تظهر أوزبكستان كملتقى للثقافات عند تتبع مدنها الكبرى: سمرقند على طريق الحرير، وبخارى في تاريخ الحديث والتصوف والطب، وخوارزم في نشأة الجبر. تقع الجمهورية في آسيا الوسطى، وتذكر وثيقة للبنك الدولي منشورة عام 2022 أن عدد سكانها بلغ نحو 34.5 مليون نسمة. تحدها كازاخستان من الشمال والشمال الغربي، وقيرغيزستان وطاجيكستان من الشرق والجنوب الشرقي، وأفغانستان من الجنوب، وتركمانستان من الجنوب الغربي، بينما يمتد إقليمها نحو منطقة بحر آرال.
عرض النقاط الرئيسية
استقلت أوزبكستان عام 1991، ثم انضمت إلى الأمم المتحدة في 2 مارس 1992، وإلى منظمة الأمن والتعاون في أوروبا واليونسكو ومنظمة الصحة العالمية. كما أصبحت عضوًا في رابطة الدول المستقلة، التي ضمت 12 من أصل 15 جمهورية سوفيتية سابقة، وكانت من الدول المؤسسة لمنظمة شنغهاي للتعاون. وكان الاعتراف الرسمي بأوزبكستان قد بلغ 165 دولة، فيما وصل عدد الدول التي أقامت معها علاقات دبلوماسية إلى 136 دولة في 2021؛ ثم أعلنت السفارة الأوزبكية في ألمانيا أن عدد علاقاتها الدبلوماسية بلغ 165 دولة في حصيلة 2025. ومن طشقند إلى المدن التاريخية، تجمع البلاد بين مؤسسات الدولة الحديثة وإرث أسهم في تاريخ الحضارة الإسلامية.
قراءة مقترحة
ارتبط اسم سمرقند طوال قرون بطريق الحرير الذي وصل الصين بأوروبا والبحر المتوسط. مر بها رحالة اشتهرت كتاباتهم في الشرق والغرب، وفي مقدمتهم ماركو بولو، المتوفى عام 1324، وابن بطوطة، المتوفى عام 1368. ووصفها الأخير بعد إقامته فيها قرابة عام 1335 في سجل أسفاره، فجمع بين عمرانها ونهرها وحدائقها وأخلاق سكانها.
كتب ابن بطوطة: «توجهت إلى مدينة سمرقند، إحدى أكبر وأجمل وأروع مدن العالم. بُنيت على ضفاف نهر زرافشان، وتغطيها آلات هيدروليكية تسقي الحدائق. تحتوي على منصات ومقاعد للجلوس، ومتاجر تبيع الفاكهة وغيرها من الأطعمة. كما كانت هناك قصور ومعالم أثرية شامخة على ضفاف النهر، تُبشر برفعة معنويات سكان سمرقند. يتميز أهل سمرقند بكرمهم ولطفهم تجاه الغرباء».
تصف اليونسكو سمرقند بأنها ملتقى لثقافات العالم، وتؤرخ نشأتها في صورتها القديمة، أفراسياب، إلى القرن السابع قبل الميلاد. أدرجتها المنظمة عام 2001 في قائمة التراث العالمي تحت اسم «سمرقند، ملتقى الثقافات»، ثم شاركت في الاحتفال بالذكرى السنوية الـ2750 لتأسيس المدينة عام 2007. وإلى جانب عمارتها ذات اللون الأزرق السمرقندي، عُرفت المدينة قديمًا مركزًا لصناعة الورق؛ ومن هنا اقترن اسم ورق سمرقند بها قرونًا، ضمن تاريخ انتقال تقنيات المعرفة على طرق التجارة.
لا يقتصر أثر أوزبكستان في انتقال المعرفة على صناعة الورق. ففي مدن خراسان الكبرى وما وراء النهر تطورت علوم الحديث واللاهوت والفلسفة والرياضيات والطب والصيدلة والتصوف. وتبرز بخارى وترمذ لأن كلتيهما منحت اسمها لعالم من أشهر علماء الحديث: الإمام البخاري، المتوفى عام 870، والإمام الترمذي، المتوفى عام 892.
اشتهر الإمامان بمجموعتيهما في الحديث، وأصبحتا من المراجع الكبرى في السنة النبوية، وهي المصدر التأسيسي الثاني في الإسلام بعد القرآن الكريم. كما ارتبطت بخارى بالنقشبندية، إحدى أقدم الجماعات الصوفية وأكثرها انتشارًا، فنشأ حول المدينة تقليد روحي تجاوز حدود آسيا الوسطى.
ومن محيط بخارى خرج ابن سينا، المتوفى عام 1037، الذي عُرف في اللاتينية باسم أفيسينا. تصفه الموسوعة البريطانية بأنه من أشهر الأطباء والفلاسفة العلماء في الحضارة الإسلامية الوسيطة وأكثرهم تأثيرًا. جمع عمله بين الطب والفلسفة وعلوم أخرى، وصار كتابه «القانون في الطب» مرجعًا طويل الحضور، فيما رسخ لقب «الشيخ الرئيس» مكانته في تاريخ الفكر. وبهذا اجتمعت في بخارى تقاليد الرواية الدينية والتصوف والبحث العقلي والطبي، بدل أن تبقى كل منها منفصلة عن الأخرى.
تقع خيوة الحالية في إقليم خوارزم، وفق وثائق مركز التراث العالمي في اليونسكو، وقد ارتبط اسم الإقليم بمحمد بن موسى الخوارزمي، المتوفى نحو عام 850. كان عالم رياضيات وفلك، وتجاوز أثر اسمه حدود موطنه؛ فمن الصيغة اللاتينية لاسمه جاءت كلمة «خوارزمية» في اللغات الحديثة، بينما اشتقت تسمية الجبر من عنوان أشهر كتبه.
حمل ذلك الكتاب اسم «المختصر في حساب الجبر والمقابلة»، ووضع منهجية لحل المعادلات الخطية والتربيعية. لم يكن عمل الخوارزمي محصورًا في مسألة واحدة، إذ كتب أيضًا في الحساب وعلم المثلثات والميكانيكا والفلك والجغرافيا ورسم الخرائط. وتوضح الموسوعة البريطانية أن أعماله عرّفت علماء الرياضيات الأوروبيين إلى الجبر والأرقام الهندية العربية.
أتاحت الترجمات اللاتينية لأعماله خلال القرن الثاني عشر وصول المعارف الحسابية إلى أوروبا، ومنها التمثيل العشري للأرقام. وينسب إليه كذلك إدخال الصفر إلى العالم الإسلامي. تكشف هذه الصلة بين خوارزم والخوارزمي أن أثر مدن أوزبكستان لم يبق في العمارة والمخطوطات؛ فقد دخل أيضًا في المصطلحات والطرائق التي تقوم عليها الرياضيات الحديثة.
تحاول أوزبكستان وصل هذا الإرث الثقافي والروحي والعلمي بمؤسسات بحث وتعليم معاصرة. وبمبادرة من الرئيس شوكت ميرضيائيف، أُنشئت أو طُورت جهات من بينها مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان، والأكاديمية الإسلامية الدولية في أوزبكستان، ومراكز البحوث الدولية الخاصة بالإمام البخاري والإمام الترمذي والإمام الماتريدي. كما تعمل المدرسة العلمية للحديث الشريف مؤسسةً للتعليم الديني العالي.
تضع هذه المشروعات دراسة المخطوطات والشخصيات العلمية والتاريخ الديني داخل إطار أكاديمي، مع اهتمام بالحوار بين الثقافات والأديان والتعدد المذهبي. وقد ارتبط جانب منها باستراتيجية العمل للفترة 2017-2021، وبخطاب رسمي يقدم الإسلام دينًا لقيم السلام والصداقة والوئام، ويطرح مفهوم «التنوير ضد الجهل» أساسًا لمواجهة التعصب.
انتقل هذا التوجه إلى الأمم المتحدة عندما بادرت أوزبكستان إلى مشروع قرار «التنوير والتسامح الديني». وتوثق مكتبة الأمم المتحدة الرقمية اعتماد الجمعية العامة القرار رقم 73/128 في 12 ديسمبر 2018، ليصبح آخر حلقة مؤسسية في مسار يبدأ من سمرقند وبخارى وخوارزم، ويمتد إلى التعليم والبحث والحوار الديني في الدولة الحديثة.
مصدر مرجعي