مصر تكشف النقاب عن تمثالين ضخمين مُرمَّمين للملك أمنحتب الثالث في الأقصر
ADVERTISEMENT
عندما ينطق الحجر القديم من جديد.
في كانون الأول 2025، كشفت مصر النقاب عن تمثالين ضخمين مُرمَّمين حديثاً للملك أمنحتب الثالث في معبده الجنائزي بالضفة الغربية للأقصر. لم يكن هذا الحدث مجرد إعلان أثري، بل كان لحظة ثقافية أعادت ربط البشرية المعاصرة بواحدة من أقوى الحضارات في التاريخ. تُحيي هذه
ADVERTISEMENT
التماثيل، الشامخة من جديد، صوت فرعون حكم في أوج ازدهار مصر وثروتها واستقرارها ورقيها الفني. ترمز عودتها إلى الحوار الدائم بين الماضي والحاضر، والتراث والاقتصاد، والذاكرة والهوية في مصر.
الصورة على egypt-museum
أمنحتب الثالث وزوجته تي، مع بناتهما الثلاث.
1. جغرافيا مصر القديمة: هبة النيل.
نشأت مصر القديمة على ضفاف نهر النيل، الذي حوّل فيضانه السنوي المنتظم الصحراء إلى أراضٍ زراعية خصبة. وقد أثرت هذه الجغرافيا في كل شيء، من الزراعة وأنماط الاستيطان إلى المعتقدات الدينية حول البعث والخلود. اتحدت مصر العليا (جنوب وادي النيل) ومصر السفلى (الدلتا) حوالي عام 3100 قبل الميلاد، مما أدى إلى إنشاء إحدى أولى الدول المركزية في العالم.
ADVERTISEMENT
الصورة بواسطة Murat Şahin على pexels
رحلة على الجمال أمام أهرامات مصر
احتلت الأقصر، طيبة القديمة، موقعاً استراتيجياً في مصر العليا. وبفضل حمايتها من المنحدرات وإمدادها بنهر النيل، أصبحت القلب الروحي والسياسي لمصر خلال عصر الدولة الحديثة.
الأقصر، طيبة القديمة، احتلت موقعًا استراتيجيًا في مصر العليا. صورة: خريطة لمصر القديمة على طول نهر النيل
2. السلطة والحكم: الملكية الإلهية.
استند الحكم المصري القديم على مبدأ الملكية الإلهية. لم يكن الفرعون مجرد حاكم، بل إلهاً حياً، مسؤولاً عن الحفاظ على "ماعت" - النظام الكوني والعدل والتوازن. وقد ضمنت بيروقراطية متطورة من الوزراء والكهنة والكتبة والحكام الإقليميين إدارة فعالة عبر آلاف الكيلومترات.
في عهد أمنحتب الثالث، تمتعت مصر بسلام غير مسبوق، مما سمح للدبلوماسية بأن تحل محل الحرب. تُظهر المراسلات الدولية، المحفوظة في رسائل تل العمارنة، انخراط مصر كقوة عظمى مع ميتاني وبابل وآشور.
ADVERTISEMENT
3. سلالات مصر القديمة: عصر الإمبراطورية.
يُقسم تاريخ مصر القديمة الطويل تقليدياً إلى سلالات. شهدت الأسرة الثامنة عشرة (حوالي 1550-1292 قبل الميلاد) بداية عصر الدولة الحديثة، العصر الإمبراطوري لمصر. وقد أنجبت هذه الأسرة حكاماً أسطوريين مثل حتشبسوت، وتحتمس الثالث، وإخناتون، وتوت عنخ آمون، وأمنحتب الثالث.
الصورة على egypttoursportal
تمثالا أمنحتب الثالث وزوجته تي في الأقصر- مصر
مثّل عهد أمنحتب الثالث (حوالي 1353-1390 قبل الميلاد) ذروة قوة الأسرة الحاكمة، حيث اتسمت بالاستقرار السياسي، والازدهار الاقتصادي، والرقي الفني.
4. حضارة مصر القديمة: الحياة، والمعتقدات، والمعرفة.
مزجت الحضارة المصرية القديمة الدين، والعلوم، والحياة اليومية بسلاسة. وقد أثر الإيمان بالحياة الآخرة على العمارة، والفنون، وممارسات الدفن. كما أثرت التطورات في الطب، والرياضيات، وعلم الفلك، والهندسة على الحضارتين اليونانية والرومانية اللاحقتين. حفظت الكتابة الهيروغليفية النصوص الدينية والسجلات الإدارية والأدب، مما أتاح استمرار أحد أطول التقاليد الثقافية البشرية.
ADVERTISEMENT
5. التراث الفني والثقافي المصري القديم: فن خالد.
سعى الفن المصري إلى الخلود بدلاً من الواقعية. واتبعت التماثيل نسباَ دقيقة للتعبير عن الكمال الإلهي. وعلى وجه الخصوص، عكست المنحوتات الضخمة السلطة الملكية بما يتجاوز الحجم البشري.
الصورة على wikimedia
الرواق العظيم لأمنحتب الثالث.
أمر أمنحتب الثالث بنحت آلاف التماثيل - أكثر من أي فرعون آخر - لإظهار ثروته وولائه للآلهة. وقد حسّن عهده فن تصوير الملوك، فمزج بين صورة الشباب المثالية والسلطة الهادئة.
6. العمارة والمباني الضخمة في مصر القديمة.
جمعت العمارة المصرية القديمة بين التصميم الرمزي والهندسة المتقدمة. وتوافقت المعابد مع الأحداث السماوية؛ كانت الصروح والساحات وقاعات الأعمدة ترشد المصلين عبر الفضاء المقدس. يُعدّ معبد أمنحتب الثالث الجنائزي من بين أكبر المعابد التي بُنيت في طيبة، وقد زُيّن في الأصل بمئات التماثيل وأبو الهول والنقوش البارزة.
ADVERTISEMENT
7. الأقصر: العاصمة المقدسة للمملكة الحديثة.
لم تكن الأقصر مجرد مدينة، بل كانت مشهداً مقدساً. رمزت الضفة الشرقية للحياة والعبادة، بينما رمزت الضفة الغربية للموت والبعث. حوّلت المقابر الملكية والمعابد الجنائزية ومسارات المواكب طيبة إلى جغرافية طقسية لا مثيل لها في العالم القديم.
تُعرف الأقصر اليوم بأنها من أغنى مدن العالم بالآثار المصرية القديمة، وتوصف غالباً بأنها أكبر متحف مفتوح في العالم.
الصورة على pexels
الرسم والنقش على الأعمدة في الأقصر
8. أمنحتب الثالث: فرعون السلام والازدهار.
على عكس الملوك المحاربين، حكم أمنحتب الثالث بالدبلوماسية والتجارة ورعاية المعالم الأثرية. تدفق الذهب من النوبة، ووصلت السلع الفاخرة من البحر الأبيض المتوسط، ووقفت مصر في قلب التبادل العالمي.
أرست فترة حكمه الأسس الثقافية التي شكلت الفن المصري لأجيال.
ADVERTISEMENT
التماثيل الضخمة المُرممة: ولادة جديدة للحجر.
يصور التمثالان الضخمان المصنوعان من المرمر، واللذان يبلغ ارتفاعهما حوالي 14 متراً، أمنحتب الثالث جالساً، مواجهاً شروق الشمس. بعد أن تضررا بفعل الزلازل وفيضانات النيل، أُعيد تجميعهما بعناية فائقة على مدى عقود من قِبل فرق مصرية ودولية.
جسّدت التماثيل العملاقة الخلود. يتجه أمنحتب الثالث شرقاً، مُحيياً ولادة إله الشمس رع اليومية، مُعززاً طبيعته الإلهية. أوحى حجمها بالاستقرار والسلطة والانسجام الكوني للرعايا والأجانب على حد سواء.
9. التراث والسياحة والاقتصاد المصري الحديث.
ADVERTISEMENT
يُعدّ التراث الثقافي ركيزة أساسية للاقتصاد المصري. تُساهم السياحة بنحو 8- 10% من الناتج المحلي الإجمالي، وتُوفر فرص عمل لملايين الأشخاص. في عام 2024، استقبلت مصر أكثر من 15 مليون زائر، وكانت الأقصر من بين أبرز الوجهات السياحية.
تساهم مشاريع الترميم كهذا في تعزيز السياحة المستدامة، وإطالة مدة إقامة الزوار، وترسيخ مكانة مصر الثقافية العالمية.
الخلاصة: استعادة الخلود.
يمثل الكشف عن تماثيل أمنحتب الثالث الضخمة انتصاراً للذاكرة على مر الزمن. تُذكّر هذه الآثار العالم بأن مصر القديمة لم تكن مجرد حضارة حجرية، بل كانت حضارة أفكار - النظام والجمال والاستمرارية. ومع ارتفاع التماثيل من جديد فوق سهل طيبة، فإنها تؤكد دور مصر الخالد كحامية للتراث الإنساني المشترك.
جمال المصري
ADVERTISEMENT
القصص وراء الوجوه الجامدة اللامُعبِّرة: كيف نفهم غيابَ الابتسامات في الصور القديمة؟
ADVERTISEMENT
عند النظر إلى الصور الفنيّة الشخصيّة (البورتريه) من الماضي، قد تلاحظ وجودَ اتجاه شائع، إذ غالبًا ما تُقدِّم صورُ البورتريه الفنّيّةُ الأولى البالغين والأطفالَ وهم يَبدون جديّين لا يبتسمون، ويمكن رؤية ذلك حتى في صور الأعراس والاحتفالات حيث تتوقع السعادة والفرح.
سوف تلاحظ هذا الأمرَ في الغالب في الصور الشخصيّة
ADVERTISEMENT
التي تمّ التقاطُها في أواخر القرن الثامن عشر وطوال القرن التاسع عشر.
لكن لماذا لم يكن الناسُ يبتسمون أمام الكاميرا؟ هناك العديد من النظريات والأفكار حول سبب افتقار الأشخاص إلى تعبيرات الفرح في الصور.
كان التقاطُ الصور بالنسبة للكاميرات القديمة أمرًا صعبًا.
صورة من unsplash
يكمن أحدُ الأسباب الأكثر شيوعًا وراء ذلك في أن الصور كانت تستغرق وقتًا طويلاً لعرضها. لم تكن الكاميرات الأولى فوريّةً مثل التقاط صورةٍ بهاتفك اليوم. كان عرضُ الصور يستغرق وقتًا طويلاً، ممّا يعني أن الشخصَ موضوعَ الصورة كان يجب أن يظل ثابتًا لفترة طويلة.
ADVERTISEMENT
في بعض حالات التصوير الفوتوغرافي المبكرة جدًا، استغرقت الكاميراتُ حوالي 20 دقيقة لالتقاط الصورة. إذن كان يجب أن يبقى الشخصُ الموضوعُ ثابتًا قدرَ الإمكان للحصول على صورةٍ بأعلى جودة، إذ كانت الحركةُ ستؤدي إلى تشويش الصورة وإبعادِ الشخصِ الهدفِ عن التركيز.
لذلك، كان الجلوس بوجه مسترخٍ بدلاً من الابتسامة لمدة 20 دقيقة أمراً أكثر سهولةً.
لكن هذا لم يكن العاملَ الوحيد، حيث تحسّنت جودةُ الكاميرا على مرّ السنين، وبحلول عام 1900 أصبحت الكاميراتُ متقدّمةً جدًا في ذلك الوقت. بحلول القرن العشرين، تمكّنت الكاميرات من التقاط صورة في حوالي 20 ثانية.
أدّى إدخال كاميرا براوني والكاميرات الأخرى إلى تقليلِ أوقات التعرّض للضوء، ممّا عنى أنه كان يمكن للناس أن يبتسموا.
لقد كانت الكاميراتُ بطيئةً بمعايير اليوم ولكنها كانت سريعةً بمعايير ذلك الزمن الماضي.
ADVERTISEMENT
كان يُنظر إلى التصوير الفوتوغرافي للصور الشخصية في البداية على أنه شكل فنّي بديل للرسم.
صورة من unsplash
هناك أيضًا روابطُ مع فكرةِ كونِ الصور الشخصية تمثّل لحظةً خاصةً من أجل توثيق وجودِ الشخص.
قبل الكاميرات، كان من الممكن رسمُ الشخص يدويًا، الأمر الذي كان سيستغرق ساعات.
ارتبطتْ فكرةُ عملِ البورتريه بمناسبةٍ خاصةٍ سواء أكانت إحياءَ ذكرى عيد ميلاد أم إنجازٍ أو احتفال.
كانت فكرةُ الصورة هي أن تقضيَ بعض الوقت من أجل التقاط اللحظة المهمة. لقد تمّ نقلُ هذا التقليد حتى عندما ظهرت الكاميرات.
يُعتقد أن الناس في ذلك الوقت حملوا هذه العقليّةَ باعتبار صورة البورتريه تمثِّل لحظةً جادّةً وهامة حتى عندما تمّ تقديمُ وابتكارُ التصوير الفوتوغرافي.
الهوس الفيكتوري بصور الموتى.
صورة من unsplash
قد يكون التقليدُ الفيكتوري المتمثل في التقاط صور للمُتوفَّى هو أحد الأسباب الأخرى التي تجعل الأشخاصَ يبدون جادّين.
ADVERTISEMENT
جعلتِ الكاميراتُ القدرةَ على التقاط الصور أمراً أكثر مُتاحاً وأكثر قابلية للإدارة.
في العصر الفيكتوري، غدا تصويرُ الموتى شائعًا بشكل متزايد، وذلك لأنه -على عكس اليوم- كان يُنظر إلى الصور على أنها وسيلة لالتقاط "عرضٍ تقديمي مُجمَّد" لشخصٍ ما، وذلك على عكس أفكار اليوم التي تربط التصويرَ الفوتوغرافي باستخدامه لالتقاطِ لحظة من الزمن.
في الماضي، وبمجرد وفاة أحد أفراد الأسرة، يتمّ إلباسُه بملابس سوداء ووضعُه في وضعٍ مُستقيم لالتقاط الصور له. كان هذا الأمرُ عمليّةَ توثيقٍ إلى حد ما، وكان يُنظر إليه على أنها ممرّ إلى الخلود.
غالبًا ما يُعتقد أن هذه الصور هي السببُ وراء ربطِ الناس لبعض صور البورتريه الفوتوغرافية الشخصيّة الأولى بالجدّيّة.
ومع ذلك، كانت هذه الصورُ مجرّدَ أسلوبٍ لأخذ صورِ بورتريه.
كانت الابتسامةُ مرفوضةً منذ عام 1800 ولغاية بدايات القرن العشرين.
ADVERTISEMENT
صورة من unsplash
بالإضافة إلى اهتمامهم غيرِ العادي بتصوير الموتى، كان الفيكتوريّون والإدوارديّون يرفضون الابتسام. في ذلك الوقت، كانت الابتسامةُ تُعتبَر تصرفًا غبيًا يُشير إلى الطبقة الدنيا، بينما كان يُعتقد أن الجدّيّةَ والحفاظَ على الوجه المستقيم هما أقوى تعبيرات الوجه وأكثرها أناقة.
وبالرغم من عدم وجودِ طريقة لإثبات هذه النظرية، إلا أنه يمكن التعرّف عليها من خلال النصوص والوثائق التاريخية.
يمكن أن تمثّل هذه النظريّةُ فرضيّةً معقولةً جداً لأنه لم يبتسمْ أحّدٌ في الماضي أثناء التقاط الصور.
كان يُنظر إلى الابتسام على أنه نوعٌ من الحماقة، لذلك كان المظهرُ الجادّ أمرًا مهمًا في الصور الشخصية.
صورة من unsplash
بشكل عامّ، لا يبتسم الناس أبدًا في الصور القديمة لأسباب مختلفة. وترتبط النزعةُ السائدة حينها بما كان مقبولا في ذلك الوقت وبالعوائق التقنيّة.
ADVERTISEMENT
كان الابتسامُ في التصوير الفوتوغرافي والصور الشخصية أمرًا صعبًا في البداية نظرًا للوقت الذي يستغرقه التقاطُ الصورة.
وبصرف النظر عن الجانب التقني، هناك عاملٌ آخر وهو المعاييرُ والمُثل العليا في ذلك الوقت. على سبيل المثال، كان يُنظر إلى الابتسامة بازدراء على أنها أمرٌ غير لائق.
يكاد يكون من المستحيل العثور على صور بورتريه فوتوغرافية مُبتسِمة من ذاك العصر، الأمر الذي أثار فضولَنا في هذا المقال.
ياسمين
ADVERTISEMENT
من باريس الهوسمانية إلى لا ديفانس: محور واحد يكشف كيف تغيّرت المدينة
ADVERTISEMENT
ما يبدو كأنه قطيعة بين باريس القديمة وأفقها الحديث هو، في هذه الحالة، العكس تمامًا: فحيّ لا ديفونس يُكمل خطًا ظلت باريس تمدّه غربًا على مدى قرون.
ولهذا الخط اسم، وهو مهم. يطلق عليه المخططون والمؤرخون اسم «المحور التاريخي» (Axe historique): وهو مسار احتفالي مستقيم يمتد من متحف اللوفر عبر
ADVERTISEMENT
حدائق التويلري، ثم يعبر ساحة الكونكورد، ويصعد على طول الشانزليزيه إلى قوس النصر، ثم يواصل طريقه إلى لا ديفونس، حيث اكتمل القوس الكبير «غراند آرش» عام 1989 بوصفه امتداده الغربي الحديث.
صورة بعدسة فلوريان فيهده على Unsplash
لماذا يبدو الأفق نشازًا في الوهلة الأولى
يرى الناس الأبراج وراء المدينة الحجرية القديمة فيظنون: هناك، عند تلك النقطة، تنتهي «باريس الحقيقية». وهذا مفهوم. فقد درّبت باريس العين على توقّع الكرانيش والشرفات وخطّ سقوف متقارب الارتفاع، لذا قد تبدو مجموعة من الزجاج والفولاذ وكأنها مقاطعة للمشهد.
ADVERTISEMENT
لكن في هذا الشارع العريض، ليست الهيئة المعمارية هي القاعدة الأساسية المنظمة. بل الهندسة. فالمباني الأقدم، والجادة، وقوس النصر، ثم الحيّ الممتد وراءه، ليست مصطفّة في مشهد واحد على سبيل المصادفة. إنها تستقر على استقامة موروثة، جيلًا بعد جيل، كأنها درز أُبقي عليه بعناية فيما تغيّر القماش من حوله.
وهذه هي الصيغة البسيطة التي تستحق أن تبقى في الذهن: ليست الأبراج هي ما ينظّم نظرك هنا، بل المحور. ويُقرأ لا ديفونس بوصفه جزءًا من المشهد لأنه وُضع على ذلك الخط، لا لأن المباني الحديثة تحاكي باريس القديمة بطريقة ما.
على أن ليس كل الباريسيين يحبون لا ديفونس. فكثيرون ما زالوا يرون الأفق صادمًا أو مفرط الضخامة أو منفصلًا وجدانيًا عن بقية المدينة. وهذا المقال لا يريد أن يأمر أحدًا بحبّه؛ إنما يشرح فقط لماذا يبدو المشهد متصلًا حتى حين لا تكون العمارة كذلك.
ADVERTISEMENT
الحيلة أقدم من الأبراج
المحور التاريخي واحد من أفكار التخطيط التي تبدو فخمة حين تسمعها، ثم يتضح أنها عملية جدًا ما إن تراها. فهو خطّ نظر وحركة، لكنه أيضًا بيان عن الطريقة التي تريد المدينة أن تقدّم بها نفسها: منظّمة، مقروءة، ممتدة إلى الخارج من غير أن تفقد بوصلتها.
ويهمّ تتابع عناصره لأن كل جزء يسلّم العين إلى الجزء الذي يليه. فاللوفر يضع سلطة البداية. وتُبقي حدائق التويلري الخط مفتوحًا. وتوسّعه ساحة الكونكورد ليصبح مفصلًا عامًا. وتمدّه الشانزليزيه غربًا بوصفها جادة. أما قوس النصر فيوقفك لحظة، ثم يطلق الخط من جديد بدل أن ينهيه.
وفي هذه النقطة تحديدًا يسيء كثير من الزوار قراءة المشهد. فهم يتعاملون مع القوس بوصفه نصبًا ختاميًا، نقطةً أخيرة. لكنه، من منظور التخطيط العمراني، يمثّل أيضًا نقطة ترحيل. فالخط يتواصل بعده نحو منطقة الأعمال التي جرى تطويرها عمدًا خارج المركز التاريخي.
ADVERTISEMENT
جرّب اختبارًا صغيرًا. تتبّع المسار في ذهنك: اللوفر، فالحديقة، فالساحة، فالجادة، فالقوس، ثم أبعد غربًا نحو لا ديفونس و«غراند آرش». ولو اختفت الأبراج غدًا، لكن بقي المحور، فما الذي سيظل ينظّم بصرك؟ الجواب هو الخط نفسه.
ما الذي يفعله «غراند آرش» هناك بالضبط؟
ليس «غراند آرش» مجرد جسم ضخم جاثم في البعيد لأن الأرض هناك كانت فارغة ومتاحة. لقد جرى تصوّره بوصفه نظيرًا حديثًا على المحور، نصبًا من أواخر القرن العشرين وُضع عند الطرف الغربي لهذا التسلسل الطويل. وعندما اكتمل عام 1989، صار المقصود واضحًا: كانت باريس تمدّ خطًا مدنيًا إلى عصر جديد، لا تلقي منطقة أعمال عشوائيًا وراء المدينة القديمة.
وعند النظر إليه بهذه الطريقة، يغدو التباين أقل عبثية. فالواجهات القديمة تؤدي وظيفة، والقوس الحديث يؤدي وظيفة أخرى. وليس من الضروري أن يتشابها في الطراز لأنهما يتعاونان في الموضع. وهذا، في رأيي، ضرب من الثقة العمرانية الفرنسية: ليس التماثل، بل الاصطفاف.
ADVERTISEMENT
قف أمام الجادة ودع بصرك يسير. سوف يمر بين الأشجار وحركة المرور والواجهات الحجرية وقوس النصر، ثم يواصل طريقه حتى يلتقطه «غراند آرش» ويؤطره بصرامة. ولطالما تعامل المخططون مع المحاور على هذا النحو: لا بوصفها مصادفات جميلة، بل أدوات للمحاذاة والرمزية والامتداد.
ثم ينفتح فجأة مقياس الزمن
هنا تكمن النقطة التي تفوت الناس لأنهم يقرأون المشهد بصيغة الحاضر وحدها. فأنت لا ترى مجرد باريس القديمة وقد أُلصقت بها بعض المباني الأحدث في الطرف. بل ترى خطًا واصلت أنظمة مختلفة تمديده غربًا عبر لحظات سياسية شديدة التباين.
أرض ملكية. نصب إمبراطوري. جادة جمهورية. حي أعمال ما بعد الحرب. ثم، في عام 1989، قوس من جديد. حديقة، فساحة، فجادة، فقوس، فحي، فقوس. في مشهد واحد، تنضغط قرون داخل جملة مدنية واحدة.
وهنا يحدث التحول الحقيقي. فمتى رأيت الجادة بوصفها تراكمًا لقرارات، لا مجرد خليط من الأساليب، تبدّل السؤال. لم يعد السؤال: «لماذا اقتحمت باريس الحديثة باريس التاريخية؟» بل صار: «كيف واصلت باريس التاريخية إسقاط قواعدها نحو الخارج، حتى حين تغيّرت العمارة بالكامل؟»
ADVERTISEMENT
وهذا لا يحسم مسألة الذوق، والحمد لله على ذلك. فالاستمرارية المخططة قد تفضي مع ذلك إلى انقطاع عاطفي. قد يعجب شخص ما بالمحور، ومع هذا يكره الأبراج. لا بأس. فالانتظام البصري والمودّة الشخصية ليسا الشيء نفسه.
الطريقة الأدق لقراءة هذا الشارع العريض
ما يهم هو أن المشهد مقروء. إنه يخبرك أن المدن تستطيع أن تحافظ على استمراريتها بالهندسة والقصد، لا بمجرد الإبقاء على المواد نفسها أو الارتفاع نفسه أو القرن نفسه. وما إن تستوعب ذلك، حتى تبدأ بملاحظة خطوط موروثة شبيهة في أماكن أخرى: مراكز قديمة تسلّم المشهد إلى أحياء أحدث من غير أن تتخلى عن الخطة الكامنة تحتها.
ولهذا فإن هذا الامتداد من باريس أكثر إثارة للاهتمام من الحكاية المستهلكة عن مدينة قديمة في مواجهة أفق حديث. فعلى هذا المحور، لا يقطع لا ديفونس صلة باريس بنفسها؛ بل يطيع واحدة من أقدم التعليمات التي أمْلتها المدينة على نفسها.