لا يحتوي شريط الفيلم على صور متحركة، حتى وإن كان هذا هو الإحساس الذي يراودك من مقعدك؛ بل يحتوي على سلسلة طويلة من الصور الثابتة، وتجعلها آلية بسيطة تبدو نابضة بالحياة.
إذا أردت أن تفهم ذلك، فعليك أن تغادر قاعة العرض وتتجه إلى غرفة التشغيل. هناك في الخلف، لا تقوم الخدعة على الغموض، بل على التوقيت.
أمسك شريطاً من أفلام السينما بيدك، وتأمله إطاراً إطاراً. كل مستطيل صغير فيه هو صورة فوتوغرافية واحدة. لحظة، ثم اللحظة التالية، ثم التي بعدها.
وهذا هو الأساس كله. فالشخص الذي يمشي عبر الشاشة لم يُخزَّن على البكرة بوصفه حركة. ما خزنه الشريط هو تتابع من الصور الثابتة المنفصلة التُقطت بسرعة كافية لإظهار تغيرات صغيرة من إطار إلى الذي يليه.
لا شيء على الشريط يتحرك.
إليك اختباراً سريعاً يمكنك أن تجريه في ذهنك. فكّر في دفتر الصور المتقلبة، أو في مجموعة صور متتابعة التقطها هاتفك. كل صورة ثابتة. والحركة لا تأتي إلا حين تُعرض واحدة بعد الأخرى.
والآن أضف سؤالاً آخر: ماذا لو تغيّرت تلك الصور من دون انقطاع مظلم صغير بينها؟ احتفظ بهذه الفكرة، لأن تلك الفجوة ستتضح أهميتها أكثر مما يظنه معظم الناس.
قراءة مقترحة
لا يستطيع جهاز العرض أن يسحب الفيلم في مسار واحد متواصل بسلاسة. فلو فعل ذلك، لمرّ كل إطار أمام العدسة وهو يندفع بينما الضوء مسلط عليه، ولتحولت الصورة على الشاشة إلى لطخة مشوشة.
بدلاً من ذلك، تُقدِّم الآلة الشريط في دورة متكررة من التوقف والانطلاق، بحيث يمكن لكل إطار أن يمكث أمام العدسة زمناً يكفي ليظهر بوضوح.
تلتقط الأسنان الثقوب المسننة على حافة الفيلم.
تشد الآلية الشريط إطاراً واحداً في كل مرة بدلاً من تركه ينساب باستمرار.
يتوقف كل إطار أمام العدسة لكي يُسقط المصباح صورة حادة على الشاشة.
تمسك حركة شبيهة بالمخلب بالشريط، ثم تتركه وتعود إلى موضعها استعداداً للإطار التالي في تعاقب سريع.
الخطوة الأساسية الخفية ليست مزيداً من الضوء، بل ظلاماً مضبوط التوقيت. إذ يحجب الغالق الانتقال بين الإطارات حتى لا يرى الجمهور الفيلم وهو يُسحب إلى موضعه.
تجذب الآلية الفيلم بعنف نحو موضع الإطار التالي.
يحجب الغالق الضوء بينما يكون الفيلم في حالة حركة، بحيث يبقى الانتقال مخفياً.
يثبت الإطار الجديد في مكانه أمام العدسة لبرهة قصيرة.
يفتح الغالق ويُسقط المصباح الإطار الثابت على الشاشة.
هذه هي الأعجوبة الصغيرة الحقيقية في الأمر. فبين إطار مضاء وآخر، توجد فواصل سوداء دقيقة فيما تراه. لكنها تتلاشى لأن الغالق يقطع رؤيتك بسرعة تكفي لإخفاء المسير المتقطع للفيلم بين توقف وانطلاق.
ولو وقفت إلى جانب الآلية، لوجدت نفسك تفكر بلغة الأجزاء: سحب، توقف، ومضة، ظلام، ثم سحب من جديد. أما من المقاعد، فتذوب تلك الفواصل السوداء في فعل واحد متدفق.
وقد خففت أنظمة العرض المختلفة الوميض بطرق متعددة، وغالباً ما كان ذلك عبر إظهار كل إطار أكثر من مرة باستخدام غوالق متعددة الشفرات. لكن الفكرة البسيطة تبقى نفسها: الظلام هنا ليس عيباً. الظلام هو ما يخفي القفزة.
بعد أن ينجز جهاز العرض دوره، يتولى جهازك البصري الباقي. فهو لا يفحص كل إطار بوصفه حدثاً منفصلاً. بل يدمج سلسلة سريعة بما يكفي لتبدو متصلة.
نحو 50 صورة في الثانية
يستخدم موقع The Brain from Top to Bottom التابع لجامعة McGill هذه العتبة التقريبية لبيان سبب إمكان اندماج الومضات السريعة المتكررة في صورة مستقرة بدلاً من وميض واضح في كثير من الظروف.
ويشير مصدر مبسط ومفيد من موقع The Brain from Top to Bottom التابع لجامعة McGill إلى أن الناس يتوقفون عن ملاحظة الوميض عند نحو 50 صورة في الثانية تقريباً في كثير من الظروف. وهذا ليس رقماً سحرياً واحداً يصلح لكل حالة، لكنه يساعد في تفسير كيف يمكن للومضات المتكررة أن تندمج في صورة مستقرة بدلاً من أن تبدو كأنها ضوء وامض متقطع.
وهنا تحتاج العبارة القديمة عن «استمرار الرؤية» إلى تصحيح صغير. فالصيغة الشائعة تقول إن الشبكية تحتفظ بكل صورة مدة تكفي لكي تتراكب مع التالية، وكأن عينك مجرد لوح يلطخ الصور بعضها فوق بعض.
تعمل الأفلام ببساطة لأن الشبكية تحتفظ بصورة واحدة زمناً يكفي لتتراكب مع الصورة التالية.
هذا التبسيط غير مكتمل. إذ يسهم أيضاً اندماج الوميض ومعالجة الدماغ في تحويل الومضات السريعة إلى حركة ظاهرية.
وعندما تجمع هذه العناصر معاً، تصبح الخدعة متماسكة. فالبكرة تقدم إطارات ثابتة. وآلية النقل تحركها على دفعات. والغالق يحجب الضوء أثناء كل انتقال. ثم تدمج عينك ودماغك تلك الومضات السريعة في حركة.
يتخيل معظم الناس أن الأفلام شريط يحتوي الحركة فيه بطريقة ما مسبقاً. وهذا تصور ذهني خاطئ. أما التصور الأدق فهو آلة تعرض عليك السكون مراراً، وتخفي الحركة، ثم تعرض السكون مرة أخرى.
وحين ترى ذلك، تصبح عروض الأفلام القديمة التوضيحية مفهومة فوراً. فمقطع يُظهر جهاز عرض، أو شريطاً من الإطارات، أو حتى دفتر صور متقلبة بين يديك، كلها تعمل بالمبدأ نفسه: صور منفصلة، وتوقيت مضبوط، وظلام في الموضع المناسب.
راقب أي شريط فيلم أو عرض توضيحي لجهاز عرض، وسمِّ الأجزاء الثلاثة الفاعلة كما تحدث: إطارات ثابتة، ونقل مخفي، وظلام مضبوط التوقيت.