الدشداشة، الزي التقليدي للرجال في اليمن: التاريخ والتقاليد والقيم الثقافية
ADVERTISEMENT
الدشداشة، المعروفة أيضًا في الثقافة العربية الأوسع باسم الثوب، هي من أشهر الملابس في اليمن وشبه الجزيرة العربية. يعود تاريخها إلى عصور ما قبل الإسلام، عندما كان الرجال يرتدون أثوابًا طويلة فضفاضة تناسب مناخ الصحراء، وتوفر الراحة والحماية من الشمس. ومع ظهور الإسلام، تطور هذا الأسلوب ليصبح زيًا محتشمًا وكريمًا،
ADVERTISEMENT
شجعه الرسول الكريم الذي كان يُفضل الملابس البسيطة التي تغطي الجسم وتسمح بسهولة الحركة. في اليمن، ارتبطت الدشداشة ارتباطًا وثيقًا بالهوية المحلية، عاكسةً الانتماءات القبلية والتميز الإقليمي والمكانة الاجتماعية. كان الثوب يُصنع تقليديًا من القطن أو الصوف، حسب المناخ وتوافر المواد، وكثيرًا ما كان الحرفيون يُضيفون تفاصيل منسوجة يدويًا تُبرز براعة تقاليد النسيج اليمنية. على مر القرون، تطورت الدشداشة، لكنها احتفظت بصفاتها الأساسية: التواضع، والعملية، والرمزية الثقافية. ولم تعد الدشداشة ثوبًا فحسب، بل أصبحت رمزًا للتراث اليمني، يُلبس في الحياة اليومية والطقوس الدينية والاحتفالات الاجتماعية. يُظهر استمرار الدشداشة تاريخيًا كيف يُمكن للملابس أن تُجسّد قيم المجتمع، وتربط الأجيال الماضية بالحاضر من خلال القماش والشكل. فيُظهر صمودها عبر قرون من التغيير كيف حُفظت الهوية الثقافية لليمن في طيات هذا الثوب، مما يجعله شهادة حية على صمود التقاليد في مواجهة الحداثة والتأثيرات الخارجية.
ADVERTISEMENT
صورة بواسطة B_S Media Production على pexels
التقاليد والاختلافات الإقليمية
تعد الدشداشة في اليمن أكثر من مجرد ثوب موحد؛ فهي تعكس تنوع التقاليد في جميع أنحاء البلاد. في المرتفعات الشمالية، غالبًا ما يرتدي الرجال أقمشة أثقل تناسب المناخات الباردة، بينما يُفضل في المناطق الساحلية الأقمشة القطنية الأخف وزنًا. عادةً ما يكون الثوب بطول الكاحل، بأكمام طويلة، ويمكن إقرانه بحزام أو وشاح يضفي عليه وظيفة وزخرفة. في بعض المناطق، يُميز التطريز على طول الياقة والأصفاد الهوية القبلية أو التراث العائلي، بينما في مناطق أخرى، تُبرز بساطة الثوب التواضع والتفاني الديني. غالبًا ما تُلبس الدشداشة مع إكسسوارات مثل الجنبية، الخنجر التقليدي المنحني الذي يحمله الرجال اليمنيون، والذي يُدس في الحزام ويرمز إلى الشرف والرجولة. وخلال حفلات الزفاف والمهرجانات، قد يرتدي الرجال نسخًا أكثر تفصيلاً من الدشداشة، أحيانًا باللون الأبيض أو الكريمي للدلالة على النقاء، بينما غالبًا ما تكون النسخ اليومية بألوان هادئة تعكس الحياة العملية. تُبرز هذه التقاليد أن الدشداشة ليست ثابتة بل تتكيف مع السياق والمناسبة والجغرافيا. إنها ثوب يوحد اليمنيين تحت رمز ثقافي مشترك مع السماح بالتعبير الإقليمي والفردي، مجسدًا الوحدة والتنوع داخل المجتمع اليمني. تُذكّرنا هذه التنوعات الإقليمية أيضًا بالفسيفساء الثقافية الغنية لليمن، حيث تُصبح الملابس لغةً للهوية والانتماء، وتروي كل غرزة قصة مجتمع وتراث وفخر. وهكذا، تُعدّ الدشداشة لباسًا عمليًا وأرشيفًا ثقافيًا، محفوظًا لخصوصيات التقاليد اليمنية عبر الأجيال.
ADVERTISEMENT
صورة بواسطة Aslam Jawaid على pexels
القيم الثقافية والرمزية
تحمل الدشداشة قيمًا ثقافية عميقة في اليمن، فهي تعبيرٌ واضحٌ عن الهوية والكرامة والاستمرارية. ففي جوهرها، تُجسّد الدشداشة الاحتشام، بما يتماشى مع المبادئ الإسلامية في ستر الجسد والتواضع. كما أنها ترمز إلى الاحترام، إذ يرتبط ارتداء الدشداشة بالنضج والمسؤولية، ويمثل مرحلة الانتقال من الشباب إلى الرشد. ويعزز ارتباط الدشداشة بالجنبية دورها في التعبير عن الشرف والرجولة، إذ يُمثل الجمع بين الرداء والخنجر صورةً ثقافيةً راسخةً في المجتمع اليمني. وإلى جانب الهوية الفردية، تعكس الدشداشة القيم المجتمعية، إذ يُؤكد انتشارها بين القبائل والمناطق على تراثٍ مشترك يتجاوز الانقسامات السياسية أو الاجتماعية. وتُرتدى الدشداشة في المساجد والأسواق والمنازل، مما يجعلها جسرًا يربط بين المقدسات والحياة اليومية. كما تُجسّد الدشداشة الصمود، إذ ظل تصميمها ثابتًا إلى حد كبير على الرغم من قرون من التأثيرات الخارجية، واللقاءات الاستعمارية، والتحديث. بالنسبة لليمنيين، لا يقتصر ارتداء الدشداشة على كونها لباسًا، بل هو تأكيدٌ على انتمائهم إلى سلالةٍ ثقافية تُقدّر التقاليد والشرف والتواضع. إنها ثوبٌ يُعبّر، بصمتٍ وإن كان بقوة، عن هويتهم وما يُقدّرونه. وهكذا، لا تُعدّ الدشداشة مجرد قماش، بل نصًّا ثقافيًا يحمل معاني الاستمرارية والفخر والقيم المشتركة عبر الأجيال. تمتد رمزيتها إلى ما وراء اليمن، لتتردد صداها في العالم العربي الأوسع كعلامةٍ على الأصالة والتجذر الثقافي. في أوقات الاضطرابات الاجتماعية، غالبًا ما تُصبح الدشداشة رمزًا للصمود والفخر الثقافي، تُذكّر اليمنيين بتقاليدهم الراسخة.
ADVERTISEMENT
صورة بواسطة Uğurcan Özmen على pexels
التأثيرات الحديثة ومستقبل الدشداشة
في اليمن المعاصر، لا تزال الدشداشة مزدهرة، على الرغم من تكيفها مع التأثيرات الحديثة والاتجاهات العالمية. قد تشهد المراكز الحضرية تنوعًا في الأقمشة، حيث تُوفّر المخاليط الصناعية أسعارًا معقولة ومتانة، بينما لا يزال القطن والصوف التقليديان يُفضّلان في المناطق الريفية. تُجرّب الأجيال الشابة أحيانًا ألوانًا وقصاتٍ جديدة، مازجةً التقاليد بالموضة الحديثة، إلا أن الشكل الأساسي للثوب يبقى على حاله. كما اكتسبت الدشداشة أهميةً متجددةً كرمزٍ للفخر الثقافي، لا سيما في أوقات الاضطرابات السياسية والاجتماعية، حين يُصبح تأكيد الهوية من خلال الملابس التقليدية شكلاً من أشكال الصمود. وعلى الصعيد الدولي، تربط الدشداشة اليمن بالعالم العربي والإسلامي الأوسع، حيث تُرتدى أثوابٌ متشابهة تحت مسمياتٍ مختلفة، مما يُعزز الشعور بالتراث المشترك عبر الحدود. في الوقت نفسه، يواصل الحرفيون اليمنيون الحفاظ على التنوعات المحلية، ضامنين بقاء الدشداشة يمنيةً بامتياز حتى في سياقها العالمي. بالنظر إلى المستقبل، يكمن مستقبل الدشداشة في قدرتها على الموازنة بين التقاليد والحداثة، لتكون بمثابة لباسٍ يوميٍّ ورمزٍ ثقافيٍّ في آنٍ واحد. وبينما يواجه اليمن تحديات العولمة والصراع، تبقى الدشداشة خيطًا من الاستمرارية، تُذكّر شعبها بتاريخهم وتقاليدهم وقيمهم. إنها ثوبٌ صمد لقرون، ومن المرجح أن يظل رمزًا للهوية اليمنية لأجيالٍ قادمة. فبفضل مرونتها، ستبقى الدشداشة، حتى مع تطور الموضة، تعبيرًا خالدًا عن الثقافة اليمنية، ثوبًا يجسد الماضي ويتكيف مع المستقبل. ويُظهر بقاء الدشداشة في العصر الحديث كيف يمكن للملابس أن تكون بمثابة مرساة ثقافية، تُرسّخ المجتمعات في تراثها، وتتيح لها التفاعل مع العالم الأوسع.
عبد الله المقدسي
ADVERTISEMENT
كيف تجعل النظارات الشمسية الكهرمانية منظر غروب الشاطئ أكثر دفئًا وأقل قسوة
ADVERTISEMENT
ما يبدو أكثر دفئًا وثراءً ليس تغيّرًا في الغروب نفسه على الإطلاق؛ بل إن نظارتك الشمسية تزيل جزءًا من الضوء الأبرد على نحو انتقائي، مما يجعل ما يتبقى يبدو أعمق وأقل حدّة.
ولهذا قد يبدو غروب الشمس على الشاطئ أجمل تقريبًا عبر العدسات الكهرمانية أو البنية. فجزء من هذا الوهج
ADVERTISEMENT
يعود إلى السماء. وجزء منه تستعيره من النظارات.
صورة من تصوير S O C I A L . C U T على Unsplash
الحيلة الصغيرة التي تؤديها عدساتك
إليك التفسير ببساطة. فالعدسة الملوّنة لا تخفّض دائمًا كل الألوان بالقدر نفسه. وتشير مراجعة استضافها NIH حول العدسات الملوّنة، ونُشرت في عام 2024، إلى أن هذه العدسات تغيّر نفاذية الضوء المرئي على نحو انتقائي. وبعبارة أبسط، فهي تعمل أقرب إلى المرشحات منها إلى مجرد زجاج مظلّل.
توقّف عند هذه النقطة لحظة. عندما تُنزِل النظارة، تبدو السماء خارجها أبرد لونًا. وعندما ترفعها من جديد، يبدو الشريط نفسه من الأفق أدفأ من خلال العدسات. هذا التباين الفوري هو الدليل. فلم يكن لدى الغروب وقت ليعيد تشكيل نفسه. ما غيّر مزيج الضوء الواصل إلى عينك هو العدسة.
ADVERTISEMENT
عند الغروب، يكون ضوء الشمس قد قطع بالفعل رحلة طويلة عبر الغلاف الجوي. وتتشتت الأطوال الموجية الأقصر، ولا سيما الأزرق، بسهولة أكبر. وهذا أحد أسباب ميل ألوان الغروب إلى الأحمر والبرتقالي أصلًا.
أضف الآن العدسات الكهرمانية أو البرونزية. وتشير إرشادات بصرية من مصادر معنية بالنظارات وقياس الألوان إلى أن هذه الدرجات اللونية تحجب قدرًا أكبر من الضوء الأزرق مقارنة بالعدسات الرمادية. وحين تزيل جزءًا أكبر من الطرف الأبرد في المشهد، تكفّ درجات الأحمر والبرتقالي والذهبي الدافئة عن منافسة هذا الجزء بالقدر نفسه. فيبدو المشهد كله ألين وأكثر دفئًا.
وهذه هي الحيلة الحقيقية: فدفء الغروب يعود جزئيًا إلى الغلاف الجوي، وجزئيًا إلى التعديل الذي تضيفه العدسة. فالعدسات البنية والكهرمانية غالبًا ما تكبح الأطوال الموجية الأبرد التي كانت ستوازن المشهد لولا ذلك، ولذلك تبدو الألوان المتبقية أغنى.
ADVERTISEMENT
هل سبق أن لاحظت أن غروبًا ما بدا أجمل عبر نظارتك الشمسية منه بعينيك المجرّدتين؟
لماذا تجعل بعض الأزواج السماء تنشد، بينما لا يغيّر بعضها الآخر إلا القليل
ليست كل النظارات تفعل هذا بالطريقة نفسها. فالعدسات الرمادية تُصمَّم عادةً لتُبقي الألوان أقرب إلى طبيعتها، لذا فهي تُعتّم المشهد من دون أن تدفعه نحو دفء أكبر. وإذا كانت نظارتك الشمسية رمادية محايدة، فقد يبدو الغروب أكثر هدوءًا لا أكثر توهّجًا بالدفء.
أما الاستقطاب فمسألة مختلفة أصلًا. فالعدسة المستقطبة صُممت لتخفيف الوهج المنعكس عن الأسطح المستوية العاكسة مثل الماء أو الرمل المبلل أو الطريق. وقد يجعل ذلك الغروب أسهل على النظر لأن اللمعان القاسي ينخفض، لكن الاستقطاب وحده لا يجعل الألوان أدفأ تلقائيًا.
وهنا يخلط الناس بين تأثيرين مختلفين. أحدهما هو التلوين، وهو ما يغيّر توازن الألوان. والآخر هو تقليل الوهج، وهو ما يخفف اللمعان الباهت الذي قد يحجب اللون. وبعض النظارات يجمع بين الاثنين، بينما يختصر دماغك النتيجة في حكم واحد: أفضل.
ADVERTISEMENT
ويمكن تلخيص الآلية ببساطة في نفس واحد. يمر ضوء الشمس عبر قدر أكبر من الهواء قرب الغروب، فيبعثر الغلاف الجوي مزيدًا من الأزرق، ثم تزيل العدسات الكهرمانية مزيدًا إضافيًا من الأزرق، فيبدو الضوء المتبقي أدفأ.
كيف تميّز بين دفء العدسة والتغيّرات الحقيقية في السماء
وثمة اعتراض وجيه، وهو أن ألوان الغروب تتغير فعلًا من دقيقة إلى أخرى. وهذا صحيح تمامًا. فقد تزداد الحمرة عمقًا، وقد تلتقط السحب ضوءًا جديدًا، وقد يتبدل الأفق كله وأنت واقف تراقبه.
لكن هناك اختبارًا سهلًا يمكنك القيام به بنفسك. انظر إلى الرقعة نفسها من السماء بالنظارة، ثم من دونها، ثم أعد ارتداءها مع إبقاء نظرك في الموضع نفسه. وبعد ذلك، وجّه بصرك قليلًا بعيدًا عن أشد وهج الشمس سطوعًا. فإذا ظهر الدفء فورًا داخل العدسات في كل مرة، فهذا هو تأثير التلوين. أما إذا كان التحسن الأساسي يتمثل في انخفاض الوميض على الماء أو الضباب الساطع، فذلك في الغالب تقليل للوهج.
ADVERTISEMENT
وبمجرد أن تجرّب هذا، يصبح رصد التأثير أسهل. فالعدسات الكهرمانية والبنية كثيرًا ما تجعل العالم يبدو كما لو أنه مغمور بدفء أواخر النهار. أما العدسات الرمادية فتميل إلى أن تبدو أصدق لونًا. والاستقطاب يزيل اللمعان أساسًا.
معرفة الحيلة لا تفسد سحرها
ما يعجبني في هذه الفيزياء الشاطئية أنها تضيف إلى المشهد طبقة ثانية بدلًا من أن تنتزع منه طبقة. فما تزال ترى غروبًا حقيقيًا، بكل ما صنعه الغلاف الجوي من الأحمر والبرتقالي. لكنك ترى أيضًا نظارتك وهي تضيف فوق ذلك لمسة صغيرة من تعديل الألوان.
في الغروب المقبل، قارن رقعة واحدة من السماء من خلال العدسة، وفوق الإطار، وعلى بُعد درجات قليلة من أشد الوهج سطوعًا، وستتمكن من تمييز ما إذا كان الدفء قد جاء من الأفق، أم من التلوين، أم من الاثنين معًا.
سابيلا موري
ADVERTISEMENT
روائع الفن الإسلامي في تلمسان
ADVERTISEMENT
تلمسان .. حاضرة التاريخ ولؤلؤة المغرب الكبير
تحكي الشوارع في مدينة "تلمسان" قصّة تاريخٍ مجيدٍ وفخر تليدٍ عاشتها تلك المدينة الأثرية المليئة بالأحداث والشخصيات التي تركت بصمةً لا تُمحى في تاريخ المغرب الأوسط والوطن العربيّ والإسلاميّ، إنها لؤلؤة المغرب الأمازيغيّ العربيّ وحاضرة التاريخ الإسلاميّ .. مدينة "تلمسان" التي عاصرت أزهى
ADVERTISEMENT
فترات المغرب الأوسط في عصر دولتي المرابطين والموحّدين على حدٍّ سواء، كما أنها كانت عاصمة الزناتيين والزيانيين أصحاب البصمة الواضحة في تاريخ الشمال الإفريقيّ، فقصّة تلمسان مازال يرويها الأجداد للأحفاد وكأنها غدت بالأمس القريب، فقد كانت "تلمسان" مركزًا للإشعاع الحضاريّ والثقافيّ وارتسمت ملامحها بمعالم الطراز الإسلاميّ الأندلسيّ الرفيع بلمسةٍ إبداعيّةٍ متجددةٍ تركت بصمتها على العمارة والبناء التي يراها العديد في قصور ومساجد ومنازل تلمسان لتنصب بوادر شخصيّة المدينة وتعقب تراثها العمرانيّ المتميز لتظهر بأبهى صورةٍ وتستحق عن جدارةٍ لقب.. لؤلؤة المغرب الكبير.
ADVERTISEMENT
تلمسان .. حاضرة التاريخ ولؤلؤة المغرب الكبير
تلمسان عاصمة المساجد العتيقة في الجزائر
تحكي الشوارع في مدينة "تلمسان" قصّة تاريخٍ مجيدٍ وفخر تليدٍ عاشتها تلك المدينة الأثرية المليئة بالأحداث والشخصيات التي تركت بصمةً لا تُمحى في تاريخ المغرب الأوسط والوطن العربيّ والإسلاميّ، إنها لؤلؤة المغرب الأمازيغيّ العربيّ وحاضرة التاريخ الإسلاميّ .. مدينة "تلمسان" التي عاصرت أزهى فترات المغرب الأوسط في عصر دولتي المرابطين والموحّدين على حدٍّ سواء، كما أنها كانت عاصمة الزناتيين والزيانيين أصحاب البصمة الواضحة في تاريخ الشمال الإفريقيّ، فقصّة تلمسان مازال يرويها الأجداد للأحفاد وكأنها غدت بالأمس القريب، فقد كانت "تلمسان" مركزًا للإشعاع الحضاريّ والثقافيّ وارتسمت ملامحها بمعالم الطراز الإسلاميّ الأندلسيّ الرفيع بلمسةٍ إبداعيّةٍ متجددةٍ تركت بصمتها على العمارة والبناء التي يراها العديد في قصور ومساجد ومنازل تلمسان لتنصب بوادر شخصيّة المدينة وتعقب تراثها العمرانيّ المتميز لتظهر بأبهى صورةٍ وتستحق عن جدارةٍ لقب.. لؤلؤة المغرب الكبير.
ADVERTISEMENT
أصل التسمية
رسمةٌ تصوّريّةٌ لمدينة تلمسان بالقرن الثامن عشر
كانت مدينة تلمسان تسمّى في الماضي باسم "بوماريا" أيام العهد الروماني، ثم سمّاها المسلمون ب"أغادير" أو "مدينة الجدار" في أول العهد الإسلامي بالمغرب الكبير، ثم سُمّيت "تلمسان" في القرن التاسع الميلاديّ. اختلف المؤرخون في سبب التسمية وأصلها إلى عدة آراءٍ نسرد لكم منها بعضها :
أول رأيٍ يقول انها أمازيغيّة الأصل تتكوّن من قطعتين، الأولى "تلم" بمعنى تجمّع والأخرى "سان" ومعناها اثنان، وذلك بسبب جمعها لمدينتين سبقتاها هما مدينة "تقرارت" التي أسسها "يوسف بن تاشفين ومدينة "أغادير" التي بناها أبو قرة اليفريني على أنقاض "بوماريا". أمّا الرأي الثاني فيقول أن أصلها أمازيغيٌّ أيضًا يتكوّن من "تالا" بمعنى المنبع و "يمسان" بمعنى الجاف ، ليصبح معنى تلمسان هو "المنبع الجاف". وهناك رأيٌ ثالثٌ يقول بأنها تحريف لصيغة الجمع "تلمسين" التي هي مفرد "تلماس" ومعناه ينبوع الماء فيكون اسم المدينة معناه " مدينة الينابيع".
ADVERTISEMENT
ماهية الفن المعماري الإسلامي
الصورة عبر HansJuergenW على pixabay
يطلق اسم الفن المعماري الإسلاميّ على كل ما تركه المسلمون من مبانٍ سواءً كانت تلك المباني مساجد أو قصورًا أو قلاعًا أو مدارس أو منازل، فهو كلّ ما تركه المسلمون من بناءٍ، وهومحصّلةٌ للتراث الإسلاميّ المعماريّ على مرّ العصور. بالرغم من تعدّد أنواع المعمار الإسلاميّ واختلافه من مكانٍ لآخر ومن زمنٍ لآخر، إلا أنه يظلّ انعكاسًا لهويّة من بناها وشيّدها من حيث أفكاره واعتقاداته وتركيبته النفسيّة وحالته الاجتماعيّة ليكوّن صورةً متفرّدةً وحالةً خاصّةً بكلّ زمانٍ ومكانٍ.
أهم معالم مدينة تلمسان الأثرية الإسلامية
مئذنة المنصورة الشهيرة بتصميمها المربع الشبيه بمئذنة المسجد الأموي بدمشق
مرّت مدينة تلمسان بالعديد من المراحل التاريخية الإسلامية منذ فتحها في العهد الإسلامي الأول على يد عقبة بن نافع عام 671م وحتى العصر الحالي، ولعل أحد أكبر شواهد ثراء تلك المدينة بالفن والمعمار الإسلامي هو اختيار مدينة تلمسان لتكون عاصمة الثقافة الإسلامية عام 2011م، حيث ترك كل عصر من عصورها الإسلامية تراثًا معماريًّا لعلّ من أهمّ معالمه ما يلي:
ADVERTISEMENT
قصر المشور
الساحة الداخلية لقصر المشور بمدينة تلمسان
لا يمكن زيارة مدينة تلمسان دون المرور على قصر المشور الذي يقع في وسط المدينة، فهو أحد معالم مدينة تلمسان التراثية الذي يشهد على روعة وجمال الفن المعماري الإسلامي في ذلك الزمن، تمّ بناء ذلك القصر على يد "يغمر اسن بن زيان" في القرن الرابع عشر الميلادي، وقيل أن من بناه أولًا كان "يوسف بن تاشفين" في القرن الحادي عشر الميلادي وقت حصاره لمدينة أغادير، قد يكون هناك خلافٌ على من بناه أولًا لكن لا خلاف على روعة ذلك القصر بضخامته ومنازله البهيّة وحدائقه الغنّاء.
ترجع كلمة المشور إلى اسم المكان الذي كان يقيم فيه أمير المسلمين ويعقد اجتماعاته ويناقش فيه أمور الدولة، كما تشير بعض المراجع التاريخية إلى استخدام الأمير "عبدالقادر الجزائري" إلى ذلك القصر وإقامته فيه مدة أربع سنواتٍ وقت توقيع معاهدة " تفنة" بين الجزائريين والاحتلال الفرنسي، ثم غادره حينما نقض الفرنسيون العهد، وتحوّل القصر إلى ثكنةٍ عسكريةٍ وقت الاحتلال.
ADVERTISEMENT
مسجد المنصورة
الصورة عبر GregMontani على pixabay
في عام 1299م ، أسس السلطان "أبو يعقوب يوسف" أحد سلاطين المرينيين معسكرًا من أجل حصار مدينة تلمسان، فبنى مسجدًا وبجواره قصرٌ وألحق بهما مساكن مخصصةً للجنود، فأصبحت مدينة مهمةً ومركزية حتى هجرها أهلها بعد اغتيال السلطان "أبو يعقوب"، لكن جاء من بعده السلطان "أبو الحسن" وأعاد حصار تلمسان حتى استسلمت وأصبحت المنصورة ومسجدها علامة في تاريخ الدولة المرينية ومركزًا للسلطة.
يتكوّن المسجد من 13 مدخلًا وتحيطه الأسوار من كل جانبٍ، ومن أشهر معالمها تلك المئذنة المربّعة التي تمتلئ بالزخارف الإسلامية، وتوجد المئذنة بالجزء الممتد من السور الشمالي، وتم تصميمها لتكون شبيهة بمئذنة المسجد الأموي بدمشق والتي استوحت تصميمها من الأبراج الرومانية لمعبد زحل. وتعتبر مئذنة المنصورة من أعلى مآذن الجزائر.
ADVERTISEMENT
الجامع الكبير بتلمسان
قبة محراب الجامع الكبير بتلمسان من أجمل القطع المعمارية بالمدينة
هو أحد المساجد التاريخية الثلاثة التي شيّدها المرابطون بالجزائر، ويأخذ جامع تلمسان الكبير الطراز المعماريّ الذي تميّز به عصر المرابطين والذي يشبه في مجمله الطراز الأندلسيّ. تم بناء هذا المسجد في عهد "يوسف بن تاشفين" عام 1082م، ثم أعاد تجديده وتوسعته ابنه "علي بن يوسف". احتوى الجامع على بعض القباب التي تشبه قباب جوامع قرطبة والقيروان وجامع الأزهر بالقاهرة، وأهمّ ما في الجامع من قطعٍ معماريّةٍ هي "قبة المحراب" ذات العروق التي تتكون من 16 ضلعًا بداخل هيكلٍ مربّع في أربع زوايا جمعت بين الفن المعماري في عصر المرابطين مع عناصر الزخرفة الفارسية، يقال أنها جُلبت من الشرق وأُدخلت إلى بلاد المغرب في أيام المرابطين وقيل أنها نقلت بواسطة "بني حماد" حيث كانت لهم علاقة وثيقة بالدولة الفاطمية.