ولاية زاكاتيكاس: مناجم الفضة وتاريخ المستعمرات الإسبانية
ADVERTISEMENT
في قلب شمال المكسيك، تقع ولاية زاكاتيكاس، واحدة من أكثر الوجهات جاذبية لعشاق التاريخ والثقافة. تشتهر هذه الولاية بمدينتها التاريخية المصنفة ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو، وبمناجم الفضة التي كانت محورًا اقتصاديًا هامًا خلال الحقبة الاستعمارية الإسبانية. زاكاتيكاس ليست فقط مدينة ذات ماضٍ غني، بل وجهة سياحية متكاملة تقدم مزيجًا
ADVERTISEMENT
فريدًا من العمارة الاستعمارية والمناظر الطبيعية الجبلية والمهرجانات الثقافية التي تسحر الزائرين من اللحظة الأولى.
في هذا المقال، نصحبك في جولة شاملة إلى هذه الولاية الساحرة، مستعرضين أبرز معالمها، من مناجم الفضة القديمة إلى كنائسها المزخرفة وشوارعها المرصوفة بالحجارة.
صورة بواسطة Tree Andree على Unsplash
مدينة زاكاتيكاس التاريخية: حيث يروي كل حجر قصة
تُعد مدينة زاكاتيكاس التاريخية القلب النابض للولاية، وتُعرف بجمالها المعماري الذي يعكس تأثير الحقبة الاستعمارية الإسبانية، إذ تأسست المدينة عام 1546 بعد اكتشاف مناجم الفضة في الجبال المحيطة بها. أصبحت المدينة بسرعة واحدة من أغنى مدن الإمبراطورية الإسبانية الجديدة، وترك هذا الازدهار بصمته على طابعها المعماري والثقافي حتى يومنا هذا.
ADVERTISEMENT
عند التجول في وسط المدينة، يأسرك الطراز الباروكي للكنائس والمباني العامة، ويُعد كاتدرائية زاكاتيكاس تحفة فنية باروكية مشيدة من الحجر الوردي، وتُعد من أجمل كنائس المكسيك على الإطلاق. كما يمكن زيارة كنيسة سانت أغوستين وكنيسة سان دومينغو، اللتين تعكسان روح الحقبة الاستعمارية بكل تفاصيلها المعمارية.
مناجم الفضة في المكسيك: عندما يحفر التاريخ في أعماق الأرض
زاكاتيكاس كانت ذات يوم أحد المراكز العالمية لإنتاج الفضة، ومنجم إل إيدين (El Edén) يُجسد هذا الإرث بشكل رائع. يقع المنجم على حافة المدينة ويمكن الوصول إليه عبر قطار صغير ينقل الزوار في نفق طويل إلى عمق الجبل. داخل المنجم، يمكن للزائرين استكشاف المعارض التي تسلط الضوء على حياة عمال المناجم، وتقنيات استخراج الفضة، وتاريخ استغلال الموارد الطبيعية في المكسيك.
ADVERTISEMENT
ما يميز هذا المنجم هو تحوله إلى مرفق سياحي متعدد الأغراض، حيث يمكن العثور داخله على متحف معدني، وحتى نادٍ ليلي يقع في أحد تجاويف الجبل القديمة – تجربة فريدة من نوعها لا توفرها أي منجم سياحي آخر في العالم.
زاكاتيكاس غنية بالمعالم التي تخلد الوجود الإسباني في المنطقة. إضافة إلى الكاتدرائيات والكنائس، هناك المتحف الإقليمي في زاكاتيكاس، والذي يقع في دير سابق يعود إلى القرن السابع عشر، ويعرض مجموعة كبيرة من اللوحات، والتماثيل الدينية، والفنون التقليدية التي توثق تطور الحياة الثقافية والدينية في زاكاتيكاس.
كما يُمكن زيارة قصر غوفاليه (Palacio de la Mala Noche)، وهو منزل تاجر فضة غني يعود للقرن الثامن عشر، وتحول إلى متحف فني يستضيف معارض معاصرة، مما يخلق توازناً بين الماضي والحاضر في المدينة.
ADVERTISEMENT
ولا يمكن نسيان تلفريك زاكاتيكاس الشهير، الذي ينقل الزوار من وسط المدينة إلى تلة لا بوفا (Cerro de la Bufa)، وهي موقع رمزي يُوفر إطلالة بانورامية خلابة على المدينة، كما تحتضن التلة نصبًا تذكاريًا لمعركة زاكاتيكاس، وهي إحدى أهم المعارك في الثورة المكسيكية.
الصورة بواسطة wirestock على envato
السياحة الثقافية في المكسيك: مهرجانات زاكاتيكاس
تعتبر زاكاتيكاس إحدى وجهات السياحة الثقافية في المكسيك بامتياز. إذ تستضيف المدينة العديد من المهرجانات على مدار السنة، أبرزها مهرجان زاكاتيكاس الثقافي الدولي الذي يُقام في فترة عيد الفصح، ويجمع عروضاً موسيقية ومسرحية من مختلف أنحاء العالم في ساحات المدينة وكنائسها.
هناك أيضًا مهرجان الشارع، الذي يحول المدينة إلى مسرح مفتوح لفرق الموسيقى والرقص والمهرجين، مما يعزز الطابع الاحتفالي والحيوي لزاكاتيكاس. كما يمكن حضور كرنفال زاكاتيكاس الذي يُقام في فبراير ويتميز بالملابس الزاهية، والرقصات الشعبية، ومواكب العربات المزينة.
ADVERTISEMENT
مغامرات خارج المدينة: طبيعة تأسر القلوب
بعيدًا عن المدينة، تقدم زاكاتيكاس تجربة سياحية طبيعية مميزة لمحبي المغامرة. تقع في محيط المدينة عدة مواقع طبيعية مثل وادي باريدون، الذي يوفر مسارات للمشي الجبلي وتسلق الصخور، ويُعد مكانًا مثاليًا لهواة التصوير الفوتوغرافي.
أما بلدة خوكاليس الصغيرة، فهي وجهة هادئة تقع في الجبال وتوفر نظرة حميمة على الحياة الريفية في المكسيك، مع منازلها الملونة وأسواقها التقليدية. كما يمكن زيارة بلدة غواديالوبي القريبة، والتي تضم ديرًا يعود للقرن الثامن عشر، ومتحفًا للفنون الاستعمارية.
الأطباق التقليدية: نكهات مكسيكية من عمق التاريخ
لا تكتمل الزيارة إلى زاكاتيكاس دون تذوق مطبخها التقليدي الغني، والذي يجمع بين التأثيرات الإسبانية والمكسيكية الأصلية. من أشهر الأطباق التي يُنصح بتجربتها:
ADVERTISEMENT
إنتشيلاداس زاكاتيكانياس: وهي فطائر ذرة محشوة ومغطاة بصلصة الفلفل الأحمر الحارة.
أسادو دي بودا: طبق لحم مطهو ببطء في صلصة طماطم غنية بالتوابل.
كالدو دي كيسو: حساء بالجبن والبطاطا شائع في المناطق الجبلية.
تقدم المطاعم في وسط المدينة هذه الأطباق وسط أجواء تقليدية تذكر الزائرين بتاريخ المدينة العريق.
صورة بواسطة Odiseo Gonzalez على Unsplash
نصائح للمسافرين إلى زاكاتيكاس
الوقت المثالي للزيارة: يُفضل زيارة زاكاتيكاس بين مارس ومايو، حيث يكون الطقس معتدلاً، وتُقام أهم المهرجانات الثقافية.
وسائل التنقل: يُمكن التجول في وسط المدينة سيرًا على الأقدام، أما لزيارة الضواحي فيُنصح باستخدام سيارات الأجرة أو الحافلات المحلية.
الإقامة: توفر المدينة مجموعة من الفنادق التاريخية مثل فندق كوينتا ريال، والذي كان في الأصل ميدانًا لمصارعة الثيران، ويُعد الآن فندقًا فاخرًا يجمع بين التاريخ والراحة.
ADVERTISEMENT
السلامة: زاكاتيكاس مدينة آمنة للسياح، ويُوصى باتباع الإرشادات المحلية، خاصة عند زيارة المناطق الريفية.
ختام: لماذا يجب أن تكون زاكاتيكاس على قائمة رحلاتك القادمة؟
زاكاتيكاس ليست مجرد مدينة جميلة؛ إنها مرآة تعكس فصولاً كاملة من تاريخ المكسيك. من مناجم الفضة العريقة التي شكلت ثروة إسبانيا الجديدة، إلى شوارع المدينة المزينة بالحجر الوردي، ومن مهرجاناتها النابضة بالحياة إلى أطباقها التي تروي حكاية أجيال، تقدم زاكاتيكاس تجربة سياحية غنية وعميقة لمحبي الثقافة والتاريخ.
لكل من يبحث عن وجهة بعيدة عن الزحام، تحمل في طياتها معالم الحقبة الاستعمارية، وتُقدم لمحة عن تاريخ التعدين في المكسيك، وتحتفي بالثقافة بأبهى صورها – فإن زاكاتيكاس تستحق أن تُدرج في أولى خطط السفر القادمة.
ياسر السايح
·
05/06/2025
ADVERTISEMENT
جازان: بين سحر الجبال وجمال السواحل
ADVERTISEMENT
تعد منطقة جازان واحدة من الوجهات السياحية الفريدة التي تجمع بين التنوع الطبيعي والثقافي، مما يجعلها ملاذاً مثالياً لمحبي الرحلات والسفر. تقع هذه المنطقة في الجنوب الغربي للمملكة العربية السعودية، وتتميز بتنوعها الجغرافي الذي يشمل جبالاً شاهقة، وسواحل خلابة على البحر الأحمر، وأودية خضراء مليئة بالحياة. إذا كنت تبحث عن
ADVERTISEMENT
مكان يجمع بين الاسترخاء والمغامرة، فإن جازان ستكون وجهتك المثالية.
الصورة من wikimedia
جبال جازان: عشق الطبيعة وسحر المرتفعات
تشتهر جازان بجبالها الشاهقة التي تطل على سهولها الخضراء، وهي توفر للزوار فرصة لاستكشاف طبيعة خلابة ومذهلة. من أبرز الجبال في المنطقة جبل الإثمد وجبل قوزء، اللذان يعتبران من أكثر المناطق جاذبية للصعود والتسلق. عند الوصول إلى قمم هذه الجبال، يمكنك التمتع بإطلالة بانورامية على المنطقة بأكملها، حيث تشاهد السحب تتحرك تحت أقدامك وكأنك تطير فوق العالم.
ADVERTISEMENT
إضافة إلى ذلك، تتميز الجبال في جازان بمناخها المعتدل، خاصة خلال فصل الصيف، مما يجعلها وجهة مفضلة للهروب من حرارة الصحراء. كما أنها موطن لعدد من القرى التقليدية التي تحافظ على هويتها الثقافية الأصيلة، مثل قرية الدرب وقرية العارضة، حيث يمكنك التعرف على نمط الحياة المحلي والتفاعل مع السكان المحليين.
سواحل جازان: رمال بيضاء ومياه زرقاء
إذا كانت الجبال تمثل جانبًا من جمال جازان، فإن السواحل تمثل الجانب الآخر من هذا الجمال. تشتهر المنطقة بشواطئها النظيفة والمياه الزرقاء الصافية التي تجعلها وجهة مثالية للأنشطة المائية والرياضات البحرية. من أشهر هذه الشواطئ شاطئ حقل، الذي يوفر للزوار فرصة للاستمتاع بالغوص وركوب الأمواج واستكشاف الحياة البحرية الغنية.
إلى جانب الشواطئ، تضم جازان عددًا من الجزر الرائعة التي تستحق الزيارة، مثل جزيرة فرسان، التي تعتبر من أهم الجزر في المنطقة. تتميز الجزيرة بشواطئها ذات الرمال البيضاء ومياهها النقية، إضافة إلى وجود آثار تاريخية تعود إلى الحقبة الإسلامية الأولى. يمكنك استكشاف الجزيرة عن طريق القوارب التقليدية أو عبر الرحلات السياحية التي تنظمها الشركات المحلية.
ADVERTISEMENT
الصورة من wikimedia
الأودية الخضراء: ملاذ طبيعي للهدوء والاسترخاء
بين الجبال والسواحل، توجد أودية جازان التي تقدم للزوار تجربة مختلفة تمامًا. هذه الأودية تمتاز بغناها بالنباتات والأشجار، خاصة أشجار النخيل والليمون، مما يجعلها مكانًا مثاليًا للتنزه والاسترخاء. من أشهر الأودية وادي جيزان، الذي يُعتبر وجهة محببة للعائلات والشباب الذين يبحثون عن أجواء هادئة بعيدًا عن ضجيج المدينة.
يمكنك التنزه داخل الأودية والاستمتاع بمنظر المياه الجارية بين الصخور، أو حتى القيام برحلة بسيطة لالتقاط الصور التذكارية. كما أن هذه الأودية توفر فرصًا مثالية لممارسة الرياضات الخارجية مثل المشي لمسافات طويلة والتخييم.
الثقافة والتراث: جزء أساسي من جمال جازان
لا يمكن الحديث عن جازان دون الإشارة إلى ثقافتها الغنية وتراثها العريق. تشتهر المنطقة بأزيائها التقليدية الملونة وبعض الحرف اليدوية مثل صناعة السجاد والمشغولات الخشبية. يمكنك زيارة الأسواق الشعبية مثل سوق الثلاثاء في مدينة جازان، حيث تجد مجموعة متنوعة من المنتجات المحلية والحرفية.
ADVERTISEMENT
بالإضافة إلى ذلك، تضم جازان عددًا من المعالم التاريخية التي تعكس تاريخ المنطقة وتطورها عبر الزمن. من أبرز هذه المعالم قلعة جازان التاريخية، التي تقع في مدينة صبيا، والتي تعد شاهدًا على الحقبة العثمانية في المنطقة. كما يمكنك زيارة متحف جازان الإقليمي للتعرف على المزيد عن تاريخ المنطقة وثقافتها.
الصورة من wikimedia
أفضل وقت لزيارة جازان
تختلف الأجواء في جازان حسب الفصول، مما يجعلها وجهة مثالية على مدار العام. إذا كنت تفضل الأجواء المعتدلة، فإن الفترة الممتدة من أكتوبر إلى مايو هي الأنسب لزيارة الجبال والاستمتاع بالطقس المريح. أما إذا كنت من محبي الحرارة والشواطئ، فإن فصل الصيف هو الوقت المثالي للاستمتاع بالسواحل والجزر.
جازان ليست مجرد منطقة جغرافية، بل هي تجربة شاملة تجمع بين الطبيعة الخلابة والثقافة الغنية. سواء كنت تبحث عن المغامرة في الجبال، أو الاسترخاء على الشواطئ، أو التعرف على التراث المحلي، فإن جازان ستلبي جميع احتياجاتك وتتجاوز توقعاتك. لذا، احرص على إدراج هذه الوجهة في خطط سفرك القادمة، وستكتشف بنفسك لماذا يسميها الكثيرون "جوهرة الجنوب".
ياسر السايح
·
06/03/2025
ADVERTISEMENT
لماذا جامعة دمشق هي الجامعة الوحيدة في العالم العربي التي تدرّس الطب باللغة العربية؟
ADVERTISEMENT
في قاعات المحاضرات بكلية الطب بجامعة دمشق، يردد الطلاب المصطلحات التشريحية، ويشخصون الأمراض، ويناقشون خطط العلاج — كل ذلك باللغة العربية. في عصر تهيمن فيه اللغة الإنجليزية على التعليم الطبي في العالم العربي، من الرباط إلى مسقط، تقف دمشق بمفردها. فجامعتها لا تزال الجامعة الكبرى الوحيدة في العالم العربي التي
ADVERTISEMENT
يُدرَّس فيها الطب بالكامل باللغة العربية — سواء في الكتب الدراسية، أو المحاضرات، أو الامتحانات.
هذا الاختيار ليس من بقايا مقاومة العولمة، ولا مجرد غرابة في التقاليد. إنه بيان حي عن اللغة والهوية والاستقلال الفكري — بيان يروي قصة أعمق عن علاقة العالم العربي بالعلوم والتاريخ الاستعماري وسياسات التعليم.
تقليد ولد من الطموح:
تعود جذور التدريس الطبي باللغة العربية في دمشق إلى أواخر القرن التاسع عشر، عندما أسس العثمانيون كلية طب في دمشق عام 1903، وكان التدريس في البداية باللغة التركية. بعد سقوط الإمبراطورية وتأسيس الدولة السورية الحديثة، أصبحت جامعة دمشق (التي كانت تسمى في الأصل الجامعة السورية) مشروعًا وطنيًا — رمزًا للسيادة والتحديث.
ADVERTISEMENT
في عام 1919، اتخذت السلطات السورية المستقلة حديثًا قرارًا جذريًا: تدريس الطب باللغة العربية. وفي وقت كانت فيه الدول المجاورة مثل مصر ولبنان تستخدم الفرنسية أو الإنجليزية — إرثًا من التأثير الاستعماري — سعت سوريا إلى استعادة التعليم العلمي بلغتها الأم. أصبحت ترجمة مجموعة المعرفة الطبية الحديثة إلى اللغة العربية عملًا من أعمال الفخر الثقافي والتحدي السياسي.
الصورة بواسطة Kevorkmail~commonswiki على wikimedia
شهد من داخل الجامعة
بحلول عام 1923، كانت كلية الطب في جامعة دمشق قد نشرت نسخًا عربية من الكتب الدراسية الطبية الأساسية في علم التشريح وعلم وظائف الأعضاء وعلم الأمراض. وقام العلماء والأطباء السوريون، وكثير منهم كانوا يتقنون اللغة الفرنسية أو الإنجليزية، بصياغة مصطلحات عربية للمفاهيم الطبية الحديثة — وأحيانًا بتكييف المفردات الكلاسيكية من العصر الذهبي الإسلامي.
ADVERTISEMENT
كان مشروع الترجمة هذا عملاً ضخماً. بين عامي 1919 و1950، أصدر أساتذة الجامعة والجمعية العلمية السورية مئات النصوص المرجعية والمعاجم والقواميس. جعل عملهم اللغة العربية ليست مجرد وسيلة للشعر والدين، بل لغة علمية حديثة ودقيقة مرة أخرى.
إرث حضارة سابقة:
لم يأتِ هذا القرار من فراغ. فقد استلهم من العصر الذهبي للطب العربي، عندما كتب علماء مثل ابن سينا والرازي والزهراوي أعمالاً موسوعية حددت ملامح الطب العالمي لقرون.
كانت نصوصهم — القانون في الطب، وكتاب الحاوي، وكتاب التصريف، على التسلسل — مكتوبة باللغة العربية، وتُرجمت إلى اللاتينية، واستُخدمت في الجامعات الأوروبية حتى القرن السابع عشر. كانت اللغة العربية في يوم من الأيام لغة مشتركة في العلوم الطبية، تمامًا كما هي اللغة الإنجليزية اليوم.
لذلك، عندما اختارت جامعة دمشق اللغة العربية لتدريس الطب، لم يكن ذلك عملاً انعزاليًا بل إحياءً — استعادة لتقليد طويل الأمد كانت فيه اللغة العربية معبرة ودقيقة بما يكفي للتفكير العلمي.
ADVERTISEMENT
الصورة في المجال العام على rawpixel
النطاسي العربي ابن زهر
الاستقلال اللغوي في عالم معولم:
مع تقدم القرن العشرين، اعتمدت جامعات عربية أخرى — خاصة في مصر ولبنان والخليج — اللغة الإنجليزية أو الفرنسية كلغة رئيسية لتدريس الطب. أدت العولمة، إلى جانب هيمنة البحوث والمصطلحات الطبية الغربية، إلى جعل اللغة الإنجليزية هي اللغة الافتراضية.
ومع ذلك، حافظت جامعة دمشق على مسارها. واستندت مبرراتها إلى ثلاث حجج رئيسية:
1- إمكانية الوصول والمساواة:
يتلقى خريجو المدارس الثانوية السورية تعليمهم باللغة العربية. ويضمن تدريس الطب بلغتهم الأم عدم استبعاد الطلاب الموهوبين بسبب الحواجز اللغوية.
2- الدقة في الفهم:
يرى المؤيدون أن تعلّم المفاهيم الطبية المعقدة باللغة الأم يعمّق الفهم ويقلّل من خطر سوء التفسير.
3- الاستمرارية الثقافية:
ADVERTISEMENT
إن اللغة ليست مجرد أداة للتعليم، بل هي وعاء للثقافة والتعاطف. تدريب الأطباء باللغة العربية يساعدهم على التواصل بفعالية مع المرضى، الذين لا يعرف الكثير منهم اللغات الأجنبية.
تحديات الترجمة والتحديث:
بالطبع، لم يكن الحفاظ على اللغة العربية كلغة للتعليم الطبي خالياً من التحديات. تتطلب ترجمة الاكتشافات والأدوية والتقنيات الجديدة إلى اللغة العربية جهداً متواصلاً. تتطور المصطلحات الطبية بسرعة، ويجب على الأكاديميين السوريين مواصلة تحديث المعاجم وتكييف المصطلحات الجديدة.
ومع ذلك، تواصل كلية الطب نشر ومراجعة الكتب الطبية العربية. ويعمل مجمع اللغة العربية الذي تأسس عام 1919 (وهو أقدم مجمع للغة العربية، وواحد من أقدم الأكاديميات اللغوية في العالم)، بشكل وثيق مع الجامعة لتوحيد المصطلحات الجديدة. وتضم لجانه أطباء ولغويين ومترجمين يضمنون الاتساق والدقة.
ADVERTISEMENT
ويعكس هذا التعاون قناعة عميقة بأن اللغة ليست عائقاً أمام العلم، بل يمكن أن تكون جسراً له، شريطة وجود إرادة مؤسسية وصرامة علمية.
التعليم أثناء الأزمة:
في العقود الأخيرة، دمر الصراع السوري البنية التحتية واضطر الكثير من الأكاديميين والطلاب للمغادرة. ومع ذلك، حتى في خضم الأزمة، واصلت جامعة دمشق التدريس باللغة العربية، معتبرة إياها مصدرًا للاستقرار والهوية. بل وأصبح الحفاظ على المناهج الطبية العربية عملاً من أعمال الصمود. قام الأساتذة برقمنة المواد، وتنظيم فرق ترجمة تطوعية، واستخدام الموارد عبر الإنترنت لمواصلة الدورات الدراسية على الرغم من النقص.
الصورة بواسطة Creatas Images على freeimages
فرحة التخرّج من الجامعة
التكامل العالمي دون اندماج:
على الرغم من تدريسها باللغة العربية، لا تعزل جامعة دمشق نفسها عن المجتمع الطبي العالمي. يدرس الطلاب اللغة الإنجليزية كلغة ثانية منذ السنة الأولى، ويُطلب منهم قراءة المجلات الدولية. يواصل العديد من الخريجين تدريبهم بعد التخرج في الخارج، وهم يحظون بالاحترام بفضل أسسهم النظرية القوية.
ADVERTISEMENT
وهكذا، يُثبت نموذج دمشق أن تعليم اللغة المحلية لا يستبعد المشاركة العالمية. ويُظهر أن إتقان اللغة الأم يمكن أن يتعايش مع الكفاءة متعددة اللغات — وأن الثقة الفكرية تبدأ في المنزل.
السؤال الأوسع للعالم العربي:
لماذا لم تحذُ الجامعات العربية الأخرى حذو دمشق؟
تكمن الإجابة في التفاعل المعقد بين الإرث الاستعماري والواقعية الاقتصادية والشبكات الأكاديمية.
ورث العديد من الدول العربية أنظمة التعليم الفرنسية أو البريطانية ووجدت أنه من الأسهل الحفاظ على اللغات الأجنبية في المجالات العلمية. فالنشر باللغة العربية يوفر رؤية دولية محدودة، وترجمة كميات هائلة من الأبحاث الجديدة مكلفة. علاوة على ذلك، يستفيد خريجو الطب الذين يسعون إلى العمل في الخارج من إتقان اللغة الإنجليزية.
ومع ذلك، تظل حالة دمشق تذكيرًا بأن سياسة اللغة ليست محايدة أبدًا. فهي تشكل من يمكنه التعلم، ومن ينتمي، وكيف تحدد الدول مكانها في العالم.
ADVERTISEMENT
الخاتمة - تجربة حية:
اليوم، في ظل ضغوط العولمة على الجامعات لتوحيد اللغة الإنجليزية، تقف جامعة دمشق كاستثناء هادئ — شهادة على تقرير المصير اللغوي. يعالج أطباؤها المرضى بنفس اللغة التي تعلموا بها فن الشفاء. إن اختيار جامعة دمشق هو أكثر من مجرد اختيار تربوي — إنه اختيار فلسفي يؤكد أن العلم ليس ملكاً لأي لغة واحدة، وأن المعرفة، مثلها مثل الطب نفسه، تزدهر عندما تخاطب الناس بالكلمات التي يفهمونها.