ما يبدو كأنه سحابة يسلط عليها الضوء من الخارج هو، في ألمع قلب سديم الجبار، شيء أغرب وأجمل: فالغاز يصنع ضوءه بنفسه. هذا اللون ليس زينة أضافها تلسكوب أو مصور. بل هو دليل فيزيائي على ما يفعله السديم.
ويقول الوصف المبسط الصادر عن مشروع 2MASS التابع لـ Caltech وIPAC ذلك بوضوح: سديم الجبار منطقة H II، أي سحابة من غاز الهيدروجين تنشطه نجوم فتية، ويأتي توهجه الأحمر البصري من الهيدروجين بعد إعادة الاتحاد. قد يبدو هذا تقنيًا للوهلة الأولى، لكن فكرته بسيطة بما يكفي لتبقى في الذهن. فالسحابة لا تجلس هناك مكتفية بضوء النجوم. بل يجري التأثير فيها من الداخل.
غالبًا ما تكون أولى تخميناتنا خاطئة، ولسبب مفهوم. فنحن نعرف كيف يبدو الضباب في ضوء المصابيح الأمامية، أو الدخان تحت مصباح شارع. وقد يبدو السديم مشابهًا لذلك: مكان مظلم، وبعض النجوم اللامعة، وسحابة تلتقط ضوءها.
وبعض السدم تتصرف فعلًا على نحو أقرب إلى المرايا، أو على الأقل إلى بعثرة الضوء عبر الغبار. فالغبار يستطيع عكس ضوء النجوم وبعثرته، ولا سيما الأطوال الموجية الزرقاء الأقصر، وفي كثير من صور الفضاء يكون لهذا الأثر شأن مهم. لكن الوهج المركزي الساطع في سديم الجبار لا يمكن تفسيره بالانعكاس وحده.
ويبدأ السبب بالنجوم الكامنة داخل السديم وفي جواره. فالجبار منطقة لتشكل النجوم، وبعض نجومه الفتية حار بما يكفي ليغمر السحابة المحيطة بضوء فوق بنفسجي قوي. والأشعة فوق البنفسجية تحمل من الطاقة ما يكفي لاقتلاع الإلكترونات من ذرات الهيدروجين.
قراءة مقترحة
وهذا ما يقصده الفلكيون بمنطقة H II. فـ «H» تعني الهيدروجين. و«II» تعني أن الهيدروجين مؤيَّن، أي منزوع الإلكترون. وبدلًا من سحابة ساكنة، تصبح أمامك غازات شحنتها نجوم فتية قريبة.
والآن توقف عند الجزء الغريب: لماذا تشع سحابة في الفضاء بدلًا من أن تعكس الضوء فحسب؟
لو كان هذا مجرد ضوء منعكس، فما الذي كنت ستتوقعه من لون السحابة؟ كنت ستتوقع أن يردد في الغالب لون النجوم التي تضيئها، مع قيام الغبار ببعثرة ذلك الضوء أو إعتامه. لكن وهج الجبار الساطع مصدره الغاز نفسه، وهذا الضوء الوردي البنفسجي ليس زينة بل دليل: فالهيدروجين يبعث أطوالًا موجية محددة بعد أن يتلقى الطاقة.
تغمر النجوم الفتية الحارة في الجبار السحابة المحيطة بإشعاع فوق بنفسجي عالي الطاقة.
تقتلع تلك الطاقة الإلكترونات من ذرات الهيدروجين، فتحول المنطقة إلى هيدروجين مؤين، أو H II.
ثم تعود الإلكترونات الحرة لاحقًا فتتحد من جديد مع الذرات.
ومع استقرار الإلكترونات في حالات طاقة أدنى، تطلق أطوالًا موجية محددة، من بينها خط H-alpha الأحمر.
ولهذا قد يبدو السديم كأنه مضاء من الداخل. وهو كذلك فعلًا. فالتوهج ليس ضوءًا مستعارًا بالمعنى المعتاد. إذ يمتص الغاز طاقة النجوم ثم يعيد بعضًا منها على هيئة ضوء مرئي يصدر عنه هو.
وحين تعرف ذلك، يتوقف اللون عن كونه مؤثرًا بصريًا خاصًا. فهذه الدرجات الوردية والحمراء والبنفسجية إشارة مقروءة إلى أن الهيدروجين المؤين موجود هناك ويبعث الضوء بنشاط.
ومن المفيد أن نتمهل هنا ونضع الجبار في مهمته الحقيقية. فليس هذا مجرد سحابة جميلة. بل إنه أحد أشهر حضانات النجوم في السماء، وهي منطقة يرتبط فيها الغاز والغبار بولادة نجوم فتية.
| المكوّن | الدور الأساسي | ما الذي يغيره في الصورة |
|---|---|---|
| الغاز المؤين | يبعث الضوء بعد أن تنشطه نجوم فتية حارة | يسيطر على الوهج المركزي الساطع |
| الغبار | يحجب الضوء ويشكله بدلًا من أن يتوهج بالطريقة نفسها | يصنع ممرات داكنة وتباينًا أشد |
| الضوء المنعكس | يبعثر ضوء النجوم في بعض أجزاء السديم | قد يسهم محليًا، لكنه لا يفسر الوهج المركزي الرئيسي |
وهنا يبرز اعتراض وجيه. فإذا كانت الألوان حقيقية من الناحية الفيزيائية، فلماذا تختلف الصور المنشورة للجبار إلى هذا الحد؟
لأن الصور اختيارات بقدر ما هي سجلات. فقد يجمع الفلكيون وصانعو الصور بين تعريضات مختلفة، أو يستخدمون مرشحات ضيقة النطاق تعزل أطوالًا موجية بعينها، أو يمزجون بيانات الضوء المرئي وتحت الأحمر. وهذا يمكن أن يغير اللوحة اللونية الدقيقة من نسخة إلى أخرى، حتى حين تكون خطوط الانبعاث الأساسية حقيقية.
لذلك نعم، بعض ما يجذب عينك في صورة شهيرة للجبار ناتج من قرارات المعالجة، وبعضه من بعثرة الغبار للضوء. لكن ذلك لا يبدد الحقيقة الأساسية. ففي القلب المركزي الساطع من سديم الجبار، يكون الوهج في جوهره ضوء الغاز المنشط نفسه، ولا سيما الهيدروجين، وهو ينبعث في الفضاء.
وهذا هو الجزء الجدير بأن يبقى في الذهن. فأنت لا تحتاج إلى كتاب كامل في التحليل الطيفي. يكفيك أن تعرف الآلية: النجوم الفتية تنشط الغاز، والهيدروجين المؤين يعيد الاتحاد، ثم تشع السحابة بألوان محددة تفضح حقيقتها.
إن الوهج الساطع في سديم الجبار هو ضوء يبعثه الهيدروجين بعد إعادة الاتحاد.