ADVERTISEMENT

لماذا صمد طبق المَزّة بوصفه أسلوباً مشتركاً لتناول الطعام

استمرت المَزّة لا لأن كل طبق ظلّ على حاله، بل لأن صيغتها استطاعت استيعاب المكونات المحلية والأذواق المتغيرة وأعداد الضيوف المختلفة؛ فعلى مائدة عادية يمكن استبدال وعاء بآخر وإضافة وعاء جديد، من دون أن يضطر أحد إلى تناول الحصة ذاتها. وتُكتب بأشكال مثل meze وmezze وmezedes، وبصيغ محلية أخرى، ومن الأفضل فهمها بوصفها طريقة لترتيب الطعام من أجل الأكل المشترك، لا قائمة عالمية ثابتة من الغموسات والوجبات الخفيفة.

قد تفتتح الوجبة، أو ترافق المشروبات، أو تتحول إلى عشاء حين تواصل المائدة الامتلاء. وإذا اختلفت الأطباق من مكان إلى آخر، فما الذي ظل مستمرًا تحديدًا؟

ADVERTISEMENT

يصبح التاريخ معقدًا حين يُطلب من طبق واحد أن يمثل الجميع

تشير السجلات التاريخية إلى حركة وانتقال، لا إلى أصل واحد واضح. فتاريخ الكلمة، وعادات التقديم الأقدم، وانتشارها في الإمبراطوريات، والتقاليد الوطنية الحديثة، كلها تساعد على تفسير سبب تعذّر اختزال المَزّة في مبتكر واحد أو موطن واحد.

كيف تتشعب رواية الأصل عبر الزمن

سوابق أقدم

تشكّل عادات العصور الوسطى في تقديم التوابل والأطعمة الصغيرة جزءًا من الخلفية، لكنها لا تمثل وحدها قصة أصل مكتملة.

انتقال الكلمة واستعمالها في الطعام

التاريخ الموثق: انتشرت المَزّة والمصطلحات ذات الصلة في أنحاء من شرق البحر المتوسط وغرب آسيا وشمال أفريقيا، لكن لا توجد أدلة موثقة تثبت مبتكرًا واحدًا أو موطنًا متفقًا عليه بلا نزاع. ويرد في «دليل أكسفورد للطعام» أن أصل الكلمة يعود عبر مصطلح ذي صلة بالفارسية يدل على الطعم أو المُلَحّات، فيما ساعد الاستعمال التركي لكلمة meze على انتشارها بوصفها مصطلحًا لتناول الطعام. ويخبرنا علم أصل الكلمات عن رحلات الكلمة، لا عمّن ابتكر ممارسة مائدة كاملة.

المطابخ المحلية الحديثة

تمثل التقاليد الوطنية والمنزلية المعاصرة ممارسات متميزة تشكلت في بيوت ومطاعم ومدن ومناطق بعينها، وليست نسخًا من مائدة أصلية واحدة ثابتة.

ADVERTISEMENT

قراءة مقترحة

يقدّم كتاب جامعة تكساس برس الصادر عام 2025 صناعة المطبخ المشرقي: أنماط الطعام الحديثة في شرق البحر المتوسط، الذي حررته آني غول وغراهام أومان بيتس وفيكي فالوسيك، تصحيحًا مفيدًا هنا. فـ«المطبخ المشرقي» يضم أنماط طعام محلية وريفية وحضرية وإقليمية وعابرة للحدود؛ وليس مطبخًا موحدًا له لوح مَزّة واحد ثابت.

وتتبع أنيسة حلو العناية ذاتها من مكان إلى آخر في كتابها وليمة: طعام العالم الإسلامي (2018). فهي تُبقي الأطباق مرتبطة بصانعيها وبيئاتها، بدل التعامل مع تسمية واسعة كما لو كانت صندوق وصفات واحدًا. ويهم ذلك في طبق مألوف مثل الخضروات المحشوة: إذ قد تختلف الحشوة والتتبيل ودهن الطهي والمناسبة من مدينة إلى أخرى ومن بيت إلى آخر، حتى عندما ينسجم جزء صغير منه بين أطعمة أخرى قابلة للمشاركة.

لماذا لا يلزم أن تتطابق المائدة التركية والمائدة اللبنانية

ADVERTISEMENT

يمكن لتقاليد المَزّة المختلفة أن تستخدم أطباقًا مختلفة مع الحفاظ على منطق الأكل المشترك نفسه.

نمطا مائدتين، وبنية مشتركة واحدة

السياق المكونات المعتادة ما يبقى ثابتًا
تقديم المَزّة التركية أطباق باردة من الخضروات بزيت الزيتون، وتحضيرات باللبن، وأطباق السمك أو المأكولات البحرية، ولا سيما في سياق حانة المَيْخانة يركب الضيوف لقماتهم من عدة أطباق مستقلة
المَزّة اللبنانية أطباق باردة إلى جانب أصناف ساخنة مثل الكبة المقلية أو اللحوم المشوية، وغالبًا ما تكفي لتصبح وجبة كاملة يركب الضيوف لقماتهم من عدة أطباق مستقلة

تفسير ثقافي: لعل هذه البنية المشتركة ساعدت الصيغة على البقاء. فقد تؤدي الخضروات الموسمية دورًا معينًا في شهر، ثم تظهر في تحضير مختلف في الشهر التالي. ويستطيع المضيف أن يفسح مكانًا لمن يرغب في مزيد من الأعشاب أو لحم أقل أو بلا ألبان، من دون أن يعيد ترتيب طبق الجميع. وهذا تفسير لكيفية عمل هذا الترتيب، لا دليل على أن سببًا تاريخيًا واحدًا يفسر كل موائد المَزّة.

ADVERTISEMENT

تتغير الأطباق، وتنتقل المكونات، وتكبر أعداد المجموعة، وتُضاف الأوعية، ويظل الخبز يدور بين الجالسين.

عُد الآن إلى الصحن الكبير: أوعية منفصلة، ولقم في متناول اليد، وخبز قابل للتمزيق. مزّق قطعة من الخبز المسطح واطوها لتجعل منها مغرفة، فتستطيع أن تأخذ اللقمة التي تريدها من دون انتظار حصة فردية مطابقة. تلك الحركة الصغيرة باليد هي منطق عمل هذه الصيغة.

صورة لزوشوا كولاه على أنسبلاش

تتيح الأوعية المنفصلة للمضيف إضافة طبق من دون إرباك بقية الوجبة. ويتيح الوصول المشترك لكل ضيف أن يسلك مسارًا مختلفًا عبر المائدة. وتعني الحصص القابلة للتوسيع أن شخصين أو عشرة أشخاص يستطيعون الأكل وفق الترتيب الأساسي نفسه، مع مزيد من الخبز والأوعية عند الحاجة. فالصحن ليس مجرد طريقة للتقديم؛ إنه نظام اجتماعي مرن قائم على وحدات.

ADVERTISEMENT

المرونة لا تعني أن أي شيء يمكن أن يحمل هذا الاسم

ثمة اعتراض وجيه. فوصم المَزّة بالمرونة قد يطمس الفروق اللبنانية والسورية والتركية واليونانية والفلسطينية والأرمنية والقبرصية وغيرها، أو يتيح لمطعم أن يسوّق أي مجموعة من الغموسات على أنها «أصيلة». ولا ينبغي أن يحدث ذلك.

الصيغة القابلة للتكيف ليست بلا أصل. فللحمص تواريخه الخاصة ونقاشاته حول التسمية؛ وترتبط المحمرة بقوة بحلب؛ وينتمي الحيدري إلى الممارسة الطهوية التركية؛ كما تحمل أنواع بعينها من الخبز والمخللات والسلطات والأطعمة المحشوة تقنياتها ومجتمعاتها الخاصة. والدقة جزء من الاحترام: سمِّ الطبق بأكبر قدر من التحديد تسمح به الأدلة، ولا تجعل نسخة إقليمية واحدة تتحدث باسم الجميع.

ADVERTISEMENT

طريقة سريعة لمعرفة ما إذا كانت المائدة تؤدي وظيفة المَزّة

تجعل ثلاث دلائل عملية من السهل تمييز هذه الصيغة في المطاعم أو في المنزل.

ثلاث علامات على أن المائدة تعمل وفق نظام المَزّة

1

أطباق مستقلة

ابحث عن أطباق يمكن إضافتها أو إزالتها كلٌّ على حدة، بما يسمح للوجبة بالتكيف مع الموسم أو الميزانية أو الشهية أو الاحتياجات الغذائية.

2

وصول مشترك

ابحث عن خبز أو أداة أخرى تتيح للضيوف أن يخدموا أنفسهم، بدل أن يتلقوا حصصًا فردية محددة.

3

السماح بتفاوت الحصص

تنجح الوجبة حين يستطيع الضيوف أخذ القليل من طبق والمزيد من آخر، فيما تتكيف المائدة من حولهم.

ثالثًا، هل تتجنب الحصص اشتراط أطباق فردية متساوية؟ تلك هي العلامة التي تتيح للضيف أن يأخذ القليل من طبق والمزيد من آخر، فيما تتكيف المائدة من حوله. وقد يقدم مطعم المَزّة في تسلسل أنيق، وقد يضعها المنزل كلها دفعة واحدة؛ والدليل المفيد هو العلاقة بين الأطباق.

ADVERTISEMENT

عند الطلب أو الاستضافة، اختر أطباقًا متنوعة قابلة للمشاركة، وأبقِ كلًّا منها في متناول اليد بصورة مستقلة، وضع خبزًا أو حاملًا مرنًا آخر، ودع عدد الأوعية يتناسب مع عدد الجالسين إلى المائدة.