كيف تحيا حلب في رمضان
ADVERTISEMENT

لشهر رمضان لون خاص في حلب والحلبيين. تبدأ هذه الخصوصية قبل شهر رمضان بأيام وأسابيع حيث يترقب الناس قدوم الشهر الكريم ويبدؤون التحضيرات بشراء بعض المواد التي لا غنى عنها في أية مائدة رمضانية، ويقوم البعض بتزيين البيوت والشرفات. في الليلة الأخيرة من شعبان يقوم

ADVERTISEMENT

كثير من الأهالي برصد هلال رمضان. ومع أن هذا التقليد غير مجد في الكثير من الأحيان، إلا أنه يدل على خصوصية شهر رمضان عند الحلبيين، وترقبهم واستعدادهم له. ويعبرون عن ابتهاجهم وفرحهم بقدوم الشهر الفضيل من خلال مجموعة من العادات التي ظل قسم منها كما هو منذ قرون، وعدل قسم آخر بما يتماشى مع متغيرات الزمن.

هناك مدفع رمضان الذي يعلن ثبوت رؤية الهلال رسمياً، وبداية الشهر المبارك. وتجدر الإشارة إلى أن قلعة حلب الأثرية كانت تحتوي على واحد وعشرين مدفعاً رمضانياً تعلن ليس فقط بداية الشهر ونهايته، بل تعلن أيضاً موعد الإفطار اليومي. ولكن معظم هذه المدافع نقل خارج المدينة في الآونة الأخيرة، وأصبح مدفع رمضان مقتصراً على إعلان بداية الشهر.

ADVERTISEMENT

ثم السحور الأول وله نكهة لا مثيل لها، وخصوصاً عند الأطفال المتحمسين للصيام ربما للمرة الأولى في حياتهم. ومع أن كثيراً منهم قد لا يكمل الصيام حتى وقت المغرب، وإنما يفطر قبل ذلك، إلا أن بهجة الأطفال ببراءتهم، وترحيبهم بقدوم شهر رمضان قد تتجاوز أحياناً بهجة الكبار، فكل شيء عندهم جديد. ونذكر هنا أن من تقاليد رمضان الحلبية هي تكريم الطفل في أول يوم صيام له بصدر من الحلوى.

الصورة عبر Afshad على pixabay

يرتبط السحور أيضاً بالمسحراتي الذي يجوب الشوارع والحارات بملابسه التقليدية، ويتكفل بمهمة إيقاظ الناس من أجل السحور، وتنبيههم إلى اقتراب موعد الإمساك. فتراه يطرق أبواب البيوت في الحارات الشعبية، وينادي بصوته الشجي على سكانها بأسمائهم أحياناً من مثل "يا فلان وحّد الله"، "يا نايم وحّد الدايم"، "يا صايم من فرشتك قم"، قارعاً دفّه التقليدي، ومضيفاً ترانيمه وأهازيجه. ومع أن الحاجة الحقيقية إلى المسحراتي ومهمته التراثية في إيقاظ الناس من نومهم انتفت منذ مدة طويلة بوجود المنبهات الحديثة، إلا أن وجوده يظل تقليداً متبعاً، يحاول أهل حلب المحافظة عليه لما له من رمزية عندهم. وليس مستغرباً أن يسهر الناس خصّيصاً في انتظار قدومه وسماع نداءاته ومواويله الحلبية التي تملأ ليالي رمضان. وليس مستغرباً كذلك أن يطلب الأطفال الأذن بالسهر للسبب ذاته، وقد يجابون إلى طلبهم في الكثير من الأحيان.

ADVERTISEMENT

وطالما أننا نتحدث عن التقاليد الليلية، فلا بد أن نذكر فوانيس رمضان التي كانت تشعل في الماضي لإضاءة الطرقات ليلاً. ومع أن الحاجة إليها ـــــــ هي الأخرى ـــــــ انتفت بوجود أنوار الطرقات، إلا أنها تعود الآن إلى الواجهة لأنها رمز من رموز شهر رمضان، وـتصنع الآن بتصاميم حديثة تذكّر بالتصاميم التراثية التقليدية، ولا يكاد بيت يخلو منها.

المعروك الرمضاني

لرمضان عند أهل حلب طقوس لا تعد ولا تحصى، يتعلق الكثير الكثير منها بالطعام والشراب، وهو أمر طبيعي لأن الصائمين يمتنعون عن الأكل والشرب طيلة النهار ويريدون الاستمتاع بوجبة إفطار تعوضهم عن مشقة نهار كامل. وهذا صحيح في كل أنحاء العالم العربي والإسلامي، إلا أن لحلب ـــــــ تاريخياً ـــــــ علاقةً خاصةً مع المأكل والمشرب، ما يضفي على وجبات الإفطار الرمضانية نكهة حلبية بالمعنى الحرفي لهذه الكلمة. يعزو بعض المؤرخين التفنن الحلبي في الطعام والشراب إلى عدة عوامل منها موقع حلب الجغرافي على طريق القوافل بين الشرق والغرب، ما جعل منها بوتقة انصهرت فيها الثقافات، وقد يكون المطبخ الحلبي مرآة لهذا التنوع الثقافي. للمطبخ في حلب إذاً شأن استثنائي ذو سمعة شهيرة في سورية كلها، ولكنه في شهر رمضان تتضاعف أهميته؛ فيهتم الحلبيون وخصوصاً الحلبيات بأصناف الطعام والشراب والحلويات اهتماماً بالغاً، ولهذا فإن الموائد الرمضانية الكبيرة العامرة بمختلف أصناف الأطعمة والمشاريب هي من العادات الحلبية المتأصلة. هذه العادة تكاد تقتصر اليوم على أفراد الأسرة بسبب الوضع المعيشي، ومع ذلك يحافظ الحلبيون على إحيائها لأنها ركن أساسي من طقس الإفطار في رمضان.

ADVERTISEMENT

من طقوس هذه المائدة الرمضانية مثلاً دعوة الأهل والمقربين في منزل العائلة الكبيرة. فتدعو الأم أولادها وأسرهم إلى إفطار اليوم الأول الذي يجب أن يحتوي على المشاوي. ثم هناك أنواع ورق العنب المحشو باللحم والرز (اليبرق)، وأنواع الكبة التي تتميز فيها مدينة حلب (سجل في حلب خمسون نوعاً من الكبب التي لا تتسع هذه المقالة لحصرها)، والمحاشي، إضافة إلى ثوابت مائدة الإفطار وهي برك الجبنة وأنواع الحساء وأصناف السلطات التي لا حصر لها. هذا بالإضافة إلى المعروك (وهو نوع من الخبز السميك المعطر بماء الزهر، وازداد التفنن في الإضافات إليه في السنوات الأخيرة، كالشوكولا والسمسم وغيرها)، وأطباق الحلوى التي تتميز بها مدينة حلب، والتي لا تؤكل إلا في هذا الشهر، كغزل البنات (وهي مزيج من الطحين والسكر المغزول) والكرابيج المحشوة بالقشطة، والشعيبيات بمختلف أصنافها (وهي رقائق عجين محشوة بالجوز أو القشطة أو الفستق ومخبوزة بالفرن)، والقطايف بالعسل، وحلوى الفستق الحلبي التقليدية التي تتكون من قشور الفستق المطحونة وعجينة الجلاش وماء الورد. أما المشاريب فتشمل قمر الدين (وهو مصنوع من المشمش، وقد يصنع سميكاً فيؤكل أكلاً)، ومنقوع التمرهندي والسوس، ولا ننسى أنواع العصائر المختلفة التي تروي الظمأ وتغذي الصائم بما فيها من فيتامينات. ويحضّر الكثير من هذه المشروبات يدوياً في البيوت.

ADVERTISEMENT
من أسواق حلب – المصدر pxhere

من مميزات المطبخ الحلبي عموماً ــــــ وليس في شهر رمضان فقط ــــــ الاستخدام الكثير للفلفل الحار مع مختلف أنواع الطعام، وكذلك دقة استعمال التوابل في الطعام، هذه الدقة التي جاءت نتيجة الخبرات المتراكمة على مدى العصور، واطّلاع أهل حلب على مختلف التوابل التي وصلتهم من مختلف أصقاع الأرض.

ويبقى أن نذكر أن تذوق الطعام سمة أساسية عند أهل حلب، مهما كان وضعهم الاجتماعي، ولكن الفارق بين موائد الأغنياء والبسطاء هو في عدد الأصناف، وليس في نوعيتها. ومن التقاليد التي مازال أهل حلب يحافظون عليها تبادل "السكبات" بين الجيران والسكبة هي مقدار من طبق محضر في البيوت يرسل مع أحد الأطفال إلى الجيران لكي يتذوقوه، ويقوم الجيران بدورهم بإرسال "سكبة" من طبقهم المحضر ذلك اليوم، أو ربما في اليوم الذي يليه.

أما وجبة السحور فأصبح الاعتماد في تحضيرها على ما تبقى من وجبة الإفطار لأسباب اقتصادية من جهة ولرغبة الناس في عدم رمي بقايا الطعام من جهة ثانية.

ADVERTISEMENT

فإذا تركنا الطعام جانباً، نذكر أن من تقاليد رمضان في حلب اللقاءات الاجتماعية سواء أكانت زيارات عائلية أو بين الأصدقاء أم لقاءات في المقاهي بعد الإفطار. فالمقاهي وكذلك حمامات السوق لا تغلق أبوابها حتى الفجر. وفي المقاهي الشعبية يستمع الرواد إلى قصص الحكواتي الذي يروي قصصاً تاريخية بأسلوب مرح يتفاعل معه الجالسون. كما يتم في هذه اللقاءات تبادل التهاني والتبريكات والأحاديث المتنوعة ومسامحة الآخرين والمصالحة وحل الخلافات، فهذا جوهر الصيام في الحقيقة.

الصورة عبر sofdoug على pixabay

يكثر أهل حلب من التعبد في شهر رمضان، ومن العادات المتأصلة أيضاً صلاة التراويح بعد العشاء، والإكثار من الأدعية وقت السحور، وكذلك التقرب من الله عن طريق فعل الخير والتصدق على المحتاجين، وإيتاء زكاة الفطر قبل العيد، وهي ركن أساسي من أركان الإسلام. وفي حلب يوجد الكثير من الجمعيات الخيرية التي تختص بإيصال المساعدات في رمضان إلى مستحقيها. وفي الأيام الأخيرة من الشهر الكريم يحتفي أهل حلب بليلة القدر وهي ليلة مباركة ولها قدسية خاصة عند المسلمين لأنها ليلة نزول الوحي على النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

ADVERTISEMENT

من التقاليد الرمضانية التي ترسخت في السنوات الماضية هي المسلسلات الرمضانية، وهي تقليد يزداد كل عام ليس في حلب وحدها بل في كل سورية. قد يتبادر إلى الذهن أن هذا التقليد يضعف الحياة الاجتماعية لأنه يقلل من اللقاءات، وهذا قد يكون صحيحاً في بعض الأحيان، ولكن البرامج التلفزيونية والمسلسلات الرمضانية تغدو ـــــــ من جهة ثانية ـــــــ فرصة لتبادل الأحاديث، وتسمح بالكثير من النقاشات وتبادل الأفكار حول هذا المسلسل أو ذاك، وهذا يقوّي التفاعل بين الناس في كثير من الأحيان.

من الطقوس الرمضانية التسوق للعيد، وخاصة في النصف الثاني من الشهر حيث تفتح الأسواق الليل كله، ويذهب الناس إلى الأسواق للتبضع أو لمجرد التفرج على الأسواق التي تضج بالحياة وتتزين بالزينة والأنوار التي لا تنطفئ طوال الليل. في رمضان أيضاً يفتتح في حلب الكثير من الأسواق الخيرية التي تهدف إلى توفير البضائع الرمضانية بأسعار مناسبة يستطيع الناس تحمل كلفتها.

ADVERTISEMENT

في أواخر أيام رمضان أيضاً يبدأ الناس بالتحضير لحلويات العيد كالكرابيج والكعك والحلويات الشرقية التي تشتهر فيها مدينة حلب.

الصورة عبر AhmadArdity على pixabay

في العام المنصرم وبعد تضرر المدينة من جراء الزلزال الذي أصابها، جرى ترميم بعض الأماكن الأثرية كالخانات القديمة التي يرجع بعضها إلى أكثر من ألف عام، وأصبحت تقام فيها أنشطة اجتماعية وثقافية متنوعة وخصوصاً في حلب القديمة. هذه الأنشطة تذكر بطقوس رمضان القديمة وتهدف إلى إعادة الألق إلى المدينة واستعادة الذكريات التي انقطعت مدة من الزمن. من هذه الأنشطة تقديم رقصات مولوية (وهي رقصات تراثية معروفة في سورية) والأناشيد الدينية. كما يستمع الحضور إلى الأغاني الطربية والقدود الحلبية المشهورة والتي أصبحت جزءاً من التراث الإنساني العالمي وليس فقط السوري. يشارك الحلبيون والحلبيات في هذه الأنشطة وكلهم أمل في أن تعود مدينتهم المحبوبة بقوة إلى الفرح والأصالة والعراقة.

عائشة

عائشة

·

12/08/2024

ADVERTISEMENT
أدمغة القطط تتقدم في العمر بشكل مدهش مثل أدمغتنا
ADVERTISEMENT

لطالما كانت القطط رفقاء محبوبين تأسر البشر برشاقتها واستقلالها واندفاعاتها العرضية من السحر المحبب. ومع ذلك، وراء عيونها الجذابة وخرخرتها الناعمة يكمن تشابه مذهل مع البشر في الطريقة التي تتقدم بها أدمغتها في العمر. وقد تعمقت الدراسات الحديثة في هذا الموضوع، وكشفت عن أوجه تشابه مثيرة للاهتمام بين التنكس العصبي

ADVERTISEMENT

لدى القطط والبشر، والتي قد يكون لها آثار كبيرة على الرعاية البيطرية وحتى الطب البشري.

1. فهم عمر القطط.

صورة من unsplash

غالباً ما تتم مقارنة عمر القطط بسنوات البشر باستخدام صيغة شائعة: القطة التي يبلغ عمرها عاماً واحداً تعادل تقريباً إنساناً يبلغ من العمر 15 عاماً، والقط الذي يبلغ من العمر عامين يتوافق مع إنسان يبلغ من العمر 24 عاماً، وكل عام إضافي يضيف حوالي أربع سنوات بشرية. يُسلّط هذا التكافؤ الضوء على مدى سرعة نضوج القطط في حياتها المُبكّرة، ويؤكد على عمرها المحدود نسبياً. بحلول منتصف العمر، قد تكون القطة (7-10 سنوات) قابلة للمقارنة بإنسان في الأربعينيات أو الخمسينيات من عمره، بينما تعكس القطة المسنة (أكثر من 10 سنوات) عمليات الشيخوخة المشابهة للإنسان فوق سن الستين.

ADVERTISEMENT

2. رؤى من دراسات عمر القطط.

صورة من unsplash

أهداف دراسات عمر القطط.

تسعى الأبحاث في شيخوخة القطط إلى فهم أفضل للتغيرات الجسدية والإدراكية التي تمر بها طوال عمرها. تشمل الأهداف الرئيسية تحديد علامات الشيخوخة، وفهم بداية الأمراض وتطورها مثل التهاب المفاصل، ومتلازمة الخلل الإدراكي (cognitive dysfunction syndrome CDS)، وإيجاد طرائق لتحسين نوعية حياة القطط المسنة.

الاستنتاجات من دراسات عمر القطط.

تكشف الدراسات أن القطط، مثل البشر، تعاني من انخفاض تدريجي في القدرات الجسدية والعقلية. قد تنام أكثر، أو تصبح أقل نشاطاً، أو تُظهر تغييرات في السلوك. تم تشبيه متلازمة الخلل الإدراكي في القطط بمرض الزهايمر لدى البشر، مع أعراض تشمل الارتباك، والتفاعلات الاجتماعية المتغيرة، والنسيان. وقد دفعت النتائج إلى التركيز بشكل أكبر على التغذية والتحفيز العقلي والرعاية البيطرية المنتظمة للقطط المسنة.

ADVERTISEMENT

3. دراسات عمر أدمغة القطط.

صورة من unsplash

دراسة دماغ القطط.

ركّزت الأبحاث الحديثة على كيفية تقدم أدمغة القطط في العمر، وكشفت عن أوجه تشابه غير متوقعة مع التنكس العصبي البشري. وباستخدام تقنيات التصوير المتقدمة وتحليلات ما بعد الوفاة، لاحظ العلماء تغييرات في دماغ القطط، مثل تراكم لويحات الأميلويد (amyloid) وبروتينات تاو (tau)- وكلاهما من السمات المميزة لمرض الزهايمر لدى البشر.

الاستنتاجات من دراسات عمر أدمغة القطط.

تؤكد الدراسات أن الشيخوخة في أدمغة القطط ليست مجرد مسألة معالجة عصبية أبطأ ولكنها تنطوي على تغييرات كيميائية وبنيوية مماثلة بشكل لافت للنظر لتلك الموجودة في أدمغة البشر المسنين. وتشتمل هذه التغييرات على انخفاض كثافة المشابك العصبية (synaptic)، والالتهابات، وآليات إصلاح الخلايا المعطلة، وكلها تساهم في التدهور المعرفي.

ADVERTISEMENT

4. الارتباط بين شيخوخة دماغ القطط والبشر.

تشير أوجه التشابه بين شيخوخة دماغ القطط والبشر إلى الاشتراك في التدهور المعرفي المرتبط بالعمر على الرغم من الاختلافات الشاسعة في متوسط ​​العمر والعوامل البيئية. إن وجود علامات مرضية مماثلة يفتح آفاقاً للبحث المقارن الذي قد يفيد كلا النوعين. على سبيل المثال، قد تقدم دراسة تطور الخلل الإدراكي لدى القطط رؤى حول الكشف المبكر عن الأمراض العصبية التنكسية البشرية وإدارتها.

5. الآثار المترتبة على دراسات عمر أدمغة القطط.

صورة من unsplash

تنطوي هذه النتائج على آثار عملية على الرعاية البيطرية. ويمكن أن تعمل أدوات التشخيص والتدخلات المُ تقدمة على تحسين نوعية حياة القطط المُسنّة بشكل كبير. بالنسبة للبشر، قد تلعب القطط دور نماذج قيمة لدراسة الشيخوخة، واختبار علاجات الأمراض العصبية التنكسية. وتؤكد هذه الفائدة المزدوجة على أهمية تعزيز التعاون الوثيق بين الطب البيطري والطب البشري.

ADVERTISEMENT

6. مستقبل دراسات عمر أدمغة القطط.

يحمل مستقبل أبحاث عمر أدمغة القطط وعداً هائلاً، مدفوعاً بالتقدم في التكنولوجيا والتعاون بين التخصصات. يمكن للدراسات الجينية أن تكشف الأساس الجيني للشيخوخة لدى القطط، وتُحدّد العلامات المُميزة التي تؤثر على الصحة الإدراكية. وقد توفر الدراسات الطولية التي تتعقب القطط على مدار أعمارها صورة أوضح لكيفية تأثير العوامل البيئية، والنظام الغذائي، ونمط الحياة على صحة الدماغ.

بالإضافة إلى ذلك، يمكن لتقنيات التصوير غير الجراحية، مثل التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي، أن تقدم رؤى أكثر دقة للتغيرات في الوقت الفعلي في دماغ القطط. كما يمكن للمجالات الناشئة مثل الذكاء الاصطناعي تحليل الأنماط في سلوك القطط والتدهور المعرفي، مما يتيح الكشف المبكر عن الحالات التنكسية العصبية.

بعيداً عن التطبيقات البيطرية، يمكن لهذه الدراسات أن تُفيد الطب البشري. إن أعمار القطط الأقصر تجعلها نماذج مثالية لدراسة تطور أمراض الدماغ المرتبطة بالعمر، مما يُسهّل التجارب الأسرع للتدخلات العلاجية. ومن خلال دمج أبحاث شيخوخة دماغ القطط في أطر علمية أوسع، فإن إمكانية تحقيق اختراقات في صحة الحيوان والإنسان تنمو بشكل كبير.

ADVERTISEMENT

يُمثّل اكتشاف أن أدمغة القطط تتقدم في العمر بطرائق مماثلة للبشر شهادة على البيولوجيا المشتركة التي تربط بين جميع الثدييات. وإذ تسمح هذه الرؤى في تعميق تقدير البشر لرفاقهم من القطط، فإنها تفتح أيضاً آفاقاً جديدة في الطب وعلم الأعصاب. ومن خلال رعاية القطط المسنة والاستثمار في الأبحاث، قد يتمكن الإنسان من إيجاد حلول مفيدة للحيوانات الأليفة والبشر على حد سواء، وهو ما يثبت مرة أخرى أن العلاقة بالحيوانات تتجاوز مجرد الرفقة.

جمال المصري

جمال المصري

·

31/03/2025

ADVERTISEMENT
أوروبا لديها أسوأ فكرة لمواجهة هيمنة سبيس إكس
ADVERTISEMENT

تتمتع وكالات الفضاء الأوروبية، ولا سيما وكالة الفضاء الأوروبية (ESA) ووكالة الفضاء الفرنسية (CNES)، بتاريخ طويل من المبادرات التعاونية التي تقودها الحكومات. وبينما أنتجت هذه الجهود بعثات علمية رائعة، إلا أن الاستجابة الأخيرة لهيمنة سبيس إكس تبدو غارقة في البيروقراطية. فبدلاً من تحفيز الشركات الخاصة على الابتكار بحرية - كما

ADVERTISEMENT

فعلت الولايات المتحدة مع سبيس إكس وبلو أوريجين وغيرهما - تتضمن استراتيجية أوروبا تشكيل برامج تطوير ضخمة متعددة الجنسيات مثل ArianeGroup وThales Alenia Space، بميزانيات وجداول زمنية خاضعة لرقابة صارمة. غالبًا ما تعاني هذه المشاريع من بطء التطوير وارتفاع التكاليف بسبب التدخل السياسي ونقص المنافسة والمرونة المحدودة. يتمثل أحدث إجراء مضاد لأوروبا في إطلاق برنامج Ariane 6، وهو مشروع صاروخ ثقيل متأخر عن الجدول الزمني لسنوات ويبدو بالفعل أدنى من الناحية التكنولوجية من صاروخ فالكون 9 التابع لشركة سبيس إكس، ناهيك عن نظام Starship الضخم. الأسوأ من ذلك، أن صاروخ أريان 6 غير مصمم ليكون قابلاً لإعادة الاستخدام، مما يُقوّض جوهريًا فعالية التكلفة - وهو مبدأ بنت عليه سبيس إكس إمبراطوريتها.

ADVERTISEMENT
صورة بواسطة ESA/P. Sebirot, CC BY-SA 3.0 IGO على wikipedia

إعادة الاستخدام والمرونة: مواطن القصور الأوروبية

كانت إعادة الاستخدام من أهم إنجازات سبيس إكس. فمن خلال هبوط معززات فالكون 9 بنجاح وتجديدها، خفضت الشركة تكاليف الإطلاق وزادت وتيرة الإطلاق بشكل كبير. وقد وضع إحجام أوروبا عن إعطاء الأولوية لتكنولوجيا إعادة الاستخدام في وضع غير مواتٍ لها. على الرغم من أن مسؤولي وكالة الفضاء الأوروبية قد ألمحوا إلى مشاريع مستقبلية لإعادة الاستخدام مثل نموذج ثيميس التجريبي ومحرك بروميثيوس، إلا أن هذه المفاهيم لا تزال على بُعد سنوات من النضج التشغيلي - وهناك القليل من الوضوح بشأن ما إذا كانت ستُضاهي وتيرة سبيس إكس. بدلاً من إعادة النظر في نهجها، تواصل أوروبا الاعتماد على الصواريخ التي تنطلق مرة واحدة ثم تحترق في الغلاف الجوي. إنه نموذج نجح في التسعينيات، لكنه اليوم يبدو عتيقًا. حتى الصين، وهي منافس فضائي رئيسي آخر، تستثمر بكثافة في الأنظمة القابلة لإعادة الاستخدام. إن فرصة أوروبا للحاق بالركب تضيق بسرعة. علاوة على ذلك، تسمح مرونة سبيس إكس لها بتلبية احتياجات مجموعة واسعة من العملاء - من مهمات ناسا إلى حمولات الأقمار الصناعية التجارية، وبرامج مشاركة الرحلات، وحتى السياحة الفضائية. لا تسمح الأطر الأوروبية الصارمة بمثل هذه القدرة على التكيف. مع أقل من اثنتي عشرة عملية إطلاق سنويًا، لا يمكن للصواريخ الأوروبية ببساطة أن تضاهي سرعة تحول سبيس إكس وحجمها. وهذا يترك الشركات الأوروبية معتمدة على مزودي الإطلاق الأجانب، مما يمنح سبيس إكس، ومن المفارقات، هيمنة أكبر على السوق.

ADVERTISEMENT
صورة بواسط ignis على wikipedia

إضاعة فرصة بناء كوكبات الأقمار الصناعية الضخمة

تُعدّ كوكبات الأقمار الصناعية الضخمة مجالاً رئيسياً آخر في البنية التحتية الفضائية الحديثة. وقد نشرت شركة سبيس إكس بالفعل أكثر من 6000 قمر صناعي، مُنشئةً بذلك شبكة إنترنت عالمية لا تُدرّ إيرادات فحسب، بل تُعطي سبيس إكس أيضاً نفوذاً سياسياً وحضوراً استراتيجياً في المناطق التي تفتقر إلى الخدمات. في غضون ذلك، لم تبدأ أوروبا إلا بالكاد. رداً على ذلك، أعلن الاتحاد الأوروبي عن خطط لإنشاء كوكبته الخاصة - IRIS² (البنية التحتية للمرونة والترابط والأمن عبر الأقمار الصناعية) - وهو مشروع لا يزال في مراحله التخطيطية الأولى. ومع ذلك، يُحذّر النقاد من أن IRIS² يُعاني من نفس المشاكل التي تُعاني منها مبادرات الفضاء الأوروبية الأخرى: بطء الطرح، ومحدودية مشاركة القطاع الخاص، وعدم وضوح الجدوى على المدى الطويل. وبينما تُناقش أوروبا أخلاقيات ولوجستيات الشراكات بين القطاعين العام والخاص، أطلقت سبيس إكس بالفعل الجيل التالي من أقمار ستارلينك الصناعية. وبدلاً من التمويل السريع للشركات الناشئة التنافسية في جميع أنحاء أوروبا أو تقديم منصات إطلاق مفتوحة، يبدو أن بروكسل مُصرّة على بناء شبكتها الخاصة التي تُديرها الدولة تحت إشراف صارم. في حين أن الحذر الأمني والتنظيمي مفهوم، إلا أن هذا النهج يُخنق الابتكار ويُخاطر بفقدان أهميته. تتحرك سبيس إكس بسرعة فائقة، وبحلول الوقت الذي يصل فيه IRIS² إلى مداره، قد تكون ستارلينك قد سيطرت على السوق بالكامل.

ADVERTISEMENT
صورة بواسطة NASA/Jim Grossmann على wikipedia

ما الذي يُمكن لأوروبا فعله كبديل - ولماذا هذا مهم؟

لا تزال أوروبا تمتلك الموهبة والموارد والطموح اللازمين لتكون رائدة في مجال الفضاء - ولكن يجب أن تتطور استراتيجيتها. يكمن السر في إعادة النظر في كيفية حدوث الابتكار. فبدلاً من المراهنة بكل شيء على برامج ضخمة تقودها الدولة، يُمكن لأوروبا إطلاق مبادرة حاضنة على مستوى القارة، تُتيح فرص التمويل والاختبار للشركات الناشئة في مجال الفضاء الجوي ذات الأفكار المبتكرة. يُعدّ خلق بيئة تنافسية تُمكّن شركات مثل Rocket Factory Augsburg وPLD Space وIsar Aerospaceمن الازدهار بشكل مستقل أمرًا بالغ الأهمية. بالإضافة إلى ذلك، يُمكن لأوروبا تطوير بنية تحتية مشتركة - مثل منصات الإطلاق المعيارية، وميادين الاختبار، ومستودعات الوقود - لدعم الشركات الصغيرة. كما يُمكن لاتفاقيات التعاون مع برامج الفضاء الحليفة مثل JAXAفي اليابان وCSAفي كندا أن تُساعد في تجميع الموارد وفتح أسواق جديدة. التحدي وجودي. لا يقتصر نجاح سبيس إكس على الصواريخ فحسب، بل يتعداه إلى التحول الثقافي. فقد ضخّت شركة إيلون ماسك ديناميكية وادي السيليكون في مجال الفضاء، مُثبتةً أن الفضاء لم يعد حكرًا على الحكومات. إذا لم تبتعد أوروبا عن نموذجها المُركّز على الفضاء، فإنها تُخاطر بالتخلف الدائم، ليس فقط في التكنولوجيا، بل في النفوذ والصناعة والفرص. يُصبح الفضاء الحدود الاقتصادية القصوى. من يُشيّد طرقه السريعة - مركبات الإطلاق، وشبكات الأقمار الصناعية، والقواعد القمرية - سيُشكّل الاتصالات العالمية، وأنظمة الدفاع، والتقدم العلمي، وحتى مراقبة المناخ. قد تعكس خطة أوروبا الحالية أمجاد الماضي، لكن المنافسة في المستقبل تتطلب تفكيرًا جديدًا وجريئًا. وإلا، فلن تكون سبيس إكس وحدها هي الفائزة، بل فلسفة ابتكار كاملة تُبقي أوروبا في المؤخرة.

عبد الله المقدسي

عبد الله المقدسي

·

11/07/2025

ADVERTISEMENT