لم يكن النهر في القاع هو الذي نحت الوادي من حوله في المقام الأول. يبدو ذلك خطأً للوهلة الأولى، لأن الماء ما زال هناك يلتف عبر الوسط، لكن يمكنك اختبار هذه الفكرة بنفسك إذا بحثت عن ثلاثة أمور: وادٍ يبدو أكبر من أن يكون مجراه المائي قد صنعه، وجوانب ترتفع بانحدار حاد بدلًا من أن تنطبق في شكل V منتظم، وأودية جانبية تنضم إليه من الأعلى بدلًا من أن تلتقي به على مستوى القاع نفسه.
وهذا من أكثر التصحيحات الصغيرة فائدة في قراءة تضاريس الجبال. فنحن معتادون على رؤية نهر ثم إسناد الإزميل إليه. وكثيرًا ما يكون النهر قد بدأ العمل فعلًا. لكن في كثير من الأودية الجبلية الشهيرة، ولا سيما في المناطق ذات التاريخ الجليدي القوي، جاء النحت الأثقل لاحقًا على يد الجليد النهري، إذ وسّع وعمّق واديًا نهريًا أقدم، ثم ترك المجرى المائي الحديث يشغل ما خلّفه وراءه.
قراءة مقترحة
الفارق الأساسي لا يتعلق فقط بما يشغل الوادي الآن، بل بكيفية تشكّل الحوض كله.
| السمة | وادي تهيمن عليه الأنهار | وادي شكّلته الأنهار الجليدية |
|---|---|---|
| الشكل العام | على هيئة V | على هيئة U |
| قاع الوادي | ضيّق | قاع أعرض |
| الجوانب | منحدرات مائلة | جدران أشد انحدارًا |
| الفعل التحاتي الرئيسي | متركّز قرب المجرى | يمتد عبر القاع والجوانب |
| الانطباع البصري المعتاد | المجرى يلائم الوادي | الحوض يبدو أكبر من أن يفسّره المجرى |
شكلَا U وV من الرسوم المدرسية، نعم، لكنهما ليسا مجرد رسوم كرتونية تعليمية. فخدمة المتنزهات الوطنية في الولايات المتحدة تستخدم هذا التمييز البسيط في شروحها العامة للأودية ذات الشكل U، والأودية المعلّقة، والفيوردات: إذ تستطيع الأنهار الجليدية أن توسّع الأودية وتعمّقها بما يتجاوز كثيرًا ما يقدر عليه المجرى الحالي وحده في العادة. وهذه قاعدة أولية جيدة، لأنها تطابق ما يمكنك رؤيته فعلًا من موقف على جانب الطريق أو من مسار على حافة مرتفعة.
انظر إلى المقطع العرضي كله من أحد الجانبين إلى الآخر قبل أن تدع المجرى المائي يفسّر لك المشهد.
إذا بدا القاع عريضًا وكانت الجوانب ترتفع في قوس أكثر حدة من الوادي النهري المعتاد، فسجّل هذا التباين.
اسأل نفسك ما إذا كان الماء يبدو ساكنًا متواضعًا في وادٍ بُني لشيء أكبر بكثير.
هذا التباين في الحجم أهم مما يدركه كثيرون. فوجود مجرى ضيق متعرج على قاع وادٍ عريض ليس دليلًا قويًا على أن هذا المجرى هو الذي بنى الوادي. بل قد يكون العكس تمامًا: علامة على أن الشاغل الحالي أصغر بكثير من أن يفسّر الحيّز الذي يشغله. وهذه هي الخدعة البصرية الأساسية في المقال.
وثمة دلائل إضافية أيضًا. من بينها القاع العريض أو شبه المستوي الذي يتيح للنهر مساحة للتلوّي. ومن بينها كذلك النتوءات الجانبية المبتورة. ففي الوادي النهري كثيرًا ما تمتد الحواف إلى داخل الوادي على هيئة نتوءات مدببة، لأن الماء ينساب من حولها. أما النهر الجليدي، بما أنه كتلة سميكة بطيئة لا تميل إلى المراوغة، فيقطع تلك البروزات ويترك نهاياتها مفلطحة، كأن أحدهم سوّاها بمسحاج هائل.
وللإنصاف، فهذه القراءة الأولى ليست ساذجة إطلاقًا. فالنهر يجلس في الوسط، والوادي يقود بصرك على امتداد مجراه، والأنهار تنحت الأودية فعلًا. ولو ألقيت نظرة سريعة، لقلت إنه وادٍ صنعه نهر ومضيت. لكن اطرح سؤالًا أصعب: هل تترك المياه الجارية وحدها عادةً حوضًا بهذا الاتساع، وبهذه الجوانب الشديدة الانحدار، ومع هذه النتوءات المبتورة، وهذه الأودية الجانبية التي تصل مرتفعة فوق القاع الرئيسي؟ هنا تبدأ إجابة «النهر وحده» في التراجع.
تُسمّى هذه الأودية الجانبية المرتفعة بالأودية المعلّقة. وتشرحها خدمة المتنزهات الوطنية ببساطة: لقد نحت نهر جليدي رافد واديه الخاص، لكن النهر الجليدي الرئيسي نحت الحوض الرئيسي على عمق أكبر، فلما اختفى الجليد بقي الوادي الجانبي معلّقًا فوقه. تستطيع الأنهار أن تلتقي الأنهار على المستوى نفسه بصورة منتظمة. أمّا الأودية المعلّقة فهي من أوضح العلامات على أن الجليد هو الذي قام بالعمل الأكبر.
الماء المتبقي يبدو متواضعًا أكثر من أن يفسّر حجم الحوض المحيط به.
قاع الوادي الفسيح يوحي بتوسّع يتجاوز ما ينحته عادةً مجرى صغير حديث بمفرده.
الارتفاع الأكثر حدة على جدران الوادي يبتعد بك عن شكل V المنتظم ويقرّبك من التوسيع الجليدي.
فبدلًا من الالتفاف حول البروزات المدببة، يقطعها الجليد ويترك نهاياتها مبتورة.
حين تنضم الأودية الرافدة من الأعلى بدلًا من الالتقاء قاعًا بقاع، فالأرجح أن الحوض الرئيسي قد تعمّق بقوة أكبر بفعل الجليد.
وهناك أيضًا أثر أعمق من الحفر يُسمّى التعميق المفرط. وبعبارة بسيطة، تستطيع الأنهار الجليدية أن تجرف أجزاء من قاع الوادي إلى مستوى أخفض من المخرج السفلي، فتنتج حوضًا أعمق وأكثر اتساعًا مما يوحي به النحت النهري العادي. ولا تحتاج إلى رسم كل خطوط الكنتور كي تلمح ذلك. ففي كثير من الأحيان، يكفي أن يبدو الوادي الرئيسي كله كأنه أكبر من أن يفسّره المجرى الذي يشق طريقه فيه الآن.
نحو 112,000 وادٍ
قاست دراسة أُجريت عام 2015 الأودية عبر أوروبا وغرب آسيا، ووجدت أن الفروق بين الأشكال المنحوتة نهريًا وتلك المعدّلة جليديًا تظهر على نحو كمي، لا في الرسوم التعليمية وحدها.
وإذا كنت تتساءل عما إذا كان الجيولوجيون قد اختبروا فعلًا قاعدة U مقابل V القديمة، فالجواب نعم. ففي عام 2015، نشر مارتن براسيتشيك وزملاؤه دراسة في Scientific Reports قاسوا فيها نحو 112,000 وادٍ عبر أوروبا وغرب آسيا. وكانت النتيجة العامة مطمئنة من الناحية العملية: فالفارق بين الأشكال النهرية المعتادة، أو الأودية المنحوتة بالمياه الجارية، وبين الأودية المعدّلة جليديًا يظهر كمّيًا عبر عيّنة شديدة الاتساع، لا في الرسوم الأنيقة وحدها.
لكن هذا لا يعني أن كل وادٍ يطابق نمطًا خالصًا. وهنا الحدّ الذي ينبغي الاعتراف به بصدق. فكثير من الأودية الجبلية لها تاريخ مختلط: بدأت الأنهار بشقها، ثم جاءت الأنهار الجليدية فوسّعتها، ثم عادت الأنهار بعد انحسار الجليد لتعيد تشكيل القاع. لذلك لا تكون أفضل قراءة غالبًا هي «نهر» أو «جليد» بمعنى المؤلف الواحد الصارم. بل هي: «النهر بدأه، والجليد تولّى الرفع الثقيل، ثم ورث النهر النتيجة».
وهذا التاريخ المختلط أحد أسباب سوء قراءة الأودية العريضة. يرى المرء المجرى المائي ويفترض أن العملية الحاضرة هي صاحبة الفعل الرئيسي. لكن الجيولوجيا أقل ترتيبًا من ذلك. فالنهر الذي تراه الآن قد يكون نشطًا، لكنه قد يكون أيضًا يعيش في وادٍ شُكّل على مقياس مختلف بفعل جليد اختفى منذ زمن.
ويبقى اعتراض وجيه: فالأنهار تحفر أودية عميقة، وبعضها بالغ الدرامية حقًا. وهذا صحيح تمامًا. فالفارق ليس أن الأنهار تصنع أشكالًا صغيرة فقط، وأن الجليد يصنع أشكالًا كبيرة فقط. بل إن الشكل ومجموعة الدلائل مجتمعة هما ما يهم.
يميل الوادي الذي تهيمن عليه الأنهار إلى أن يُقرأ على هيئة V، لأن التعرية تتركّز في المجرى وعلى المنحدرات التي تغذّيه بالركام. أما الوادي الذي يهيمن عليه الجليد فيُقرأ على هيئة U، لأن الجليد شغل العرض الكامل وفرك القاع والجدران معًا. وإذا أضفت الأودية المعلّقة أو النتوءات المبتورة، ازدادت الحجة قوة. أبقِ النمط الكامل أمامك؛ ولا تراهن بكل شيء على حرف واحد من حروف الأبجدية.
وإذا كنت تحب أن تمتلك اختبارًا ميدانيًا، فاستعمل هذا الفحص الذاتي. قارن بين حجم المجرى المائي وحجم الحوض الذي يحيط به وشكله. فإذا بدا الماء أصغر من أن يفسّر عرض الوادي وعمقه وجوانبه الشديدة الانحدار، فاعتبر ذلك علامة على بصمة جليدية لا دليلًا على أن النهر هو صاحب التأليف.
ترى النهر في الوسط فتفترض أن النهر هو الذي صنع الوادي.
قارن بين حجم المجرى واتساع الوادي وشدة انحدار جدرانه والأودية الجانبية؛ فإذا بدا المجرى أصغر من أن يفسّر حوضًا عريضًا شديد الجوانب، فاقرأ الوادي على أنه وادٍ وسّعه الجليد.
في نزهتك المقبلة، أو أثناء القيادة، أو حين تتوقف أمام خريطة أو صورة، أجرِ مقارنة سريعة واحدة قبل أي شيء آخر: أولًا المجرى المائي، ثم جدران الوادي، ثم الأودية الجانبية. فإذا بدا المجرى أصغر من أن يفسّر المشهد، وبدا الحوض عريضًا شديد الجوانب وتنضم إليه أودية جانبية معلّقة من الأعلى، فاقرأه على أنه نهر يشغل واديًا وسّعه الجليد.