قيادة السيارة في المطر والضباب: قواعد أساسية لتقليل مخاطر الحوادث
ADVERTISEMENT

يواجه السائقون في العالم العربي تحديات متزايدة خلال فترات سقوط الأمطار وتشكل الضباب، خاصة في المدن والطرق السريعة التي تفتقر أحيانًا إلى بنية تحتية متطورة للتصريف أو الإنارة. وتزداد خطورة القيادة في مثل هذه الظروف بسبب انخفاض مستوى الرؤية وتغير خصائص الطريق وازدياد احتمالات الانزلاق. لذلك أصبح من الضروري فهم

ADVERTISEMENT

القواعد الأساسية التي تساعد على تقليل مخاطر الحوادث وحماية السائقين والركاب.

يمثل المطر والضباب بيئتين تختلف فيهما ردود فعل السيارة بشكل كبير مقارنة بالأجواء الجافة، مما يجعل القيادة تتطلب تركيزًا أعلى وقرارات أسرع. وليس الأمر مرتبطًا بالمهارة وحدها، بل بمدى التزام السائق بإجراءات السلامة المرورية ومعرفته بظروف الطريق. وفي السطور التالية ستتعرف على مجموعة من الإرشادات المهمة التي تساعدك على تجاوز هذه الظروف بأمان.

ADVERTISEMENT


الصورة بواسطة ashishk75على envato


تأثير المطر والضباب على شروط الطريق

تتغير خصائص الطريق بشكل واضح عند هطول الأمطار، فالماء يختلط بالأتربة والزيوت المتراكمة مما يخلق طبقة زلقة تقلل من تماسك الإطارات. ويظهر هذا التأثير بشكل أكبر في الدقائق الأولى للأمطار، إذ يرتفع احتمال الانزلاق. أما الضباب فيؤدي إلى تقليل الرؤية الأفقية بشكل كبير وقد يجعل تقدير المسافات أقرب أو أبعد مما هي عليه في الواقع.

كما تؤثر الرطوبة العالية في الضباب على حساسية أنظمة السيارة مثل المكابح ومستشعرات المساعدة. لذلك يجب على السائق قراءة الطريق بعناية والحرص على تجنب المناورات المفاجئة. هذه العوامل تفرض على السائقين اعتماد أسلوب قيادة مختلف تمامًا عن القيادة في الظروف العادية.

تهدئة السرعة أول قواعد السلامة المرورية

تمثل السرعة المرتفعة أكبر خطر أثناء القيادة في المطر أو الضباب، إذ تمنح السائق وقتًا أقل للتفاعل مع الأحداث. وتوصي هيئات السلامة بخفض السرعة بما يتناسب مع مستوى الرؤية وحالة الطريق. فالمسافة المطلوبة للتوقف تزداد كلما زادت سرعة السيارة أو كلما أصبحت الطريق مبللة.

ADVERTISEMENT

كما أن تخفيف السرعة يقلل من احتمال فقدان السيطرة على السيارة في حال حدوث انزلاق مفاجئ. لذلك يجب على السائق التفكير دائمًا في أن القيادة الآمنة ليست سباقًا للوصول، بل هي رحلة تتطلب حكمة وصبرًا، خصوصًا عندما تكون الرؤية محدودة أو يكون الطريق زلقًا.


الصورة بواسطة AltrendoImagesعلى envato


استخدام الأنوار المناسبة أثناء القيادة في الضباب

خطأ شائع يقع فيه بعض السائقين هو الاعتماد على الأنوار العالية عند مواجهة الضباب. هذا الخيار يؤدي إلى انعكاس الضوء على قطرات الماء الدقيقة مما يقلل الرؤية بدل تحسينها. لذلك يجب استخدام الأنوار المنخفضة مع مصابيح الضباب الأمامية والخلفية إن وجدت.

يساعد الضوء المنخفض على تحديد حدود الطريق ويمنح السائقين الآخرين فرصة لرؤيتك دون إحداث وهج ضار. كما ينصح بتشغيل إشارات التحذير عند تباطؤ السرعة في المناطق التي يشتد فيها الضباب. هذه التفاصيل الصغيرة تصنع فارقًا كبيرًا في مستوى الأمان العام.

ADVERTISEMENT

الحفاظ على مسافة أمان مضاعفة

تعد مسافة الأمان من أهم عناصر السلامة المرورية في الظروف الجوية السيئة. فالمطر يجعل الإطارات أقل قدرة على الالتصاق بسطح الطريق، والضباب يقلل من قدرة السائق على إدراك اقتراب المركبات الأخرى. لذلك يفضل مضاعفة المسافة بينك وبين السيارة التي أمامك.

قاعدة الثانيتين في الظروف العادية يمكن أن تصبح أربع ثوان أو أكثر عند انخفاض الرؤية. هذه المسافة تمنح السائق الوقت الكافي للتوقف أو المناورة عند حدوث طارئ. وكلما كانت السرعة أعلى، أصبحت الحاجة لمسافة أكبر أكثر أهمية.

أهمية الإطارات الجيدة في القيادة في المطر

يعتبر فحص الإطارات خطوة أساسية قبل القيادة خلال موسم الأمطار. فالإطار البالي أو الذي يحتوي على نقشة ضعيفة يزيد بشكل كبير من خطر الانزلاق المائي. وتساعد النقوش العميقة على تصريف الماء من تحت الإطار مما يحسن التماسك على الطريق المبتل.

ADVERTISEMENT

كما أن ضغط الهواء في الإطارات يجب أن يكون مناسبًا. فالإطار المنخفض الضغط يزيد من احتمالات فقدان السيطرة بينما الإطار المرتفع الضغط يقلل من مساحة التلامس مع الطريق. لذلك ينصح بالتحقق من الضغط مرة كل أسبوعين على الأقل، خصوصًا في الأيام الممطرة.

كيفية التعامل مع الانزلاق المفاجئ

قد يتعرض السائق لموقف يفقد فيه الإطار تماسكه نتيجة السرعة أو المياه المتجمعة. عند الانزلاق يجب تجنب الضغط القوي على المكابح أو تحريك المقود بسرعة. الأفضل هو رفع القدم عن دواسة الوقود وتوجيه عجلة القيادة باتجاه الانزلاق لاستعادة التوازن.

ويجب عدم الذعر في هذه اللحظة، فالتصرف الهادئ يمنح السيارة فرصة للعودة إلى مسارها. وكلما كانت السرعة منخفضة، أصبحت السيطرة أسهل بكثير. وهذا يعيد التأكيد على أهمية الالتزام بنصائح السائقين المحترفين الذين يشددون على ضرورة التمهل دائمًا في الطرق المبللة.

ADVERTISEMENT


الصورة بواسطة MyLove4Artعلى envato


تشغيل ماسحات الزجاج والتأكد من نظافة النوافذ

الرؤية الجيدة شرط أساسي للقيادة الآمنة. لذلك يجب التأكد من أن ماسحات الزجاج في حالة جيدة ولا تترك خطوطًا تعيق النظر. وينصح بتغييرها مرة كل عام أو عند ملاحظة تدهور فعاليتها. أما الزجاج الجانبي والخلفي فيجب تنظيفهما بمواد تمنع تكوّن الضباب الداخلي.

كما ينصح بتشغيل نظام التهوية أو المكيف لتقليل الرطوبة في المقصورة. الضباب الداخلي قد يكون أكثر خطورة من الضباب الخارجي لأنه يتشكل بسرعة وقد يمنع رؤية المرايا والأجسام القريبة.

تجنب استخدام مثبت السرعة

استخدام مثبت السرعة في الطرق المبللة قد يشكل خطرًا كبيرًا. فعند حدوث انزلاق، لا يستطيع النظام فهم التغير المفاجئ في تماسك الإطارات وقد يستمر في دفع السيارة إلى الأمام. لذلك يفضل التحكم اليدوي في السرعة خلال المطر والضباب.

ADVERTISEMENT

كما أن التحكم اليدوي يمنح السائق قدرة أكبر على قراءة الطريق والاستجابة للتغيرات، سواء عند دخول منطقة مغطاة بالضباب أو عند مواجهة تجمعات مائية.

اختيار المسار الأنسب على الطريق

تجمع المياه عادة في جوانب الطريق وعلى المسارات التي تمر بها الشاحنات الثقيلة. لذلك يفضل اختيار المسار الذي لا يظهر عليه تجمع للأمطار. ويجب تجنب المرور فوق البرك الكبيرة لأن عمقها قد يخفي حفرًا أو عوائق قد تتسبب في فقدان السيطرة.

أما في حالة الضباب فيفضل اختيار المسار الأوسط للطريق لأنه يتيح رؤية أفضل لخطوط الطريق ويسهل توقع حركة السيارات القادمة من الجانبين.

نصائح إضافية للسائقين في الأجواء الصعبة

  • تجنب استخدام الهاتف أثناء القيادة في المطر والضباب
  • تشغيل الإضاءة الداخلية بأقل مستوى ممكن لتقليل انعكاس الضوء على الزجاج
  • التأكد من عمل المكابح قبل الانطلاق
  • تجنب الانعطافات الحادة والمفاجئة
  • تجنب القيادة الطويلة في الضباب الكثيف إن كان بالإمكان تأجيل الرحلة

تعتمد القيادة في المطر والضباب على مزيج من الحذر والتركيز واحترام قواعد السلامة المرورية. وكلما امتلك السائق معرفة أكبر بطبيعة الطريق وكلما التزم بنصائح السائقين المحترفين، أصبحت الرحلة أكثر أمانًا. وبينما لا يمكن السيطرة على الطقس، يمكن بلا شك التحكم في أسلوب القيادة وتجنب المخاطر قدر الإمكان. الالتزام بهذه الإرشادات سيقلل من احتمالات الحوادث ويجعل القيادة أكثر راحة وثقة في مختلف الظروف الجوية.

ياسر السايح

ياسر السايح

ADVERTISEMENT
مصر تُطلق رسميًا اسم "العاصمة الإدارية الجديدة" على مشروعها الإداري الضخم
ADVERTISEMENT

أعادت مصر رسميًا تسمية مشروعها الإداري الضخم الطموح باسم "العاصمة الجديدة"، مما يمثل لحظة محورية في استراتيجية التنمية الحضرية للبلاد. كان يُعرف سابقًا باسم العاصمة الإدارية الجديدة، وقد أصبح المشروع الآن معترفًا به رسميًا باسمه الجديد في جميع المراسلات الحكومية والرسمية، وفقًا لشركة العاصمة الإدارية للتنمية العمرانية (ACUD)، الشركة المملوكة

ADVERTISEMENT

للدولة التي تشرف على المبادرة. تقع العاصمة الجديدة على بعد حوالي 60 كيلومترًا شرق القاهرة، وتمثل أحد أكثر المشاريع الحضرية طموحًا في الشرق الأوسط وأفريقيا، والمصممة لتخفيف الازدحام في القاهرة مع تجسيد تطلعات مصر للتحديث والأهمية العالمية. تشير إعادة التسمية إلى التحول من مرحلة بناء المشروع إلى الجاهزية التشغيلية الكاملة، مما يعكس التقدم والهوية الوطنية. بالنسبة لمصر، فإن إعادة التسمية هذه ليست مجرد حدثا تجميليا بل إعلان نوايا: لم تعد المدينة مجرد مشروع قيد التطوير ولكنها عاصمة عاملة مستعدة لاستضافة حكومة البلاد والسفارات الأجنبية والمؤسسات الكبرى. يعكس هذا الإعلان رغبة مصر في تقديم المدينة كعنصر أساسي في روايتها الوطنية، لا مجرد تجربة مؤقتة في التخطيط العمراني، بل حجر الزاوية في رؤيتها المستقبلية. إنها لفتة رمزية تُحوّل هذا المشروع الضخم من مجرد خطة طموحة إلى واقع ملموس، يُعيد تعريف المشهد الإداري والثقافي لمصر لأجيال.

ADVERTISEMENT


صورة بواسطة Abdelrhman 1990 على wikipedia


التصميم والبنية التحتية وميزات المدينة الذكية

تُصوَّر العاصمة الإدارية الجديدة كمدينة ذكية ومستدامة تدمج التكنولوجيا الحديثة مع التخطيط العمراني التقليدي. تغطي المدينة مساحات شاسعة من الأراضي، وتضم أحياء سكنية، ومرافق تعليمية ورعاية صحية، ومساجد، وبحيرات صناعية، و40 ألف غرفة فندقية رائعة. كما تتضمن الخطط إنشاء مدينة ملاهي رئيسية، ومزارع للطاقة الشمسية تمتد على مساحة 91 كيلومترًا مربعًا، وخط سكة حديد كهربائي يربطها بالقاهرة، ومطارًا دوليًا جديدًا. صُممت المدينة لتكون المركز الإداري الجديد لمصر، حيث تستضيف الوزارات الحكومية، والبرلمان، والسفارات الأجنبية، ومعالم وطنية رئيسية مثل مسجد مصر وكاتدرائية ميلاد المسيح، أكبر كاتدرائية في الشرق الأوسط. كما أنها تفتخر بأطول مبنى في أفريقيا، وهو البرج الأيقوني، إلى جانب أكبر مسجد في المنطقة وواحد من أكبر الملاعب. وعلى عكس العديد من مشاريع بناء المدن المقترحة الأخرى التي كافحت لتتجاوز لوحة الرسم، فإن بناء العاصمة الجديدة يجري على قدم وساق، حيث تم بالفعل الانتهاء من بناء مناطق كاملة وتشغيلها. ويعكس التركيز على البنية التحتية الذكية والطاقة المتجددة والاتصال التزام مصر ببناء مدينة ليست وظيفية فحسب، بل موجهة نحو المستقبل أيضًا، وقادرة على تلبية متطلبات السكان المتزايدين والاقتصاد العالمي المتغير بسرعة. كما يتضمن تصميم المدينة أيضًا مساحات خضراء وأنظمة متقدمة لإدارة النفايات ومنصات حوكمة رقمية، بهدف وضع معايير جديدة للاستدامة والكفاءة في المنطقة. ومن خلال مزج التكنولوجيا الحديثة مع التراث الثقافي، يتم وضع العاصمة الجديدة كحل عملي لازدحام القاهرة وعرض لرؤية مصر للمستقبل.

ADVERTISEMENT


صورة بواسطة U.S. Department of State على wikipedia


الهوية الثقافية والرمزية الوطنية

إلى جانب بنيتها التحتية المادية، تحمل العاصمة الجديدة أهمية ثقافية ورمزية عميقة. ويؤكد تغيير اسمها رغبة مصر في تقديم المدينة كفصل جديد في روايتها الوطنية، فصل يوازن بين الأصالة والمعاصرة. ويؤكد ضمّ منشآت دينية ضخمة، مثل مسجد مصر وكاتدرائية ميلاد المسيح، التزام مصر بالشمولية الثقافية والتعايش السلمي، معززًا دور المدينة كرمز للوحدة. كما تعكس العاصمة الجديدة طموح مصر في ترسيخ مكانتها كقائد إقليمي في مجال الابتكار الحضري، مستعرضةً قدرتها على تنفيذ مشاريع ضخمة تُضاهي المعايير العالمية. ويرى الكثير من المصريين أن المدينة تُمثل أملًا في نظام إداري أكثر تنظيمًا وكفاءةً وحداثة، نظام يُخفف الضغوط على القاهرة ويُبرز صورة التقدم للعالم. لذا، فإن تغيير اسم العاصمة الجديدة ليس مجرد تغيير في الاسم، بل هو إعادة تأكيد للهوية، مما يُشير إلى أن مصر مستعدة لاحتضان المستقبل مع الحفاظ على إرثها التاريخي. تُجسّد المدينة منارةً ثقافيةً تُجسّد قيمَ المرونة والطموح والفخر الوطني. كما تُذكّر بتراث مصر العريق في العمارة الأثرية، من الأهرامات إلى ناطحات السحاب الحديثة، وكيف سعت كل حقبة إلى التعبير عن رؤيتها للتقدم من خلال التصميم الحضري. وهكذا، تُصبح العاصمة الجديدة حلاً عمليًا وبادرةً رمزيةً في آنٍ واحد، تربط تراث مصر العريق بتطلعاتها المعاصرة. إنها مدينةٌ تُجسّد الاستمرارية والمرونة والطموح، وتُمثّل شهادةً حيةً على الهوية الثقافية المصرية الراسخة.

ADVERTISEMENT


صورة بواسطة Abdelrhman 1990 على wikipedia


الآفاق المستقبلية والتأثير العالمي

مع اقتراب العاصمة الجديدة من جاهزيتها التشغيلية الكاملة، ترتبط آفاقها المستقبلية ارتباطًا وثيقًا بالمسار الاقتصادي والسياسي الأوسع لمصر. فمن المتوقع أن تجذب المدينة استثماراتٍ أجنبيةً كبيرةً، لا سيما في قطاعاتٍ مثل العقارات والطاقة والتكنولوجيا، وأن تُشكّل أيضًا مركزًا للدبلوماسية الدولية من خلال استضافتها للسفارات الأجنبية. وتجعلها ميزاتُ مدينتها الذكية، بما في ذلك دمج الطاقة المتجددة وأنظمة النقل المتقدمة، نموذجًا يُحتذى به للتنمية الحضرية المستدامة في المنطقة. ومع ذلك، لا تزال هناك تحديات، بما في ذلك ضمان القدرة على تحمل التكاليف للمصريين العاديين والحفاظ على زخم البناء في ظل الضغوط الاقتصادية. وعلى الرغم من هذه العقبات، فإن العاصمة الجديدة على أهبة الاستعداد لإعادة تشكيل المشهد الحضري لمصر وإعادة تعريف صورتها العالمية. ومن خلال إعادة صياغة العلامة التجارية للمشروع، أرسلت مصر رسالة واضحة مفادها أن المدينة لم تعد حلمًا بعيد المنال بل حقيقة ملموسة، جاهزة لتكون بمثابة القلب الإداري للبلاد. العاصمة الجديدة ليست مجرد حل للاكتظاظ السكاني في القاهرة، ولكنها أيضًا بيان جريء لرؤية مصر للمستقبل: عاصمة حديثة ومستدامة ومتصلة عالميًا تعكس طموح البلاد الدائم وقدرتها على الصمود. وسيعتمد نجاحها على تحقيق التوازن بين الشمولية والابتكار، وضمان أن تكون المدينة ليست مجرد واجهة للنخب ولكن مساحة صالحة للعيش لجميع المصريين. وإذا تحقق ذلك، يمكن أن تقف العاصمة الجديدة كواحدة من أكثر المشاريع الحضرية تحويلًا في القرن الحادي والعشرين، مما يعيد تشكيل هوية مصر ومكانتها في النظام العالمي، بينما تكون نموذجًا للدول الأخرى التي تسعى إلى بناء عواصم جاهزة للمستقبل.

عبد الله المقدسي

عبد الله المقدسي

ADVERTISEMENT
تاريخ القطط بين الحبّ والقتل
ADVERTISEMENT

في بلاد النوبة، وعلى ضفاف نهر النيل، في العام 3000 ق.م تقريبًا، نشأت أوّل علاقة صداقةٍ في التاريخ بين القطط والإنسان، تلك العلاقة التي تطوّرت وانتشرت على مدى آلافٍ من السنين لتصبح شكلًا من أشكال التعايش اليوميّ تصل أحيانًا لدرجة عدم الاستغناء. لاندري بالضبط كيف بدأت تلك العلاقة ولا من

ADVERTISEMENT

بدأها، هل نحن من اخترنا القطط كحيواناتٍ أليفةٍ؟ أم هي التي اختارت مشاركة البشر في حياتهم؟ لا أحد يستطيع الإجابة... لكنهم يقولون أن لها شخصيّتها المستقلّة وأنها تختار أليفها.

لم تكن العلاقة بين القطط والبشر عاديّةً أبدًا دائمًا، فتارةً تجد البشر يحبونها حبًّا عظيمًا لدرجة التقديس والعبادة كما حدث في مصر القديمة، وتارةً أخرى أحرقوها وعذّبوها وقتلوها حيث تسجّل كتب التاريخ بعض الأحداث المؤسفة التي كان يقوم بها بعض البشر من قتلٍ وحرقٍ لهذه الكائنات المسكينة ظنًّا منهم أنّها شرّيرةٌ ولها علاقةٌ بالسحر كما حدث في أوروبا في العصور الوسطى، لكنّنا نلاحظ أنّ كلا النوعين من البشر قد اتّفقا على أنّ للقطط قوى وقدراتٍ روحيّةً خفيّةً، منهم من اعتبرها قوى ملائكيّةً فأحبّوها وقدّسوها، ومنهم من اعتبرها قوى شرّيرةً فقتلوها وأحرقوها. دعونا نأخذ جولةً حول العالم وحضارات التاريخ القديمة، سنتحدث عن الفريقين ونرى لماذا اختلفا في نظرتهما لهذه المخلوقات رغم اتّفاقهما على تميّزها.

ADVERTISEMENT

عبادة القطط في مصر القديمة

صورة من unsplash

لا يوجد في تاريخ البشر من عبد القطط وصنع لها هذا الكمّ من التماثيل والرسومات مثل المصريّين القدماء، بل أنّهم قاموا بتحنيط العديد منها للحفاظ عليها بعد الموت، كما أنّها قد لاقت لديهم معاملةً ليس لها مثيلٌ في العالم في تلك الفترة أو غيرها في التاريخ، حيث أن القوانين المصريّة القديمة كانت تعافب أيّ فردٍ يؤذي القطط وقد تصل العقوبة لحدّ الموت. يسجّل التاريخ أن أوّل معبودةٍ للبشر من القطط كانت تسمى "مافدت"، والتي تعني باللغة المصريّة القديمة "العدّاءة"، وتمّت عبادتها خلال فترة حكم الأسرة المصريّة الأولى خلال الفترة من 2920  ق.م وحتى 2770 ق.م. وكان المصريّون القدماء ينحتون لها تماثيل بجسد امرأةٍ لها رأس شيتا (الفهد الصيّاد).

إذا تمعّنّا في اختيار المصريّين القدماء للشيتا فسنجد به بعض الدلالات القويّة التي تدلّ على أنّ صفات الفهد الصيّاد الجسديّة والبدنيّة قد أعجزت المصريّين القدماء بصورةٍ كبيرةٍ ممّا دفعهم إلى تقديس هذا القطّ القويّ الماهر لما رأوه من قدرةٍ كبيرةٍ على الصيد وسرعةٍ لا يضاهيه فيها أيّ كائنٍ آخر في العالم حتى يومنا هذا. وإذا نظرنا إلى إمكانات البشر في هذا الزمن فنستطيع أن نقول أنّ الشيتا كانت بالنسبة لهم أقرب إلى المعجزة من حيث سرعتها الفائقة ومرونتها الشديدة.

ADVERTISEMENT

مع مرور الزمن، اتخذ البشر معبوداتٍ أخرى غير "مافدت" لها دلالاتٌ مختلفةٌ مثل المعبودة "سخمت" معبودة الحرب، والتي تعني باللغة المصريّة القديمة "القويّة"، وكانوا ينحتون لها تماثيل امرأةٍ برأس لبؤةٍ (أنثى الأسد)،

ومن المعروف عن الأسد أنّه من أقوى القطط وله من الهيبة والقوّة ما لاينكره أحد. و نلاحظ أنّ المصريّين القدماء مثّلوا كلا المعبودتين بجسد امرأةٍ وهي إشارةٌ تدلّ على انبهارهم بمهارة الصيد لدى تلك القطط، حيث أنّه من المعروف أنّ أنثى الشيتا وأنثى الأسد هما من تقومان بعمليّة الصيد وليس الذكور. ثم هناك المعبودة الأشهر في مصر القديمة والتي تُدعى "باستِت" وهي معبودة الحماية والمتعة والصحّة لدى المصريّين القدماء، ويمثّلها المصريّون القدماء بامرأةٍ بجسدٍ يشبه قططنا المنزليّة، و قصّتها تدور حول أنّها تحمي أباها "رع" دائمًا من الثعبان الشرّير "أبيب" الذي يحاول دائمًا أن يتسلّل ليلدغه، وفي قصّتها إشارةٌ مباشرةٌ ودليلٌ قويٌّ على أنّ قدرة تلك المخلوقات على قتل الثعابين قد تكون من الأسباب الرئيسيّة لاستئناسها أو على الأقلّ للشعور بالراحة والطمأنينة في وجودها خصوصًا إذا كانت المنطقة مليئةً بالثعابين، فهي متيقظةٌ دائمًا وتستطيع أن تكشف الثعبان المتسلّل قبل الإنسان في أغلب الأحوال بسبب حواسّها القويّة من السمع والبصر والشمّ وغريزتها الطبيعيّة في البحث عن الثعابين والكائنات الزاحفة والتخلّص منها لحماية أطفالها.

ADVERTISEMENT

عبادة القطط في العراق وبابل

صورة من wikimedia

نترك التاريخ المصريّ قليلًا ونتّجه شرقًا نحو أرض العراق ونتطلّع إلى إحدى صفحات التاريخ البابليّ حيث حضارة بابل الموغلة في القدم، سنجد أن البابليّين قد عبدوا قطًّا أسموه "نرجال"أو "نرغال"، وهو معبود الحرب والوباء ويأتي في موسم الصيف الذي يسمّوه بموسم الموت، وكان على شكل أسدٍ، والغريب أنّ أوّل ظهورٍ لهذا الاسم كان في فترة الملك الحيثيّ "سابيليوليوما الأول" عندما انتشر وباء الطاعون قادمًا من مصر، إذًا فمن المحتمل أن يكون قد ارتبط في أذهان البابليّين القدماء صورة المعبودة المصريّة سخمت معبودة الحرب في مصر بأنّها شيءٌ سلبيٌّ وأنّها بشكلٍ ما قد أثّرت عليهم سلبًا وتسبّبت في نشر وباء الطاعون خاصّةً وأنّ هناك مرحلةٌ في التاريخ كانت الحروب دائرةً بين حضارتي وادي النيل و بلاد الرافدين.

ADVERTISEMENT

عبادة القطط في التاريخ الهنديّ القديم

صورة من wikimedia

من العراق نكمل المسيرة شرقًا حتى نصل إلى الحضارة الهنديّة فنجد أنهم عبدوا قطّةً أسموها "دون"، والتي هي عبارةٌ عن نصف أسدٍ ونصف نمرٍ، تهاجم أعداء المعبود "دورغا" الذي يمتطيها ويحارب بعشرة أسلحةٍ في حين أن "دون" تفترس أعداءه بمخالبها وأنيابها الحادّة.

القطط في التاريخ الصينيّ

صورة من wikimedia

يوجد نصٌّ صينيُّ قديمٌ يقول: "إذا غسل القطّ وجهه، فإنّها ستمطر"، وكتب مؤلّف أسرة تانغ الصينيّة جوان شينغشي: "إذا رفع القطّ كفّه أعلى من أذنيه وغسل وجهه، فستأتي العملاء للشراء"، مما يدلّ على أنّها كانت إشارةً للحظّ الجيّد ورواج التجارة عند الصينيّين القدماء، وممّا يعزّز هذا الاستنتاج هو سماح الصينيين القدماء للقطط بالركوب في السفن التجاريّة وتواجدها بحرّيّةٍ بين صفوف الجنود في الجيش.

ADVERTISEMENT

القطط في التاريخ اليابانيّ

صورة من wikimedia

نترك الهند ونتّجه لليابان خلال فترة إيدو من الحضارة اليابانيّة في القرن الثامن عشر، ظهر تمثالٌ لقطٍّ شهيرٍ يستخدمه اليابانيّون حتى الآن لجلب الحظ، وهو تمثال القطّ "مانيكي-نيكو". يقال أنّه ظهر لأوّل مرّةٍ في طوكيو التي كانت تسمّى حينها " إيدو" ويقال أيضًا أنها ظهرت في "كيوتو"، لا توجد معلوماتٌ دقيقةٌ حول أصل "مانيكي-نيكو" في اليابان لكنّها تشبه كثيرًا تماثيل القطط التي تغسل وجهها والتي وجدت في الصين منذ فترة أسرة وي الشماليّة بين عامي 386م و  534 م، ومازالت تماثيل "مانيكي-نيكو" تكتسب شعبيّةً كبيرةً في اليابان حتّى الآن.

أعداء القطط في الماضي .. أصدقاء اليوم

صورة من wikimedia

مرّت أوروبا بفترة العصور الوسطى التي كانت أسوأ فترةٍ في تاريخ القطط من حيث التعذيب والقتل والحرق، كان الأوروبيّون في العصور الوسطى ينظرون إليها على أنّها أداةٌ من أدوات الشيطان وكانوا يربطون بينها وبين السحر وأعمال الشعوذة، ولعلّ أحد الأسباب التي أوصلت الكراهيّة لهذا الحدّ هو إرسال رسالةٍ من شخصٍ يُدعى " كونراد فون ماربرغ " إلى البابا غريغوري التاسع يحذّره فيها من مجموعة أشخاصٍ تقوم بأعمالٍ شيطانيّةٍ على حدّ وصفه، كانوا يستخدمون فيها تمثالًا لقطٍّ أسودٍ يتحرّك بصورةٍ شيطانيّةٍ نتيجة تعاويذ ويتحّول إلى نصف إنسانٍ من الأعلى ونصف قطٍّ من الأسفل ويتحاور مع هؤلاء الأشخاص، وترتّب على تلك الرسالة الغريبة صدور مرسوم "فوكس إن راما" الذي أصدره البابا "غريغوري التاسع" عام 1232م والذي أدان فيه القطط خصوصًا السوداء منها وربطها بأعمال السحر، مما تسبّب في حالةٍ من الكراهيّة الشديدة بين الأوروبّيّين والقطط ترتّب عليها حدوث أكبر مذبحةٍ للقطط في التاريخ، واستمرّت تلك المعاناة المريرة منذ القرن الحادي عشر وحتى القرن الخامس عشر الميلاديّ.

ADVERTISEMENT

انتقام القطط

صورة من wikimedia

ترتّب على عمليّات قتل ملايين القطط في أوروبا انتشارٌ واسعٌ ورهيبٌ للفئران، مما أدّى بدوره إلى انتشارٍ كبيرٍ للأوبئة في أوروبا وخصوصًا وباء الطاعون الأسود بشكلٍ لا يمكن السيطرة عليه، مما أدّى إلى موت أكثر من ثلث سكّان أوروبا، فكان ذلك بمثابة انتقامٍ لتلك القطط المسكينة.

أما في عصرنا الحاليّ فتتمتّع القطط بمحبّة الملايين من البشر وتعيش حياةً هادئةً مع أليفها بالمنزل، وبالرغم من ظاهرة قطط الشوارع التي قد تكون منتشرةً في أماكن كثيرةٍ حول العالم، إلّا أنّنا يمكننا القول أنّ كثيرًا من القطط اليوم تعيش حياة رفاهيّةٍ لا تتوفّر لبعض البشر.

إسلام المنشاوي

إسلام المنشاوي

ADVERTISEMENT