من أكثر الظواهر حيرةً في عالم الشركات الحديث هو ميل الشركات الكبرى إلى تسريح الموظفين المتميزين موضوعيًا في وظائفهم. هؤلاء هم الموظفون الذين يلتزمون بالمواعيد النهائية، ويقدمون عملًا عالي الجودة، وغالبًا ما يتجاوزون التوقعات، ومع ذلك يجدون أنفسهم فجأةً خارج نطاق أدوارهم. للوهلة الأولى، يبدو هذا غير منطقي، حيث تنفق الشركات موارد كبيرة على توظيف وتدريب واستبقاء المواهب. ومع ذلك، تكمن المفارقة في التفاعل المعقد بين ديناميكيات المؤسسات، وتغير الأولويات، وتطور تعريف "القيمة" داخل الشركات. قد يتفوق الموظفون الجيدون في مهامهم الحالية، ولكن إذا لم تتوافق مهاراتهم مع التوجه المستقبلي للشركة، فقد يُعتبرون قابلين للاستغناء عنهم. وفي الصناعات التي يقودها التغير التكنولوجي السريع، غالبًا ما تُعطي الشركات الأولوية للتكيف على الاتساق، والابتكار على الموثوقية، والتوافق الاستراتيجي على الأداء الفردي. وبالتالي، فإن مفارقة تسريح الموظفين الجيدين لا تتعلق بعدم الكفاءة بقدر ما تتعلق بالسعي الدؤوب لتحقيق التوافق بين قدرات الموظفين ورؤية الشركة. تكشف هذه المفارقة عن التوتر بين الإنتاجية قصيرة الأجل والتموضع الاستراتيجي طويل الأجل، حيث يمكن التضحية حتى بالتميز باسم التحول. كما تُبرز هشاشة العقد النفسي بين صاحب العمل والموظف، حيث لم يعد الولاء والأداء ضمانًا للأمان.
قراءة مقترحة
يُعد عدم التوافق الثقافي أحد أكثر الأسباب التي تُغفل لفصل الموظفين الجيدين. قد يكون الموظف متمكنًا من الناحية الفنية، لكنه لا يُجسد القيم أو السلوكيات أو ديناميكيات العلاقات الشخصية التي تُقدّرها الشركة. ففي الشركات عالية الأداء، غالبًا ما تُعتبر الثقافة بمثابة الرابط الذي يُبقي الفرق متماسكة، ويمكن اعتبار أي انحراف مُلاحظ تهديدًا للتماسك. على سبيل المثال، قد يُوصف الموظف الذي يُشكك في قرارات القيادة أو يُقاوم ممارسات مُعينة بأنه مُزعزع للاستقرار، حتى لو كان أداؤه ممتازًا. تلعب السياسات التنظيمية أيضًا دورًا مهمًا، حيث لا تستند الترقيات والتقدير والاحتفاظ بالموظفين دائمًا إلى الجدارة فحسب، بل إلى العلاقات والتأثير والإدراك. قد يجد العامل الجيد الذي يفتقر إلى الفطنة السياسية نفسه مهمّشًا، بينما يزدهر آخرون أقل كفاءة ولكن بشبكات علاقات أقوى. تُبرز هذه الديناميكية حقيقة أن كون المرء "جيدًا" من حيث الإنتاج لا يكفي دائمًا؛ فغالبًا ما تشترط الشركات التوافق مع القواعد غير المكتوبة والتسلسلات الهرمية الاجتماعية والمعايير الثقافية. وبهذا المعنى، يُصبح فصل العمال الجيدين وسيلةً لفرض الامتثال وحماية الهوية الجماعية للمؤسسة، حتى على حساب فقدان التميز الفردي. تكمن المفارقة هنا في أن الصفات ذاتها التي تجعل العامل قيّمًا - الاستقلالية والتفكير النقدي والصدق - يمكن أن تجعله أيضًا عرضة للخطر في البيئات التي تهيمن عليها السياسة والامتثال. يكشف هذا عن البعد الخفي للحياة المؤسسية، حيث يعتمد البقاء غالبًا على التعامل مع هياكل السلطة بقدر ما يعتمد على تحقيق النتائج.
يُعد الضغط الاقتصادي والاستراتيجية الذي تواجهه الشركات عاملاً رئيسياً آخر وراء هذه المفارقة. ففي أوقات إعادة الهيكلة أو الاندماج أو ركود السوق، غالباً ما تلجأ الشركات إلى تسريح العمال كوسيلة لخفض التكاليف أو إعادة توزيع الموارد. ونادراً ما تتعلق هذه القرارات بالأداء الفردي، بل بمتطلبات مالية أوسع نطاقاً. قد يقع العمال الأكفاء ضحايا لتقليص حجم الشركة لمجرد اعتبار أدوارهم غير أساسية للاستراتيجية الجديدة أو لأن رواتبهم أعلى من رواتب الموظفين الأقل خبرة. وبالمثل، عندما تتجه الشركات نحو تقنيات أو أسواق جديدة، قد يتم الاستغناء عن العمال الذين تتجذر مهاراتهم في الأنظمة القديمة، بغض النظر عن مساهماتهم السابقة. وهذا يعكس الواقع القاسي المتمثل في أن بقاء الشركات غالباً ما يتطلب تضحيات، وأن العمال الأكفاء قد يصبحون ضحايا جانبية في سعيهم نحو الكفاءة والابتكار. وتزداد هذه المفارقة حدةً لأن هؤلاء العمال غالباً ما يكونون هم أنفسهم من ساعدوا الشركة على النجاح في الماضي، ومع ذلك يتم التخلي عنهم عندما يتطلب المستقبل قدرات مختلفة. بهذه الطريقة، فإن تسريح الموظفين المتميزين ليس حكمًا على قيمتهم بقدر ما هو انعكاس لمنطق الرأسمالية القاسي، حيث تتفوق القدرة على التكيف والفعالية من حيث التكلفة على الولاء والأداء السابق. كما يوضح هذا التحول من تقدير الاستقرار إلى تقدير المرونة، حيث ترى الشركات نفسها كأنظمة بيئية يجب أن تتطور باستمرار، حتى لو كان ذلك يعني التخلص من مساهمين أقوياء لم يعودوا يناسبون القالب الجديد.
في حين أن الشركات قد تبرر تسريح الموظفين المتميزين لأسباب ثقافية أو استراتيجية أو اقتصادية، فإن التكلفة البشرية لهذه القرارات باهظة. بالنسبة للموظفين، يمكن أن يؤدي الفصل رغم الأداء القوي إلى مشاعر الخيانة والارتباك وتراجع الثقة في المؤسسات. إنه يتحدى افتراض أن العمل الجاد والكفاءة يضمنان الأمان، ويكشف عن هشاشة العمل الحديث. بالنسبة للمؤسسات، يمكن أن يؤدي فقدان الموظفين المتميزين إلى الإضرار بالروح المعنوية، وتآكل الثقة، وخلق ثقافة خوف حيث يشعر الموظفون بأنهم غير مرغوب فيهم. يمكن أن يؤدي هذا إلى تقويض الإنتاجية على المدى الطويل، حيث قد يصبح الموظفون أقل حماسًا للاستثمار في أدوارهم إذا اعتقدوا أن التميز لا يحميهم. تُثير هذه المفارقة أيضًا دروسًا مهمة لمستقبل العمل. يجب على الشركات أن تُدرك أنه على الرغم من أهمية التوافق الاستراتيجي، إلا أن الفصل العشوائي للعمال الأكفاء قد يُضر بسمعتها، ويُضعف مخزون مواهبها، ويُثبط الابتكار. ويتضمن النهج الأكثر توازنًا إعادة التدريب، وإعادة التوزيع، والتواصل الشفاف، بما يضمن فهم العمال للأساس المنطقي وراء القرارات ومنحهم فرصًا للتكيف. في نهاية المطاف، تعكس مفارقة فصل العمال الأكفاء التوتر بين براغماتية الشركات والقيم الإنسانية، مُذكرةً إياها بضرورة سعي المؤسسات إلى التوفيق بين الكفاءة والتعاطف. وبذلك، يُمكنها بناء بيئات عمل تُراعي الضرورات الاستراتيجية وكرامة موظفيها. الدرس واضح: لا ينبغي الاستهانة بالتميز، ويجب على مستقبل العمل إيجاد سبل للحفاظ على المواهب مع تبني التغيير.