هل نحن مستعدون للجيل الجديد من السيارات المتصلة؟ تحديات الخصوصية في العالم العربي
ADVERTISEMENT

شهد عالم السيارات في السنوات الأخيرة قفزة نوعية مع دخول مفهوم "السيارات المتصلة" إلى المشهد. لم تعد السيارة مجرد آلة ميكانيكية تنقلك من نقطة "أ" إلى نقطة "ب"، بل أصبحت كيانًا ذكيًا متصلًا بشبكة الإنترنت، يتفاعل مع السائق، ويجمع البيانات، ويُحدّث برامجه تلقائيًا، بل ويقترح حلولًا مرورية ومواعيد صيانة. هذا

ADVERTISEMENT

التطور المثير يحمل في طياته وعودًا كبيرة، لكنه يضعنا في الوقت ذاته أمام أسئلة ملحة، أبرزها: هل نحن في العالم العربي مستعدون حقًا لاستقبال هذا الجيل الجديد من السيارات؟ وهل خصوصيتنا الرقمية ستكون في مأمن وسط هذا الكم الهائل من البيانات الشخصية المتداولة؟


الصورة بواسطة Rawpixel على envato


ما هي السيارات المتصلة؟ نظرة تقنية مبسطة

السيارات المتصلة هي مركبات مزودة بأنظمة إلكترونية تسمح لها بالاتصال بالإنترنت، سواء من خلال شريحة اتصال خاصة أو عبر الهاتف الذكي للسائق. هذه المركبات تستخدم تقنيات مثل:

ADVERTISEMENT
  • GPS لتحديد المواقع والملاحة.
  • الواي فاي والبلوتوث لربط السيارة بالأجهزة الأخرى.
  • أنظمة القيادة الذكية التي تتواصل مع إشارات المرور والسيارات الأخرى.
  • برمجيات تتبع الأداء والسلوك مثل السرعة، الكبح، والتسارع.
  • خدمات السحابة لتخزين وتحليل البيانات.

كل هذه الأنظمة تعتمد على تدفق مستمر للبيانات بين السيارة والسحابة الرقمية، وهو ما يجعل موضوع الخصوصية الرقمية أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى.

السيارات الذكية والخصوصية الرقمية: العلاقة المعقدة

مع تزايد قدرات السيارات الذكية، أصبحت هذه المركبات تُجمع بيانات تتجاوز مجرد الأداء الميكانيكي. فهي تعرف مكانك، سرعتك، وجهتك، توقيت خروجك من المنزل، محطات التوقف، بل وحتى نمط قيادتك ومكالماتك الهاتفية في بعض الأحيان.

في العالم العربي، حيث لا تزال الثقافة العامة حول الخصوصية الرقمية في طور التشكل، يطرح هذا الوضع تحديًا مزدوجًا:

ADVERTISEMENT
  • نقص الوعي العام: كثير من المستخدمين لا يدركون كمية البيانات التي تُجمع عنهم.
  • تتفاوت الأطر القانونية في الدول العربية لحماية البيانات الشخصية، ولا تزال كثير منها بحاجة إلى مزيد من الوضوح والتحديث، خصوصًا في ما يتعلق بتقنيات حديثة مثل السيارات المتصلة.


الصورة بواسطة Rawpixel على envato


البيانات الشخصية داخل السيارة: ما الذي يتم جمعه؟

قد يُدهشك أن تعلم أن سيارتك الذكية قد تعرف عنك أكثر مما تتخيل. تشمل البيانات التي تُجمع عادة:

  • موقعك الجغرافي في الزمن الحقيقي.
  • أنماط القيادة وسلوك السائق.
  • بيانات الهاتف المتصل بالسيارة (الأسماء، الرسائل، المكالمات).
  • سجل الرحلات السابقة.
  • معلومات عن الركاب في بعض الحالات.
  • تفضيلات المستخدم (درجة حرارة، الموسيقى، إعدادات المقعد).

هذه البيانات تُستخدم لتحسين تجربة القيادة، لكنها تُخزن غالبًا على خوادم الشركات المصنعة أو مزودي الخدمات، ما يفتح الباب لتساؤلات حول من يملك هذه البيانات؟ ومن له الحق في الاطلاع عليها أو بيعها أو استخدامها؟

ADVERTISEMENT

التحديات الفريدة في العالم العربي

رغم تبني بعض الدول العربية لمشاريع "المدن الذكية" والبنية التحتية الرقمية، لا يزال التحدي الأكبر في مجال السيارات المتصلة يكمن في:

1. البنية التحتية غير المتجانسة

بعض الدول الخليجية مثل الإمارات والسعودية قطعت أشواطًا في توفير شبكة اتصال مستقرة وسريعة على الطرق، لكن العديد من الدول الأخرى لا تزال تعاني من ضعف تغطية الإنترنت خارج المدن، مما يحد من وظائف السيارات الذكية.

2. الثقافة الرقمية الناشئة

العديد من السائقين العرب لا يزالون يفضلون السيارات التقليدية ولا يثقون تمامًا بالتكنولوجيا. هذا الحذر له ما يبرره، خاصة في ظل الغموض الذي يحيط بكيفية التعامل مع البيانات.

3. غياب القوانين الموحدة

لا توجد حتى الآن منظومة تشريعية متكاملة في معظم الدول العربية لحماية البيانات الشخصية في قطاع السيارات. هذا الفراغ القانوني يعرّض المستهلكين لخطر التتبع، التسريب، أو حتى الابتزاز.

ADVERTISEMENT


الصورة بواسطة DC_Studio على envato


كيف يمكننا الاستعداد لهذا التحول؟

الانتقال إلى السيارات المتصلة أمر لا مفر منه، لكنه يجب أن يكون انتقالًا مدروسًا. فيما يلي بعض الخطوات التي يمكن أن تساعد في تعزيز الاستعداد:

1. التوعية المجتمعية

من الضروري أن يعرف السائق العربي ماذا يعني استخدام سيارة ذكية، وما نوع البيانات التي يتم جمعها، وكيف يمكنه حماية نفسه من التعدي على خصوصيته.

2. تبني تشريعات واضحة وصارمة

ينبغي للدول العربية أن تسن قوانين ملزمة تحكم استخدام البيانات في قطاع السيارات، مستلهمة من نماذج مثل اللائحة العامة لحماية البيانات(GDPR) الأوروبية، مع تكييفها مع الواقع المحلي.

3. دور الإعلام التخصصي

الصحافة التقنية والمواقع المتخصصة مطالبة بلعب دور تثقيفي فعال، يشرح التقنية بلغة مبسطة ويوجه الجمهور نحو الاستخدام الآمن للسيارات الذكية.

ADVERTISEMENT

4. تعزيز الشفافية من قبل المصنعين

يجب إلزام الشركات المصنعة بعرض سياسات الخصوصية بشكل واضح داخل واجهة السيارة الرقمية، وتمكين المستخدم من التحكم في ما يُجمع من بيانات.

بين الفوائد والمخاوف: توازن مطلوب

لا يمكن تجاهل الفوائد الهائلة التي تقدمها السيارات المتصلة: الراحة، الأمان، الكفاءة في استهلاك الوقود، تجنب الحوادث، وحتى القدرة على التشخيص الذاتي للأعطال. لكنها فوائد لا يجب أن تأتي على حساب الخصوصية الرقمية.

التكنولوجيا في السيارات، خاصة مع الاتصال بالإنترنت، تُغيّر قواعد اللعبة. لكن كما هو الحال مع كل اختراع جديد، فإن التحدي الحقيقي يكمن في القدرة على تطويع التقنية لخدمة الإنسان، لا العكس.

المستقبل: نحو سيارة تحترم الخصوصية

في نهاية المطاف، السؤال ليس إن كانت السيارات الذكية ستنتشر في العالم العربي، بل متى وكيف؟ والأهم: ما الضمانات التي ستُقدم للمستخدمين بأن خصوصيتهم ستكون محمية؟

ADVERTISEMENT

مستقبل السيارات المتصلة يجب أن يُبنى على أسس واضحة: شفافية، وعي، وقوانين تحمي المستخدم أولًا. فقط حينها يمكن أن نقول إننا فعلاً مستعدون لاستقبال هذا الجيل الجديد من المركبات دون التضحية بحقوقنا الأساسية.

السيارات المتصلة تمثل ذروة التقاء التكنولوجيا بالنقل، وهي قادمة بقوة إلى منطقتنا. ومع ما تحمله من إمكانيات هائلة، فهي أيضًا تنذر بواقع جديد نحتاج لفهمه جيدًا. وفي ظل هذا الواقع، فإن الخصوصية الرقمية لم تعد مجرد خيار، بل ضرورة لحماية الفرد في عالم تحكمه الخوارزميات والبيانات.

السؤال الآن ليس: هل نحن مستعدون تقنيًا؟ بل: هل نحن مستعدون ثقافيًا وتشريعيًا للعيش في عصر تعرف فيه سيارتك عنك أكثر مما تعرفه أنت عن نفسك؟

ياسر السايح

ياسر السايح

ADVERTISEMENT
الحيلة التصميمية الكامنة في السلالم الصناعية ذات الدرجات المفتوحة
ADVERTISEMENT

ما يبدو في المدينة أخفّ وزنًا في كثير من الأحيان ليس أقلّ تفكيرًا في تصميمه؛ فالسلالم ذات الدرجات المفتوحة لا تزال مطالبة بتحمّل الأحمال نفسها، لكن إزالة الوجوه العمودية بين الدرجات تجعلها تبدو أنظف وأقلّ ضخامة. وينشأ هذا الأثر من عدة خيارات ظاهرة: فراغات تسمح للعين بالنفاذ، وظلال تُجزّئ الكتلة،

ADVERTISEMENT

ودرابزين واحد ساطع يُبقي المشهد كله متماسكًا بصريًا.

وهذه هي الحيلة الكامنة في كثير من السلالم الصناعية الخارجية. ففي النظرة الأولى قد تبدو مجرد عنصر نفعي عادي. لكن إذا أمعنت النظر قليلًا، بدت أقرب إلى منفعة مهذّبة: أسطح أقلّ تصطدم بها العين، ومستويات عريضة أقلّ، وخطّ خارجي أوضح على خلفية المبنى.

تصوير Pavel Boltov على Unsplash

لماذا تجعل الأسطح المفقودة السلم يبدو أصغر

الحركة الأساسية هنا هي غياب القائمة. والقائمة هي الوجه العمودي بين درجة وأخرى. إذا أغلقت هذا الوجه، صار كلّ درج أشبه بجدار صغير. أما إذا تُرك مفتوحًا، فإن العين تواصل عبورها خلال السلم بدل أن تتوقف مرارًا وتكرارًا.

ADVERTISEMENT

وهنا تكمن لحظة الفهم. فالهندسة لا تصبح أسهل على نحو سحري لمجرد أن السلم يبدو مقتصدًا في عناصره. فما زال الفولاذ مطالبًا بتحمّل الناس والطقس والاستعمال المتكرر. لكن الإحساس بالضخامة يتراجع لأن جزءًا من الكتلة المرئية قد اختفى.

ويمكنك أن تلمس هذا الأثر في نبضات سريعة: فراغ أكبر. خطّ نظر أطول. ظلّ أقلّ انحباسًا تحت كل درجة. تحديد أشدّ حدة للحواف. فالسلم لا يزال يشغل حيزًا، لكنه بصريًا يحجب منه أقل.

ويعتمد المعماريون والمصنّعون على هذا طوال الوقت. فالثقل البصري، بلغة البناء، ليس هو الثقل الإنشائي. الأول يتعلق بالحمل الفعلي، والثاني يتعلق بمدى ثقل الشيء في نظر العين حين تواجهه في حيّز خارجي ضيق.

لماذا تطمئن عينك إلى بعض السلالم أسرع من غيرها

توقف لحظة واسأل نفسك: هل بدا لك السلم أولًا أخفّ، أو أنظف، أو أقلّ موثوقية قليلًا؟

ADVERTISEMENT

هذه الاستجابة مهمة لأنها تكشف كيف تشكّل الكتلة البصرية أحكامنا. فعندما يكون للسلم قوائم مغلقة وجوانب صلبة، فإنه غالبًا ما يبدو أكثر رسوخًا منذ اللحظة الأولى. أما حين ينفتح، فثمة من يقرأه بوصفه اقتصادًا أنيقًا، وثمة من يقرأه بوصفه انكشافًا.

ولا شيء من هاتين الاستجابتين ساذج. فعينك تُجري مسحًا سريعًا للسلامة. وهي تستخدم الحجب والعمق والاحتواء بوصفها دلائل. والسلالم ذات الدرجات المفتوحة تربك هذه الإشارات القديمة لأنها تُبقي الهواء والخلفية ظاهرين من خلال البنية.

وتدعم الأبحاث جانبًا من هذه الفجوة الإدراكية. فقد ناقشت ورقة بحثية نُشرت عام 2015 للباحث المعماري أنتوني رادفورد وزملائه في مجلة The Journal of Architecture كيف تغيّر الشفافية والنفاذية في العناصر المبنية إدراك الناس للاحتواء والراحة، حتى عندما تكون البنية نفسها سليمة. وليس المقصود هنا أن نوعًا من السلالم أفضل في كل الحالات. بل إن المقصود هو أن المرئية تغيّر الحكم قبل أن تطأ قدماك المعدن أصلًا.

ADVERTISEMENT

العمل الخفي الذي تؤديه الفراغات والظلال ودرابزين برتقالي واحد

بمجرد أن تختفي القوائم، تتولى خطوط النظر الجزء التالي من العمل. فبدل أن تصطدم العين بتراصّ متكرر من الوجوه الصلبة، يمكنها أن تمرّ تحت الدرجات وتتجاوز السلم. وفي حيّز خارجي ضيق، يكون لذلك أثر مهم. فالسلم يكفّ عن الظهور ككتلة ملتصقة بالجدار، ويبدأ في الظهور كإطار منصوب أمامه.

وتساعد الظلال أيضًا. فالسلم المغلق يُلقي مساحات داكنة أكبر وأكثر تواصلًا لأن كل درجة تلتقي بوجه عمودي كامل. أما السلالم المفتوحة فتُجزّئ هذه العتمة إلى شرائط أرفع. وكلما قلّ الظل المتصل، خفّ الإحساس بالثقل عادة.

ثم هناك الدرابزين. فالمنحنى البرتقالي ليس زينة أُلصقت فوق البنية. بل يعمل كنقطة ضبط: خط واحد قوي وواضح يخبر العين من أين تدخل إلى التكوين وكيف تتبعه صعودًا. ويمكن للون الساطع أن يؤدي هذا الدور بكفاءة خاصة، لأنه يفصل المسار عن بقية الأعمال المعدنية من دون أن يضيف مزيدًا من الكتلة المادية.

ADVERTISEMENT

وتستخدم تصاميم النقل والسلامة الألوان العالية الوضوح لأسباب قريبة من ذلك. فالمعايير الصادرة عن جهات مثل ANSI وOSHA تستخدم البرتقالي التحذيري لتمييز المخاطر والأجزاء المتحركة لأن هذا اللون يجذب الانتباه بسرعة. وفي سلم كهذا، تمنح هذه القوة البصرية التكوينَ مرساةً. فالدرابزين يقول: انظر هنا، هذا هو المسار، وهذه هي الحافة.

النظافة لا تعني الكمال، وذلك جزء من سبب نجاح هذا التصميم

تمهّل هنا. فالسلم يبدو نظيفًا بسبب هندسته، لا لأنه بلا أثر استعمال. الدرجات تحمل علامات الاهتراء. والصدأ يغلّظ الملمس. أما الطلاء فقد تخلّى منذ زمن عن أي ادعاء بالأناقة المعروضة في صالات العرض.

وهذا التباين مهم. فالشكل منضبط، يكاد يكون صارمًا. أما المادة فتنقل حكاية أطول عن الطقس والاحتكاك والاستعمال. وعندما يجتمع الأمران، يتجنب السلم واحدًا من الإخفاقات الشائعة في التصميم الصناعي البسيط: أن يبدو أملس أكثر مما ينبغي بحيث يصعب الوثوق به.

ADVERTISEMENT

وهنا أيضًا يحضر الرأي المقابل. فالخفة البصرية لا تعني راحة عامة للجميع. فبعض المستخدمين يختبرون السلالم ذات الدرجات المفتوحة بوصفها أكثر انكشافًا أو أقلّ أمانًا، ولا سيما في البيئات الرطبة، أو في المسارات الشديدة الانحدار، أو في الأماكن التي يغلب عليها أصلًا الطابع الصناعي والقسوة.

وهذا التوتر ليس خطأً تصميميًا. بل هو جزء من الأثر نفسه. فالانفتاح يخفف الضخامة، لكنه قد يزيد أيضًا الوعي بالحواف والفراغ. وأفضل النماذج هي التي توازن هذا الانكشاف بدرابزين قوي، وحواف درجات واضحة، وقدر كافٍ من أثر الاستعمال في المادة بما يدل على تماسك حقيقي واستعمال حقيقي.

طريقة سريعة لاكتشاف الحيلة نفسها في أي مكان

إذا أردت اختبار ذلك في نزهتك المقبلة، فقارن بين سلم بدرجات مفتوحة وآخر مغلق بالكامل. ولاحظ أيّ شيء يختفي أولًا عندما تتراجع إلى الوراء: الظلال، أم العمق، أم الإحساس بالحجب. فجوابك عن هذا السؤال يبيّن لك كيف يدير السلم وزنه البصري.

ADVERTISEMENT

استخدم مقياسًا بسيطًا واحدًا: انظر هل تتوقف عينك عند الشيء أم تنفذ من خلاله.

آيلين دنيز

آيلين دنيز

ADVERTISEMENT
سيارة سيدان كبيرة من ستينيات القرن العشرين آنذاك، وسيارة صغيرة اليوم
ADVERTISEMENT

ما كان يُعَدّ يومًا سيارة سيدان أمريكية كبيرة الحجم قد يبدو اليوم متواضعًا على نحو يكاد يثير الدهشة، والسبب ظاهر في الهيئة نفسها: السقف منخفض فوق جسم طويل جدًا، والدعامات رفيعة، والمقصورة لا ترتفع كثيرًا فوق خط الحزام.

وإذا أردت اختبارًا سريعًا بنفسك، فانظر إلى

ADVERTISEMENT

ارتفاع السقف مقارنة بطول السيارة. فالهيكل يمتد طويلًا، لكن حيز الركاب يظل منخفضًا ومنبسطًا، وهذا ليس ما اعتادت معظم المركبات العائلية الحديثة أن تعلّمنا إياه حين نقرأ الحجم بصريًا.

لماذا تبدو السيارة الكبيرة اليوم أصغر مما تتوقع

أول ما ينبغي توضيحه هو أن سيارة السيدان كبيرة الحجم في ستينيات القرن الماضي كانت فعلًا سيارة كبيرة بمقاييس زمانها. فقد كانت الشركات الأمريكية تبيع الإحساس بالهيبة عبر الطول. وكان ذلك ظاهرًا في غطاء المحرك الطويل، والمؤخرة الطويلة، وفي الطريقة التي كانت السيارة كلها تشغل بها الطريق.

ADVERTISEMENT

ومع ذلك، فإن السيارة نفسها قد تبدو للعين المعاصرة، ولا سيما في لقطة جانبية واضحة، أشبه بسيارة شبه مدمجة. ليست صغيرة، وليست خفيفة، لكنها أقل ضخامة مما وعدت به الذاكرة. وهذا الإحساس ليس وهمًا. فالعين تلتقط بالفعل إشارات تصميمية حقيقية.

وتتوالى هذه الإشارات بسرعة ما إن تعرف أين تنظر. فخط السقف يمتد طويلًا لكنه يظل منخفضًا. والدعامات الرافعة للسقف نحيفة، لذلك تبدو مساحة الزجاج سخية. أما الدفيئة الزجاجية، أي المقصورة المحاطة بالنوافذ، فتظهر أكثر تسطحًا وأقل امتلاءً مما صرنا نتوقعه اليوم. ولأنه لا يوجد أشخاص أو مبانٍ أو سيارات حديثة قريبة داخل الإطار، تفقد العين المقاييس التي تعتمد عليها عادة في التقدير.

وهذا الأفق الخالي أهم مما يظنه كثيرون. فحين تغيب الممرات المنزلية أو المرائب أو الأرصفة أو سيارة أخرى إلى جوارها، تتوقف السيارة عن أن تكون جزءًا من مشهد شارع مألوف. وتغدو شيئًا قائمًا في فضاء مفتوح، والفضاء المفتوح سيئ في منحنا إحساسًا دقيقًا بالحجم. وفي هذه المسافة الفارغة، تبدأ الذاكرة في أداء بعض مهمة القياس.

ADVERTISEMENT

لقد شعرت بهذا بنفسي مع سيارات كنت أظنها يومًا كلها غطاء محرك بلا نهاية. ثم بعد سنوات، حين رأيت إحداها متوقفة وحدها، باغتني ذلك الشعور الغريب الصغير بأن غطاء المحرك لم يعد يبدو بلا نهاية. السيارة لم تتغير. الذي تغيّر هو عيني.

إنها لا تبدو كبيرة إلا إذا استحضرتها الذاكرة أولًا.

وهنا تكمن نقطة التحول في المسألة كلها. فلبضعة فقرات، يبدو كأننا لا نتحدث إلا عن الصفائح المعدنية والنِّسب. ثم يتقدم الموضوع الحقيقي إلى الواجهة: ليس السيارة وحدها، بل المعايير التي تعلّمتها عينك منذ ذلك الحين.

فالمركبات الحديثة كثيرًا ما تكون أعلى من جهة المقصورة، وأكثر سماكة في الأبواب والدعامات، وأثقل بصريًا من فتحة العجلة إلى السقف. وقد أسهمت قواعد السلامة، ومتطلبات الاستيعاب الداخلي، ووضعية الجلوس، وصعود سيارات SUV وCrossovers، جميعها في دفع المركبات العائلية إلى الأعلى. وحتى كثير من سيارات السيدان الحديثة تحمل كتلة بصرية أكبر في جانب الهيكل وبنية السقف مما كانت تحمله سيارة كبيرة الحجم قديمة.

ADVERTISEMENT

وهكذا تعرض علينا سيارة السيدان القديمة اليوم مزيجًا غريبًا. فهي طويلة، نعم، وأحيانًا طويلة جدًا، لكنها أيضًا منخفضة، نظيفة الجوانب، وواسعة الزجاج على نحو يقلل من ضخامتها البصرية. كان الطول وحده يكاد يكفي قديمًا ليدل على الكِبر. أما اليوم، فبات الارتفاع والسماكة يقومان بقدر أكبر من هذا الدور.

وهنا يتبدل السؤال المناسب. فبدلًا من أن نسأل: «كم كانت هذه السيارة كبيرة؟» يفيد أكثر أن نسأل: «كبيرة مقارنة بماذا؟» فمقارنة بسيارة مدمجة من زمنها، كانت كبيرة بوضوح. أما مقارنة بكثير من سيارات الكروس أوفر والشاحنات الحديثة، فقد تبدو رزينة ومتحفظة، ولا سيما في صورة تجرّد المشهد من إشارات القياس.

وهنا أيضًا حدٌّ صادق لا بد من الاعتراف به. فليس معنى هذا كله أن سيارات السيدان في الستينيات كانت صغيرة حرفيًا. فكثير منها كان عريضًا وثقيلًا وذا حضور مادي واضح. والفكرة أضيق من ذلك وأفيد: لقد غيّرت المركبات الحديثة، ومعها عاداتنا الحديثة في قراءة الحجم، طريقة نظر العين، حتى إن سيارة سيدان كانت تُعَدّ ضخمة يمكن أن تُسجَّل اليوم في البصر على أنها أصغر مما توحي به أبعادها.

ADVERTISEMENT

الحيلة البسيطة لقراءة صور السيارات القديمة على نحو أدق

إذا أردت أن تحكم على حجم سيارة كلاسيكية بوضوح أكبر، فابدأ بالمقصورة لا بالطول الكلي. انظر إلى ارتفاع السقف، وإلى مقدار الزجاج الظاهر، وإلى سماكة الدعامات. ثم ابحث عن أشياء مرجعية قريبة: شخص، أو باب، أو رصيف، أو سيارة أخرى. فحين تغيب هذه العناصر، يملأ ذهنك الفراغ اعتمادًا على الذاكرة، والذاكرة أمهر في حفظ الإحساس من حفظ النِّسب الدقيقة.

ولهذا قد تبدو سيارة عائلية قديمة كأنها تصغر عبر السنين. فنحن لا نخزن الأبعاد وحدها، بل نخزن أيضًا كم بدت مهيبة حين كانت تدخل إلى الممر، وكم بدا غطاء محركها ممتدًا من مقعد السائق، وكم بدا الشيء كله كبيرًا وناضجًا في أعيننا حين كنا صغارًا. وهذه الانطباعات صادقة على طريقتها، لكنها ليست الشيء نفسه الذي تعنيه القراءة البصرية الدقيقة.

ADVERTISEMENT

فإذا رُئيت السيارة ببرود، بوصفها شيئًا فحسب، كشفت عن تصور عصرها للحجم: الطول، والانخفاض، والرشاقة، والمساحة المحيطة بالركاب أكثر من الارتفاع فوقهم. أما إذا رُئيت عبر الذاكرة، فإنها تعود شيئًا أكبر بكثير، لأن الذاكرة تحتفظ بسلطة الشيء لا بمحيطه الخارجي وحده.

لم تصبح السيارة صغيرة؛ الذي تغيّر هو فكرتنا عمّا يجعل المركبة تبدو كبيرة.

أنزيلم كوخ

أنزيلم كوخ

ADVERTISEMENT