أزمة الطاقة: متى سينفد الوقود الأحفوري؟
ADVERTISEMENT

يبدو أنك لا تستطيع تشغيل التلفزيون دون أن تسمع عن آثار تغير المناخ أو الاستخدام الخطير للوقود الأحفوري في جميع أنحاء العالم - ولسبب وجيه! تتزايد الأدلة على أزمة المناخ كل يوم، مع ارتفاع درجات الحرارة العالمية، وارتفاع منسوب المياه، والمزيد من الظواهر الجوية الحادة، والذوبان التاريخي في القطبين الشمالي

ADVERTISEMENT

والجنوبي. كما أصبح تغير المناخ أحد القضايا الساخنة في السياسة المحلية والدولية، وتتعلق نقطة الخلاف الأكثر شيوعاً في هذه المناقشات باستخدام الوقود الأحفوري لتلبية احتياجاتنا من الطاقة، فضلاً عن الانبعاثات الكربونية الضارة الناجمة عن ذلك.

ومع مطالبة أنصار حماية البيئة في مختلف أنحاء العالم بالحد من حرق الوقود الأحفوري بشكل كبير، ومع قيام عدد لا يحصى من الشركات بتطوير حلول خضراء لإنتاج الطاقة، عادت سياسات واقتصاديات الوقود الأحفوري إلى مركز الصدارة في المناقشة العالمية مرة أخرى. أحد الأسئلة الأولى- وإن لم يكن الأكثر أهمية- هو متى سينفد الوقود الأحفوري على كوكبنا؟ كما كنت تتوقع، فإن الإجابة على هذا السؤال ليست بسيطة على الإطلاق.

ADVERTISEMENT

ما هو الوقود الأحفوري؟

الصورة عبر laurentarroues على pixabay

الوقود الأحفوري هو عبارة عن هيدروكربونات بيولوجية موجودة في الأرض، وتشكلت منذ مئات الملايين من السنين.عندما سقطت المواد العضوية الميتة إلى قاع البحر، أو في المستنقعات، ودفنت في نهاية المطاف بالطين والطمي، أصبحت معرضة لكميات هائلة من الضغط، فضلا عن الهضم اللاهوائي بواسطة الكائنات الحية الدقيقة، مما أدى إلى توضّعات غنية بالكربون. يمكن العثور على توضّعات الوقود الأحفوري هذه بأشكال مختلفة حول العالم، وتتكون بشكل أساسي من النفط والغاز الطبيعي والفحم.

الفحم

الفحم هو صخرة رسوبية بنية داكنة أو سوداء تشكلت منذ حوالي 360 مليون سنة. عندما استقرت المواد العضوية في قاع المستنقعات، وتم تغطيتها بعد ذلك بالطين، تحولت في النهاية إلى فحم، يتم تصنيفه من حيث الجودة بناءً على محتواه من الكربون. هناك أدلة على أن الفحم والنفط والغاز قد استخدمت في أشكال بدائية منذ آلاف السنين، وقد تم استخراج الفحم عمداً لمدة ثلاثة آلاف سنة. إن استخدامه في توليد الكهرباء، والمحرك البخاري في بداية الثورة الصناعية، فضلاً عن توفره عالمياً، يجعله واحداً من أكثر أنواع الوقود الأحفوري شيوعاً على هذا الكوكب.

ADVERTISEMENT

النفط

الصورة عبر Zbynek Burival على unsplash

النفط الخام هو عبارة عن مزيج من الهيدروجين والكربون الذي تشكل عندما غرقت العوالق والطحالب في قاع البحر، ودُفنت على مدى ملايين السنين بواسطة الطمي والرواسب. يمكن استخراجه من البر (البحار والبحيرات القديمة) وفي البحر (الحفر المحيطي)، ثم يجري تحويله إلى العديد من الأشكال المختلفة، بما في ذلك البترول والبنزين والديزل وغيرها من المواد البتروكيماوية، والتي يستخدم الكثير منها في إنتاج المواد البلاستيكية الواسع والخطير حول العالم. يعد النفط هدفاً متكرراً لمنتقدي الوقود الأحفوري، لأنه يساهم في تلوث الهواء (عوادم السيارات والشاحنات)، والحوادث/ التسرّبات الكارثية أثناء النقل، والأضرار البيئية أثناء استخراجه في البر والبحر.

الغاز الطبيعي

الصورة عبر KWON JUNHO على unsplash
ADVERTISEMENT

تتألف رواسب الغاز الموجودة تحت الأرض بشكل أساسي من غاز الميثان، وتتشكّل من عمليات مشابهة للفحم، ولكن في ظل ظروف مختلفة، وغالباً ما تصبح منحيسة في الصخور الرسوبية أو المياه المتجمدة. زاد استخراج الغاز الطبيعي في السنوات الأخيرة بسبب تطور التكسير الهيدروليكي المثير للجدل، وعلى الرغم من أنه أقل ضرراً على البيئة من الفحم أو النفط، إلا أنه لا يزال يساهم في تغيير تركيبة الغلاف الجوي وأزمة المناخ. ويعتقد أن هناك احتياطيات هائلة من الغاز الطبيعي بأشكال أخرى (هيدرات الميثان تحت سطح البحر)، والتي لا يزال استخراجها الاقتصادي المجدي. في الانتظار

وعلى الرغم من أن هذا الوقود الأحفوري استغرق مئات الملايين من السنين ليتشكّل، إلا أن الثورة الصناعية، التي بدأت في القرن التاسع عشر، أدت إلى استخراج هذه الموارد واستهلاكها بسرعة لتلبية طلباتنا المتزايدة باستمرار على الطاقة. وقد دفع هذا الكثيرين إلى الخوف من النهاية المُحتملة لإمدادات كوكبنا من موارد الطاقة هذه. وبالنظر إلى مدى التشابك الجوهري الذي أصبحت عليه السياسة والاقتصاد العالميان في قطاع الطاقة، فإن "جفاف الحوض" في حد ذاته يشكل قضية يجب على الجميع أن يأخذها في الاعتبار.

ADVERTISEMENT

ماذا يقول الخبراء؟

الصورة عبر ptra على pixabay

اعتماداً على من تسأل، فإن تقديرات كمية الوقود الأحفوري المتبقية على الكوكب سوف تختلف بشكل كبير. ابتداءً من الخمسينيات من القرن الماضي، مع الجيولوجي إم كينج هوبرت، توقع الخبراء في هذا المجال بشكل متكرر وغير دقيق حجم استخدام الوقود الأحفوري وتأثيره على الكوكب. ولأن النفط مورد محدود، طور هوبرت فكرة "ذروة النفط"، وهي النقطة التي يبدأ عندها إنتاج النفط حتماً في الانخفاض ويتوقف في النهاية. وفي عام 1956، قدَّر أن الولايات المتحدة ستصل إلى ذروة النفط في عام 1970 (وكان هذا صحيحاً بالفعل - في ذلك الوقت!).

ولكي نفهم هذه التقديرات التاريخية، فيتعين علينا أن نبدأ بنسب (R/P) (نسبة احتياطيات النفط المؤكدة إلى معدلات الإنتاج) للوقود الأحفوري. غالباً ما يتم إجراء التقديرات بناءً على احتياطيات النفط المؤكدة في وقت مُعيّن، وذلك على الرغم من التقدم في تقنيات الاستخراج والاحتياطيات المكتشفة حديثاً أو القابلة للحياة حديثاً في جميع أنحاء العالم.

ADVERTISEMENT

في عام 1979، توقع هوبرت أن "ذروة النفط" العالمية ستحدث في عام 2000، بينما في عام 1980، وضع تقدير آخر "ذروة النفط" في مكان ما في عام 2012.

اعتباراً من المراجعة الإحصائية للطاقة العالمية التي أجرتها شركة بريتيش بتروليوم لعام 2016، تشير التقديرات إلى أن لدينا ما يقرب من 114 عاماً من إنتاج الفحم، و53 عاماً من النفط، و54 عاماً من إنتاج الغاز الطبيعي قبل أن "ينفد".

إن العامل المعقد في هذه التقديرات- وهو التناقض الذي عادة ما يستشهد به منكرو تغير المناخ - هو أن مشهد الطاقة في الكوكب يتطور باستمرار. يتم ضخ مليارات الدولارات في مجموعة متنوعة من الصناعات التي تغير متغيرات نسب R/P، بما في ذلك تطوير طرق استخراج/ تكرير أكثر كفاءة، بالإضافة إلى الاكتشاف المستمر لاحتياطيات جديدة. صدق أو لا تصدق، لقد زادت كمية احتياطيات النفط في جميع أنحاء العالم بالفعل في الخمسين عاماً الماضية، على الرغم من استخدامنا الجشع لهذه الموارد، وذلك بفضل مصادر هذا الوقود التي تم العثور عليها والتي تم الوصول إليها حديثاً.

ADVERTISEMENT

من الواضح أن التقييم الدقيق لطول عمر الوقود الأحفوري قد استعصى على الخبراء لمدة 60 عاماً، ولكن بقدر ما قد يبدو الأمر غريباً، فإن معرفة متى سينفد الوقود الأحفوري هو السؤال الخطأ. ما الذي يجب على الخبراء والحكومات الدولية أن يطرحوه على أنفسهم هو: ما هي كمية الوقود الأحفوري المتوفرة التي يمكننا أن نتحمل تكاليف حرقها؟

اعتبارات تغير المناخ

الصورة عبر Markus Spiske على unsplash

كما هو موضح أعلاه، فإن الوقود الأحفوري الذي نعتمد عليه غني بالكربون، وهو الكربون الذي تم التقاطه من الغلاف الجوي وتخزينه في هذه التوضعات الطبيعية. عندما نحرق الوقود الأحفوري، فإننا نطلق كمية معينة من الكربون مرة أخرى إلى الغلاف الجوي، حيث يسلك، كما هو متوقع، سلوك غازات الدفيئة. فهو يحبس الحرارة في الغلاف الجوي، مما يتسبب في ارتفاع درجات الحرارة العالمية بشكل تدريجي. ويتفاقم تلوث الهواء وتلوث المحيطات بالمثل بسبب استخدام مصادر الوقود الكربونية، حيث تبدأ زيادة حموضة المحيطات، وتقلّ جودة الهواء للتنفس، مما يؤدي إلى أمراض الجهاز التنفسي وتقصير متوسط العمر المتوقع.

ADVERTISEMENT

تم تأسيس اتفاق باريس للأمم المتحدة - المبادرة الأكثر صرامةة وشمولية ودعماً على نطاق واسع للحد من انبعاثات الكربون العالمية وتغير المناخ - للحفاظ على متوسط درجة الحرارة العالمية من الارتفاع أكثر من درجتين منذ مستويات ما قبل الثورة الصناعية. لقد قمنا بحساب "ميزانية" الكربون لكوكب الأرض لمنع حدوث ذلك، وهي ما يقرب من 250 مليار طن من الكربون، ضمن ما يقدر بنحو 750 مليار- 1 تريليون طن احتياطي حالياً. وهذا يعني أنه من أجل منع وقوع كارثة مناخية لا رجعة فيها، يجب على البشر أن يتركوا ما بين 65% إلى 80% من جميع احتياطيات الوقود الأحفوري المعروفة في الأرض؛ ويعرف هذا الوقود الزائد باسم "الكربون غير القابل للحرق".

لا يزال هناك المزيد من الجدل السياسي حول استخدام الوقود الأحفوري وتنظيمه، حيث أصبحت صناعات الوقود الأحفوري راسخة بعمق في هياكل السلطة في جميع أنحاء العالم. ومع ذلك، هناك إجماع ساحق بين خبراء المناخ العالمي بشأن عواقب الاستخدام المستمر والمتهور لهذه الموارد. ولهذا السبب كان هناك دفع كبير نحو حلول الطاقة الخضراء المستدامة والخالية من انبعاثات الكربون الإضافية، مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.

عائشة

عائشة

ADVERTISEMENT
السراي الكبير ببيروت ..المقر الحكومي التاريخي
ADVERTISEMENT

إن سراي لبنان الحكومي، أو السراي الكبير كما هو متداول بين الناس، من أجمل وأعرق المباني في لبنان. وقد اتُّخذ مقراً رئاسياً لفترة بعد الاستقلال قبل أن يصبح مقراً لرئاسة الحكومة. كما أطلق عليه البيروتيون قديما اسم "القشلة" وهي كلمة تركية تعني الثكنة أو مقر الجنود. فهيا بنا لنتعرف أكثر

ADVERTISEMENT

على عراقة وجمال هذا المبنى الأثري الفريد من نوعه.

قصة سراي لبنان الحكومي

الامبراطورية العثمانية (المصدر)

كانت بدايته مع السلطات العسكرية العثمانية حيث شيدت السراي على التلة التي يقع عليها اليوم. اتخذتها مقرا لأجهزتها العسكرية والمدنية. كانت القشلة عبارة عن طابق ارضي واحد، واستكمل بناؤها مع طابق سفلي جزئي لإيواء الخيول. مع مرور الوقت، تم توسيعها وإعطاؤها شكلها النهائي، ومن بعدها تحول المبنى إلى مقر للحكام العثمانيين. ومنذ ذلك الحين، بدأ اسم "القشلة" يتحول إلى "سراي الولاية" ثم أصبح "السراي الكبير".

ADVERTISEMENT

ثم مع الانتداب الفرنسي، تحول السراي إلى مقر للحاكم الفرنسي أو المفوض السامي. وكان اسمه في هذا الوقت "المفوضية العليا"، كما أضاف الفرنسيون بعض التعديلات على المكان. وكان بشارة الخوري، أول رئيس للبنان بعد الاستقلال، أول الرؤساء الذين اتخذوا من السراي الكبير مقرا له قبل أن ينتقل الى مكان آخر.

أصبح السراي مقرا لحكومة أول رئيس حكومة بعد الاستقلال رياض الصلح ومن ثم الحكومات المتعاقبة. خلال سنوات الحرب اللبنانية، أصيب السراي بأضرار جسيمة نتيجة القذائف التي سقطت عليه والحرائق التي اندلعت فيه ودمرت معظم أجزائه. قام الرئيس الأسبق رفيق الحريري بمبادرة لبدء العمل في إعادة بناء السراي في إطار خطط الحكومة اللبنانية لإعادة اعمار وسط بيروت.

انتهى الحريري من العمل فيه بعد 900 يوم عمل. وحاول القائمون على إعادة بنائه الحفاظ على طابعه الأثري القديم، مع المزج بين الفنون العثمانية والأوروبية واللبنانية والعربية لتكون جدران السراي وزخرفاته عاكسا لتاريخه. ويضم المقر الجديد جناحا خاصا لسكن رئيس الحكومة، وهو الجناح الذي انتقل إليه رئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة وأفراد عائلته في وقته كرئيس حكومة، وهو أول رئيس حكومة يقيم فيه.

ADVERTISEMENT

محتويات سراي لبنان الحكومي

خشب الجوز (المصدر)

على الرغم من انتماء السراي للعصر العثماني، إلا أن المواد المستخدمة في كل الأعمال الحجرية والخشبية والمعدنية كانت لبنانية الأصل، باستثناءات قليلة، كرخام الكرارا وبعض الخشب المستورد من كندا. لم يستعمل الخشب القطراني إلا قليلاً لندرته، واستعيض عنه بخشب الجوز.

بالنسبة لحجارة القرميد في سقف السراي الكبير فتم استورادها من فرنسا، وتبلغ مساحته 39700 مترا مربعا وتعلوه فتحات تعرف في العمارة العربية والمحلية بـ"بيوت الحمام" التي تضيف للمشهد العام مزيداً من التنوع والتميز فضلا عن وظائفها الفنية والبيئية، حيث بدا السراي الكبير في نهاية المطاف بقرميده الأحمر وواجهاته الحجرية الرملية وقناطره المتنوعة والمتعددة وشرفاته وأبوابه الخشبية نموذجا متجددا لبيروت القديمة.

ADVERTISEMENT

• الطابق الأرضي

الطابق الأرضي له دوره الوظيفي بوجود قاعتين كبيرتين، قاعة الاستقبال الرسمية وقاعة المآدب الرسمية، بالإضافة إلى مكتب لرئيس مجلس الوزراء وآخر لزوجته ومكاتب للإعلام والمؤتمرات الصحفية. يتضمن السراي أيضا قاعة مميزة بعقودها المقببة لم تكن ذات وجود واضح وسط عشوائية الغرف وعدم تنظيمها، فقاموا بإزالة الورق والدهان عن جدرانها وأسقفها وأعيد صقل حجارتها الرملية المميزة ليتم استخدامها لاحقا كمتحف أو معرض دائم.

• الطابق الأول

هو مخصص لأجنحة العمل الإداري من مصالح رسمية ومكاتب ملحقة بالإدارات، توجد بينها ممرات الرخام والجرانيت، والجدران المزخرفة بزخرفة بسيطة. أما بالنسبة للأبواب، فجاءت بسيطة أو مشغولة، تنسجم مع الطابع الداخلي للزخرفة مما يعطيها طابع جمالي فريد من نوعه. أما بالنسبة لقاعة جناج الضيوف، فبها أرضية من الرخام والحجر الأبيض، وسقف مشغول عجمي وحفر تتدلى منها مشربيات خشبية مصنوعة بدقة وحرفية، وبجوار القاعة ديوانية ذات طراز عربي مسقوفة جزئيا بخشب الجوز المشغول الذي تم تزيينه برسومات شامية وعجمية.

ADVERTISEMENT

• الطابق الثاني

يتصف الطابق الثاني بالطابع الرسمي، حيث نجد به قاعة مجلس الوزراء والمكاتب الملحقة والمراسم والأمانة العامة والمدراء العامون بالإضافة إلى الجناح المخصص لسكن رئيس مجلس الوزراء مثل رئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة كما ذكرنا سابقا وغيره.

إسلام المنشاوي

إسلام المنشاوي

ADVERTISEMENT
المدينة الفرنسية ذات الأفق العمراني الإيطالي: شرح مركز نيس القديم
ADVERTISEMENT

تبدو نيس فرنسية من بعيد، لكن عند الاقتراب يقول خط أسطحها شيئًا آخر: امتداد من القرميد بدل الأردواز الرمادي، وشوارع متراصة بإحكام في نيس القديمة، وقبة كاتدرائية سانت-ريبارات المكسوة بالبلاط وبرجها الشاحب يرتفعان كأنهما ينتميان إلى مكان أبعد قليلًا نحو الشرق.

ومن السهل أن تلمس هذا الاختلاف

ADVERTISEMENT

قبل أن تستطيع تسميته. فالمركز القديم لا ينفتح على اتساعه بذلك الشكل العريض المنظم الذي يتوقعه كثيرون من مدينة فرنسية. بل يتكتل، ويلتوي، ويتراكم، ويحفظ أسطحه واطئة ودافئة فوق شقوق ضيقة من الشوارع.

لماذا تبدو نيس مختلفة قليلًا، وبأجمل معنى

ابدأ بالأسطح. ففي نيس القديمة تمتد في حقل كثيف من البرتقالي والصدئي، متقاربة ومتجاورة وعمليّة، من ذلك النوع من المشاهد السقفية الذي تلتقطه العين دفعة واحدة لكثرة الأسطح المتلامسة فيه. وهذا وحده يخبرك بشيء عن المناخ، وعادات البناء، وعمر المكان.

ADVERTISEMENT

ثم انتبه إلى نسيج المكان تحتها. فنيس القديمة مكتنزة على نحو يبدو متوسطيًا قبل أن يبدو فرنسيًا. الشوارع ضيقة متقاربة، والمباني متلاصقة، والمسافات بين الواجهات كثيرًا ما تكون نحيلة إلى درجة تجعل الكنائس والأبراج مضطرة إلى إعلان حضورها بالشكل لا بالفسحات الكبرى من حولها.

والآن انظر إلى الكنيسة التي ترسو عندها المدينة القديمة: كاتدرائية سانت-ريبارات دو نيس، الكاتدرائية الباروكية من القرن السابع عشر في نيس القديمة. قبتها مكسوة بالبلاط، وبرج أجراسها شاحب وعمودي لا ثقيل ومكتنز. وحتى لو لم تكن تعرف شيئًا آخر، فإن هذا الخط العام لا يقرأ كما تقرأ فرنسا التي تشكلت في أذهان كثير من الزوار على صورة باريس.

وهذه هي الطريقة العملية لاختبار ذلك الإحساس بنفسك وأنت تمشي. في نيس القديمة، ابحث عن ثلاث علامات مجتمعة لا متفرقة: امتداد الأسطح القرميدية فوقك، وكثافة تراص الشوارع من حولك، وأشكال الكنائس التي تبدو ليغورية أو إيطالية أكثر مما تبدو فرنسية هوسمانية واسعة. وما إن ترى هذا الثلاثي معًا حتى تبدأ المدينة في الإفصاح عن نفسها بوضوح أكبر.

ADVERTISEMENT

في البداية، يمكنك أن تفسر كل ذلك بالمناخ والحرفة. فالمدينة المتوسطية تستخدم الأسطح القرميدية لأنها تلائم الطقس. والحي القديم يظل ضيقًا متراصًا لأنه بُني قبل المرور الحديث وقواعد التخطيط اللاحقة. وقد تقول إن الكنيسة الباروكية ليست سوى كنيسة باروكية لا أكثر.

اللحظة التي تتوقف فيها الأسطح عن أن تكون مجرد مشهد

ثم تقفز الساعة. فقد ارتبطت نيس بسافوي منذ 1388، وعبرت عالم سافوي ثم بيدمونت-سردينيا لاحقًا، ولم تصبح فرنسية إلا في عام 1860. ذلك هو السجل الخفي تحت قرميد الأسطح. فالأفق القديم ليس مجرد ذوق محلي صادف أنه بدا إيطاليًا؛ بل تشكل على مدى قرون من الارتباط السياسي شرق المملكة الفرنسية.

وما إن يستقر هذا التاريخ في الذهن حتى يتبدل المشهد سريعًا. فالأسطح، والأزقة، والواجهات، والبرج، والقبة، والكثافة: لم يعد شيء منها عشوائيًا. بل تُقرأ كلها بوصفها شواهد متأخرة على مدينة حدودية قضت معظم حياتها خارج فرنسا ولم تدخلها إلا في وقت قريب نسبيًا.

ADVERTISEMENT

وتوقف قليلًا عند الكاتدرائية، لأنها تساعد على تثبيت الفكرة. فكاتدرائية سانت-ريبارات في نيس القديمة مبنى باروكي من القرن السابع عشر، ويقع خطها المتشكل من القبة والبرج في صلب هذه الحجة البصرية. ولا تحتاج إلى معرفة مفصلة بتاريخ الكنائس لكي ترى أن أشكالها تنتمي إلى المدار الثقافي نفسه الذي تنتمي إليه ليغوريا والعالم السافوي القديم، أكثر مما تنتمي إلى الصورة الأشد فخامة والأكثر استقامة التي يقصدها كثيرون حين يقولون إن مدينة ما تبدو فرنسية.

وهذا لا يعني أن نيس إيطاليا متخفية. بل يعني أن المركز القديم يحتفظ بذاكرة معمارية طويلة تعود إلى زمن كانت المدينة فيه خاضعة لحكام آخرين وعادات عمرانية أخرى. أما الطبقات الفرنسية اللاحقة فحقيقية بدورها، ولا سيما خارج نيس القديمة، لكنها تستقر فوق إطار أقدم بدل أن تمحوه.

ADVERTISEMENT

لكن أليست الأسطح القرميدية منتشرة في جنوب فرنسا كله؟

بلى، وهنا يختزل الناس الحكاية أحيانًا بسرعة أكثر مما ينبغي. فالواجهات الدافئة والأسطح القرميدية حاضرة في أنحاء الجنوب الفرنسي المطل على المتوسط، لذلك لا يمكن لأي قراءة منصفة أن تعلق كل شيء على اللون وحده. فسقف برتقالي واحد لا يثبت شيئًا.

ما يميز نيس القديمة هو هذا التضافر بالذات. فالبنية الشارعية المدمجة، والنسيج العمراني المكتظ للحي القديم، والملامح الباروكية لكنيسة سانت-ريبارات، والتسلسل التاريخي الموثق من سافوي في 1388 إلى فرنسا في 1860، كلها تصطف في الاتجاه نفسه. وإذا جمعت هذه العناصر معًا، لم تعد نيس تبدو نسخة ريفييرية عامة من فرنسا، بل تبدو على حقيقتها: مدينة فرنسية تشكل مركزها القديم على حافة حدودية عبر قرون.

ولهذا قد يبدو التجول هنا مختلفًا قليلًا حتى قبل أن تعرف الوقائع. فعينك تلتقط عدم التطابق أولًا. ثم يأتي التاريخ بعد دقيقة ليشرح لماذا كانت عينك محقة.

ADVERTISEMENT

طريقة أفضل للتجول في نيس القديمة

العادة المفيدة بسيطة. لا تتأمل نيس القديمة بحثًا عن جماليات البطاقات البريدية. اقرأ المكان صعودًا إلى الأعلى ثم إلى الداخل: قرميد الأسطح أولًا، ثم ضيق الشوارع وتلاصقها، ثم قبة سانت-ريبارات وبرج أجراسها.

من بعيد، يمكن لنيس أن تبدو مجرد مدينة فرنسية أخرى على البحر. أما في مركزها القديم، فهي أدق من ذلك: مدينة فرنسية ما زال أفقها يحتفظ ببصمة سافوي.

يوهانس فالك

يوهانس فالك

ADVERTISEMENT