لماذا جامعة دمشق هي الجامعة الوحيدة في العالم العربي التي تدرّس الطب باللغة العربية؟

ADVERTISEMENT

في قاعات المحاضرات بكلية الطب بجامعة دمشق، يردد الطلاب المصطلحات التشريحية، ويشخصون الأمراض، ويناقشون خطط العلاج — كل ذلك باللغة العربية. في عصر تهيمن فيه اللغة الإنجليزية على التعليم الطبي في العالم العربي، من الرباط إلى مسقط، تقف دمشق بمفردها. فجامعتها لا تزال الجامعة الكبرى الوحيدة في العالم العربي التي يُدرَّس فيها الطب بالكامل باللغة العربية — سواء في الكتب الدراسية، أو المحاضرات، أو الامتحانات.

هذا الاختيار ليس من بقايا مقاومة العولمة، ولا مجرد غرابة في التقاليد. إنه بيان حي عن اللغة والهوية والاستقلال الفكري — بيان يروي قصة أعمق عن علاقة العالم العربي بالعلوم والتاريخ الاستعماري وسياسات التعليم.

تقليد ولد من الطموح:

تعود جذور التدريس الطبي باللغة العربية في دمشق إلى أواخر القرن التاسع عشر، عندما أسس العثمانيون كلية طب في دمشق عام 1903، وكان التدريس في البداية باللغة التركية. بعد سقوط الإمبراطورية وتأسيس الدولة السورية الحديثة، أصبحت جامعة دمشق (التي كانت تسمى في الأصل الجامعة السورية) مشروعًا وطنيًا — رمزًا للسيادة والتحديث.

ADVERTISEMENT

قراءة مقترحة

في عام 1919، اتخذت السلطات السورية المستقلة حديثًا قرارًا جذريًا: تدريس الطب باللغة العربية. وفي وقت كانت فيه الدول المجاورة مثل مصر ولبنان تستخدم الفرنسية أو الإنجليزية — إرثًا من التأثير الاستعماري — سعت سوريا إلى استعادة التعليم العلمي بلغتها الأم. أصبحت ترجمة مجموعة المعرفة الطبية الحديثة إلى اللغة العربية عملًا من أعمال الفخر الثقافي والتحدي السياسي.

الصورة بواسطة Kevorkmail~commonswiki على wikimedia

شهد من داخل الجامعة

بحلول عام 1923، كانت كلية الطب في جامعة دمشق قد نشرت نسخًا عربية من الكتب الدراسية الطبية الأساسية في علم التشريح وعلم وظائف الأعضاء وعلم الأمراض. وقام العلماء والأطباء السوريون، وكثير منهم كانوا يتقنون اللغة الفرنسية أو الإنجليزية، بصياغة مصطلحات عربية للمفاهيم الطبية الحديثة — وأحيانًا بتكييف المفردات الكلاسيكية من العصر الذهبي الإسلامي.

ADVERTISEMENT

كان مشروع الترجمة هذا عملاً ضخماً. بين عامي 1919 و1950، أصدر أساتذة الجامعة والجمعية العلمية السورية مئات النصوص المرجعية والمعاجم والقواميس. جعل عملهم اللغة العربية ليست مجرد وسيلة للشعر والدين، بل لغة علمية حديثة ودقيقة مرة أخرى.

إرث حضارة سابقة:

لم يأتِ هذا القرار من فراغ. فقد استلهم من العصر الذهبي للطب العربي، عندما كتب علماء مثل ابن سينا والرازي والزهراوي أعمالاً موسوعية حددت ملامح الطب العالمي لقرون.

كانت نصوصهم — القانون في الطب، وكتاب الحاوي، وكتاب التصريف، على التسلسل — مكتوبة باللغة العربية، وتُرجمت إلى اللاتينية، واستُخدمت في الجامعات الأوروبية حتى القرن السابع عشر. كانت اللغة العربية في يوم من الأيام لغة مشتركة في العلوم الطبية، تمامًا كما هي اللغة الإنجليزية اليوم.

لذلك، عندما اختارت جامعة دمشق اللغة العربية لتدريس الطب، لم يكن ذلك عملاً انعزاليًا بل إحياءً — استعادة لتقليد طويل الأمد كانت فيه اللغة العربية معبرة ودقيقة بما يكفي للتفكير العلمي.

ADVERTISEMENT
الصورة في المجال العام على rawpixel

النطاسي العربي ابن زهر

الاستقلال اللغوي في عالم معولم:

مع تقدم القرن العشرين، اعتمدت جامعات عربية أخرى — خاصة في مصر ولبنان والخليج — اللغة الإنجليزية أو الفرنسية كلغة رئيسية لتدريس الطب. أدت العولمة، إلى جانب هيمنة البحوث والمصطلحات الطبية الغربية، إلى جعل اللغة الإنجليزية هي اللغة الافتراضية.

ومع ذلك، حافظت جامعة دمشق على مسارها. واستندت مبرراتها إلى ثلاث حجج رئيسية:

1- إمكانية الوصول والمساواة:

يتلقى خريجو المدارس الثانوية السورية تعليمهم باللغة العربية. ويضمن تدريس الطب بلغتهم الأم عدم استبعاد الطلاب الموهوبين بسبب الحواجز اللغوية.

2- الدقة في الفهم:

يرى المؤيدون أن تعلّم المفاهيم الطبية المعقدة باللغة الأم يعمّق الفهم ويقلّل من خطر سوء التفسير.

3- الاستمرارية الثقافية:

ADVERTISEMENT

إن اللغة ليست مجرد أداة للتعليم، بل هي وعاء للثقافة والتعاطف. تدريب الأطباء باللغة العربية يساعدهم على التواصل بفعالية مع المرضى، الذين لا يعرف الكثير منهم اللغات الأجنبية.

تحديات الترجمة والتحديث:

بالطبع، لم يكن الحفاظ على اللغة العربية كلغة للتعليم الطبي خالياً من التحديات. تتطلب ترجمة الاكتشافات والأدوية والتقنيات الجديدة إلى اللغة العربية جهداً متواصلاً. تتطور المصطلحات الطبية بسرعة، ويجب على الأكاديميين السوريين مواصلة تحديث المعاجم وتكييف المصطلحات الجديدة.

ومع ذلك، تواصل كلية الطب نشر ومراجعة الكتب الطبية العربية. ويعمل مجمع اللغة العربية الذي تأسس عام 1919 (وهو أقدم مجمع للغة العربية، وواحد من أقدم الأكاديميات اللغوية في العالم)، بشكل وثيق مع الجامعة لتوحيد المصطلحات الجديدة. وتضم لجانه أطباء ولغويين ومترجمين يضمنون الاتساق والدقة.

ADVERTISEMENT

ويعكس هذا التعاون قناعة عميقة بأن اللغة ليست عائقاً أمام العلم، بل يمكن أن تكون جسراً له، شريطة وجود إرادة مؤسسية وصرامة علمية.

التعليم أثناء الأزمة:

في العقود الأخيرة، دمر الصراع السوري البنية التحتية واضطر الكثير من الأكاديميين والطلاب للمغادرة. ومع ذلك، حتى في خضم الأزمة، واصلت جامعة دمشق التدريس باللغة العربية، معتبرة إياها مصدرًا للاستقرار والهوية. بل وأصبح الحفاظ على المناهج الطبية العربية عملاً من أعمال الصمود. قام الأساتذة برقمنة المواد، وتنظيم فرق ترجمة تطوعية، واستخدام الموارد عبر الإنترنت لمواصلة الدورات الدراسية على الرغم من النقص.

الصورة بواسطة Creatas Images على freeimages

فرحة التخرّج من الجامعة

التكامل العالمي دون اندماج:

على الرغم من تدريسها باللغة العربية، لا تعزل جامعة دمشق نفسها عن المجتمع الطبي العالمي. يدرس الطلاب اللغة الإنجليزية كلغة ثانية منذ السنة الأولى، ويُطلب منهم قراءة المجلات الدولية. يواصل العديد من الخريجين تدريبهم بعد التخرج في الخارج، وهم يحظون بالاحترام بفضل أسسهم النظرية القوية.

ADVERTISEMENT

وهكذا، يُثبت نموذج دمشق أن تعليم اللغة المحلية لا يستبعد المشاركة العالمية. ويُظهر أن إتقان اللغة الأم يمكن أن يتعايش مع الكفاءة متعددة اللغات — وأن الثقة الفكرية تبدأ في المنزل.

السؤال الأوسع للعالم العربي:

لماذا لم تحذُ الجامعات العربية الأخرى حذو دمشق؟

تكمن الإجابة في التفاعل المعقد بين الإرث الاستعماري والواقعية الاقتصادية والشبكات الأكاديمية.

ورث العديد من الدول العربية أنظمة التعليم الفرنسية أو البريطانية ووجدت أنه من الأسهل الحفاظ على اللغات الأجنبية في المجالات العلمية. فالنشر باللغة العربية يوفر رؤية دولية محدودة، وترجمة كميات هائلة من الأبحاث الجديدة مكلفة. علاوة على ذلك، يستفيد خريجو الطب الذين يسعون إلى العمل في الخارج من إتقان اللغة الإنجليزية.

ومع ذلك، تظل حالة دمشق تذكيرًا بأن سياسة اللغة ليست محايدة أبدًا. فهي تشكل من يمكنه التعلم، ومن ينتمي، وكيف تحدد الدول مكانها في العالم.

ADVERTISEMENT

الخاتمة - تجربة حية:

اليوم، في ظل ضغوط العولمة على الجامعات لتوحيد اللغة الإنجليزية، تقف جامعة دمشق كاستثناء هادئ — شهادة على تقرير المصير اللغوي. يعالج أطباؤها المرضى بنفس اللغة التي تعلموا بها فن الشفاء. إن اختيار جامعة دمشق هو أكثر من مجرد اختيار تربوي — إنه اختيار فلسفي يؤكد أن العلم ليس ملكاً لأي لغة واحدة، وأن المعرفة، مثلها مثل الطب نفسه، تزدهر عندما تخاطب الناس بالكلمات التي يفهمونها.