضية العالية. كان وجودهم على أكبر مسرح كروي حلماً تحقق، وقاعدةً لطموحات مستقبلية.
بينما سلطت الأضواء بقوة على النشامة في السنوات الأخيرة، فإن الحفاظ على النجاح يتطلب رؤية طويلة الأمد. وقد اتخذ الاتحاد الأردني لكرة القدم خطواتٍ هامة لضمان استمرار نمو المنتخب. فقد ساهمت الاستثمارات في أكاديميات الشباب، وتطوير المدربين، وكرة القدم النسائية في توسيع قاعدة المواهب وزيادة جاذبية اللعبة. كما شهد الدوري الأردني للمحترفين تحسناً ملحوظاً في مستوى المنافسة. يُعزز فريق النشامة الاحترافية، موفرًا منصة محلية أقوى للاعبين الصاعدين. وقد أتاحت الشراكات الدولية والمعسكرات التدريبية للاعبين فرصة التنافس على مستويات أعلى، بينما عززت مبادرات التواصل مع الجماهير العلاقة بين الفريق ومشجعيه. لا تزال هناك تحديات - محدودية الموارد، ونقص البنية التحتية، والحاجة إلى مباريات دولية منتظمة - لكن الأساس متين. أصبح تاريخ النشامة جزءًا من الهوية الوطنية الأردنية، ويواصل الفريق إلهام الجيل القادم من الرياضيين. وبالنظر إلى المستقبل، الهدف واضح: البقاء ضمن الفرق المشاركة في البطولات الكبرى، والارتقاء في تصنيف الفيفا، وتجاوز دور المجموعات في كأس العالم يومًا ما. مع الدعم المناسب والإيمان المستمر، هناك كل الأسباب التي تدعو للاعتقاد بأن أفضل أيام النشامة لم تأتِ بعد. إن لقب الفريق، النشامة، ليس مجرد اسم، بل هو انعكاس للقيم الأردنية: الشرف، والشجاعة، والولاء. تتجلى هذه القيم ليس فقط في أداء الفريق، بل أيضًا في قدرته على توحيد الأمة. سواءً في النصر أو الهزيمة، يُمثّل فريق النشامة آمال وأحلام الملايين.