قبل أن تتربع الغيتار على المشهد، كان العود يحمل عالماً موسيقياً قائماً بذاته

ADVERTISEMENT
ADVERTISEMENT

قبل أن تصبح الغيتار آلة الوتريات الافتراضية في العالم، كان العود يحمل بالفعل لغة موسيقية مكتملة تخصّه؛ ومع أن الآلتين قد تبدوان قريبتين من النظرة الأولى، فإن أسرع طريقة للتمييز بينهما هي التمعّن في ثلاث علامات ظاهرة في العود نفسه.

العود آلة وترية قصيرة العنق وخالية من الدساتين، تُعزف في العوالم الموسيقية العربية والفارسية والتركية وفي فضاءات أوسع من حوض المتوسط. وقد أدرجت اليونسكو في عام 2022 «صناعة العود والعزف عليه» على قائمتها التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية، وهي طريقة مباشرة للقول إن العود ليس مجرد شيء مادي، بل ممارسة حيّة في الصنع والتعليم والأداء.

ADVERTISEMENT

قراءة مقترحة

تصوير ماريو لا بيرغولا على Unsplash

دقّق النظر: ثلاث علامات تخبرك أن هذه ليست غيتارًا

ثلاث سمات مرئية تجعل التمييز سهلًا: العنق، والجسم، وفتحات الصوت، وكلٌّ منها يشير إلى أن العود يتبع منطقًا تصميميًا مختلفًا عن الغيتار.

ثلاث علامات بصرية للعود

عنق بلا دساتين

عنق قصير · من دون دساتين معدنية

لوح الأصابع غير مقسّم إلى درجات ثابتة، ما يتيح للنغمات أن تميل وتنزلق وتستقر بين المواضع التي يحدّدها الغيتار عادة.

ظهر مستدير

جسم يشبه الوعاء · أضلاع خشبية

فبدلًا من الظهر المسطّح، للعود هيكل كمثريّ الشكل مؤلّف من أضلاع رفيعة موصولة معًا، ما يغيّر صوته والطريقة التي يستقر بها على جسد العازف.

وريدات محفورة

فتحات صوت · تقليد حرفي

غالبًا ما يحمل الوجه الصوتي وردة كبيرة تتوزع حولها وردات أصغر، بما يُظهر حرفة الخشب المشغول وتقليدًا زخرفيًا راسخًا، لا مجرد فتحة صوتية بسيطة.

ADVERTISEMENT

توقّف الآن عند الظهر قليلًا، فهنا تبدأ الآلة في أن تصبح مقروءة بين يدي العازف. فالغيتار ذو الظهر المسطّح يمكن أن يستقر على الصدر والفخذ باتصال ثابت ومستوٍ. أما ظهر العود المستدير فلا يفعل ذلك. إنه يستقر أشبه بشيء يُحتضن في الحضن ويُضمّ بالساعد، بحيث يتكيّف العازف معه بدلًا من تثبيته في موضعه.

وهذه الطريقة في الإمساك مهمة. فهي تسهم في إنتاج أسلوب العود الحميم والمتدفّق في الأداء، حيث تتحرك اليد اليمنى غالبًا بريشة طويلة، بينما تنساب اليد اليسرى من غير أن تقطعها الدساتين. ويمكنك أن تشعر، من التصميم وحده، بأن هذه الآلة تدعو إلى جُمَل تنثني وتتنفّس، بدلًا من أن تقفز من خانة ثابتة إلى أخرى.

وهنا التوضيح المفيد: كون العنق بلا دساتين لا يعني أن العود غيتار قديم تنقصه بعض القطع. بل يعني أن الآلة بُنيت وفق منطق موسيقي آخر. ففي كثير من التقاليد العربية والفارسية وما يتصل بها، تُنظَّم الألحان عبر أنظمة مقامية ذات تظليل دقيق للطبقات الصوتية وحركة تعبيرية مرنة، وهو ما تتعامل معه الآلات ذات الدساتين على نحو مختلف. والعود ملائم لذلك العالم من أساسه.

ADVERTISEMENT

ثم يتّسع المشهد: آلة واحدة وقرون كثيرة

وفجأة يتغيّر المقياس. فتلك الوريدات، وذلك العنق القصير، وذلك الظهر المستدير، ليست سمات محلية عارضة. إنها تنتمي إلى آلة انتقلت عبر قصور وبيوت ودوائر تعليم وتقاليد أداء في نطاق تاريخي واسع مترابط.

وعبر المناطق المختلفة، أدّى العود وتقاليد اللوت القريبة منه أدوارًا متمايزة، مع احتفاظها بشبه عائلي واضح.

مسارات إقليمية في التاريخ الأوسع للعود

المنطقة الدور أو التطور الخيط المشترك
العوالم الموسيقية العربية آلة مركزية في الموسيقى الفنية، ومرافقة الغناء، والتأليف، والارتجال، والتعليم عمق لحني وتكشّف تعبيري
فارس تطورت تقاليد لوت قريبة منه جنبًا إلى جنب مع الأنظمة الموسيقية المحلية، والريبرتوار، والتسميات تصميم قصير العنق، مضرابي، متمركز حول اللحن
المتوسط والأندلس انتقلت أشكال من العود غربًا وأسهمت في تشكيل تقليد اللوت الأوروبي الانتقال عبر مناطق ثقافية متصلة
ADVERTISEMENT

وهذا النسب مهم، لكنه يحتاج إلى تناول حذر. نعم، يُوصَف العود كثيرًا بأنه سلف للّوت الأوروبي وجزء من القصة الأطول لعائلة الغيتار. لكن لا، هذا لا يعني أن العود تحوّل ببساطة إلى الغيتار. فالعائلات الموسيقية لا تتحرك في خط مستقيم واحد، والآلات تتغير حين تدخل إلى أيدٍ جديدة، وذخائر موسيقية جديدة، وأنظمة ضبط جديدة.

لماذا تبقى حكاية «السلف» أضيق من الحقيقة

توضيح وصف «السلف»

خرافة

لم يكن العود سوى نسخة مبكرة وخشنة من الغيتار، ثم جاءت أوروبا وطوّرته لاحقًا.

الحقيقة

كان العود أصلًا آلة ناضجة داخل تقاليدها الخاصة، لها حرفتها الراسخة وذخائرها الموسيقية وممارساتها الأدائية المستقرة، وذلك قبل وقت طويل من أن تتخذ الغيتار دورها العالمي الحديث.

وهذا أيضًا هو السبب في أهمية اعتراف اليونسكو عام 2021. فلم يكرّم الإدراج قطعة متحفية. بل اعترف بسلسلة حيّة من المعرفة: صناع يختارون الخشب ويشكّلون الأضلاع، وعازفون يعلّمون الزخرفة واللمسة، وعائلات ومدارس تنقل عالمًا صوتيًا ما يزال ينتمي إلى الحاضر.

ADVERTISEMENT

وإذا أصغيت إلى عازف عود متمكّن، تتضح الفكرة سريعًا جدًا. فالآلة لا تحاول أن تملأ الفراغ بالطريقة التي يفعلها الغيتار المضروب غالبًا. إنها تتكلم في خطوط، ونبرات، وانزلاقات، وسكتات، وانعطافات صغيرة في الطبقة الصوتية، وكل ذلك يعتمد على لوح الأصابع الخالي من الدساتين وعلى الجسم المتجاوب.

ما الذي يجدر أن تلاحظه في المرة المقبلة حين تصادف واحدة

ثلاثة أمور تكفي: عنق بلا دساتين، وظهر على هيئة وعاء، ووريدات محفورة.

استخدم هذا الفحص البسيط. لاحظ العنق الخالي من الدساتين، والظهر ذي الشكل الوعائي، والوريدات المحفورة. يخبرك العنق بأن الموسيقى تستطيع أن تتحرك بين درجات غير ثابتة؛ ويخبرك الظهر بأن الآلة صُممت لتُحتضن لا لتُسنَد كما يُسنَد الغيتار ذو الظهر المسطّح؛ وتخبرك الوريدات بأنك تنظر إلى تقليد حرفي طويل، لا إلى إضافات زخرفية أُلصقت على شكل مألوف.

ADVERTISEMENT

وإذا كانت هذه العلامات الثلاث أمامك، فأنت لا تنظر إلى سلف خشن للغيتار. بل تنظر إلى عود، آلة بُنيت من أجل نحوها الموسيقي الخاص، وما تزال تحمله معها.