
ما لم تكن تعيش طوال حياتك تحت صخرة، فمن المؤكد أنك سمعت عن "تبييض الأموال". فهذا المصطلح يُذكر في الأخبار طوال الوقت، ويتم الحديث عنه كثيراً في العديد من الأفلام.
وربما تكون قد صادفت هذا المصطلح مرات لا تحصى، لكنك لا تفهم تماماً ما يعنيه حقاً، أو
ما لم تكن تعيش طوال حياتك تحت صخرة، فمن المؤكد أنك سمعت عن "تبييض الأموال". فهذا المصطلح يُذكر في الأخبار طوال الوقت، ويتم الحديث عنه كثيراً في العديد من الأفلام.
وربما تكون قد صادفت هذا المصطلح مرات لا تحصى، لكنك لا تفهم تماماً ما يعنيه حقاً، أو
كيف يعمل فعلياً، أي كيف يتم تبييض الأموال. في هذه المقالة، سنناقش ذلك بالضبط.
لنبدأ بتعريف القاموس. المعنى الحرفي لكلمة "يبيّض" هو "يغسل" (ويكوي بمكواة)؛ إنها عملية تتم في مغسل للملابس. من المؤكد أنك تعرف معنى كلمة "المال". عند وضعهما معاً، يعني "تبييض الأموال" في الأساس "غسيل أو تنظيف الأموال".
في العالم الحقيقي، تبييض الأموال هو عملية "تنظيف" مبالغ كبيرة من الأموال غير المشروعة، أي جعل الأمر يبدو كما لو أن هذه الأموال نتجت من مصدر أو نشاط قانوني. وبشكل أكثر تحديداً، تبييض الأموال هي عملية تحويل أرباح نشاط غير قانوني (كالجريمة والفساد) إلى دخل مشروع.
تسمى الأموال التي يتم الحصول عليها من الأنشطة غير المشروعة بالعامية "قذرة"، وبالتالي فإن عملية تبييض الأموال "تنظفها"، أي تجعلها مشروعة.
المشكلة في تحقيق قدر كبير من الأرباح الناتجة عن نشاط غير قانوني هي أنه لا يمكنك استخدامها مباشرة، أي بدون معالجتها أولاً بطريقة أو بأخرى حتى تصبح “نظيفةً” أو مقبولةً من الناحية القانونية.
لنفترض أنك استيقظت في أحد الأيام وقررت سرقة أحد البنوك. بعد السرقة، تدرك أن لديك بضعة ملايين من الدولارات بين يديك، لكنك لا تستطيع إنفاقها في شراء قصور شاطئية مترامية الأطراف، ولا في اقتناء سيارات رياضية فاخرة. لأنك إذا قمت بذلك، فسوف تجذب انتباه وكالات إنفاذ القانون في بلدك. والأهم من ذلك أنهم سيكونون مهتمين جداً بمعرفة أين وكيف حصلت على هذا المبلغ الضخم من المال بهذه السرعة.
من الواضح أنك تريد استخدام تلك الأموال المسروقة، ولكنك تريد أيضاً تجنب رادارات مصلحة الضرائب والشرطة والسلطات الأخرى في بلدك. فماذا تفعل؟
الحل هو اكتشاف طريقة لجعل الأموال تبدو كما لو أنها تم الحصول عليها من مصدر مشروع. وهذه هي كل الفكرة الكامنة وراء تبييض الأموال.
لا يمكن للأشخاص الذين ينخرطون في أنشطة غير مشروعة تحقق أرباحاً هائلة وتدفقاً نقدياً كبيراً (مثل الاتجار بالمخدرات والإرهاب وما إلى ذلك)، لا يمكنهم استخدام عائداتهم مباشرة، لأن ذلك من شأنه أن يربطهم بالنشاط الإجرامي، ويسمح لوكالات إنفاذ القانون بمصادرتها. ولهذا السبب يحتاج الأشخاص الذين يديرون أعمالاً غير مشروعة إلى تبييض أموالهم غير المشروعة.
إحدى أبسط الطرق وأكثرها شيوعاً لـ "تبييض" الأموال هي تحويلها عبر مطعم، أو أي عمل آخر حيث يوجد الكثير من التبادلات النقدية. في الواقع، إن أصل مصطلح "تبييض الأموال" يأتي من ممارسة رجل العصابات سيئ السمعة آل كابوني، في استخدام سلسلة من محلات غسيل وتنظيف الملابس التي كان يملكها لتبييض مبالغ ضخمة من النقد.
يتم تبييض الأموال على نطاق واسع في ثلاث خطوات (خاصة عندما تكون هنالك حاجة إلى تبييض مبالغ كبيرة من المال)، وهي: التوظيف والتغطية والدمج.
لنفترض أن مجرماً أو منظمة إجرامية تمتلك عملاً مشروعاً في مجال المطاعم. تودَع الأموال التي يتم الحصول عليها من الأنشطة غير القانونية تدريجياً في البنك من خلال المطعم؛ حيث يصرّح المطعم عن مبيعات نقدية يومية أعلى بكثير مما يتلقاه بالفعل.
لنفترض، على سبيل المثال، أن المطعم يحصل على 2000 دولار نقداً في يوم واحد. ستتم إضافة مبلغ إضافي قدره 2000 دولار– وهي أموال تأتي من أنشطة غير قانونية – إلى هذا المبلغ، وسيقوم المطعم بالتصريح ـــــــ كذباً ـــــــ عن حصوله على 4000 دولار من المبيعات النقدية لذلك اليوم. والآن تودَع الأموال في الحساب المصرفي الشرعي للمطعم، وتظهر كوديعة عادية لعائدات أعمال المطعم.
للتعامل مع المشكلات الضريبية - أي لتجنب تكبد المطعم فاتورة ضريبية كبيرة جداً نتيجة تسجيل إيرادات أكثر مما يحققه - ولمواصلة إخفاء المصدر الإجرامي للأموال المودَعة الإضافية، يمكن للمطعم استثمار الأموال في أعمال مشروعة أخرى، مثل العقارات. يتم حجب الأمور بشكل أكبر عن السلطات باستخدام شركات وهمية أو شركات قابضة تتحكم في العديد من المؤسسات التجارية التي قد يتم تهريب الأموال المبيَّضة عبرها.
غالبًا ما تتضمن عملية التغطية عدة "طبقات"، فتمرَّر الأموال من خلال عدة تبادلات وحسابات وشركات؛ فقد تمر عبر كازينو لإخفائها على أنها مكاسب قمار، أو تمر عبر تحويل أو عدة تحويلات إلى عملات أجنبية، وقد تستثمَر أيضاً في الأسواق المالية، وفي النهاية يتم تحويلها إلى حسابات في ملاذات ضريبية خارجية، حيث لا تخضع التبادلات المصرفية إلى رقابة وتنظيم كبيرَين. إن عمليات المرور المتعددة من حساب إلى آخر، أو من مؤسسة إلى أخرى، تزيد من صعوبة تعقب الأموال وربطها بمصدرها الأصلي غير القانوني.
في المرحلة النهائية من تبييض الأموال - الدمج - توظَّف الأموال في أعمال مشروعة أو استثمارات شخصية. وعندها يمكن استخدامها لشراء السلع الفاخرة الراقية، مثل المجوهرات أو السيارات. بل ويمكن استخدامها لإنشاء كيان تجاري آخر سيتم من خلاله تبييض مبالغ نقدية جديدة غير قانونية في المستقبل.
في الحالة المثالية تكون الأموال، في هذه المرحلة، قد تم تبييضها بما يكفي بحيث يمكن للمجرم أو للمؤسسة الإجرامية استخدامها بحرّية بدون اللجوء إلى أية تكتيكات إجرامية. وعادةً ما تستثمَر الأموال هنا بطريقة مشروعة، أو تستعمَل لاقتناء أصول باهظة الثمن مثل العقارات.
لاحظ أن المبلغ النهائي الذي يحصل عليه مبيّضو الأموال يكون دائماً أصغر من المبلغ الأوّلي الذي بدأوا به. وذلك لأن كل هذا "التنظيف" يأتي بتكلفة.
كان هذا مجرد مخطط أساسي ومبسط للغاية لكيفية عمل تبييض الأموال. في الواقع، العملية معقدة إلى حد جنوني ويصعب كشفها (وهذا، بالمناسبة، بيت القصيد من تبييض الأموال). وأيضاً، مع ظهور الإنترنت والعملات الرقمية (مثل البيتكوين)، أصبح الأمر أكثر تعقيداً.
تحاول قوانين مكافحة تبييض الأموال مواكبة الطرق الجديدة التي ينقل بها مبيّضو الأموال أموالهم غير القانونية، ولكن الحقيقة هي أنه لا يزال أمامنا طريق طويل لنقطعه قبل أن نُخضع هذا الخصم الهائل بشكل كامل، ونقضي عليه نهائياً.
تسنيم علياء
في الوقت الذي يشهد فيه العالم تحوّلاً جذريًا نحو التنقل المستدام، تتجه الأنظار إلى منطقة شمال إفريقيا، وتحديدًا إلى المغرب وتونس، حيث يحاول الجيل الجديد من السيارات الكهربائية فرض وجوده. ورغم الطموحات الكبيرة نحو مستقبل أخضر ومواصلات صديقة للبيئة، فإن الواقع الاقتصادي والقدرة الشرائية للمواطنين يفرضان معادلة معقدة يصعب تجاهلها.
في هذا المقال، نستعرض تحولات سوق السيارات في المغرب وتونس، ونحلل مدى واقعية التحول الكهربائي في ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية، مع التركيز على القدرة الشرائية، البنية التحتية، والسياسات الحكومية.
شهدت السنوات الأخيرة اهتمامًا متزايدًا بالسيارات الكهربائية في العالم العربي، حيث بدأت دول مثل المغرب وتونس في اتخاذ خطوات ملموسة لدعم هذا التوجه.
في المغرب، أطلقت الحكومة مجموعة من المبادرات، مثل دعم تركيب محطات الشحن الكهربائي، وتسهيل دخول السيارات الكهربائية المعفاة من بعض الرسوم. كما وقّعت اتفاقيات مع شركات تصنيع عالمية للاستثمار في قطاع السيارات الكهربائية، مما جعل المغرب مركزًا صاعدًا في صناعة السيارات في إفريقيا.
أما تونس، فرغم التحديات الاقتصادية، بدأت تشهد مؤخرًا دخول سيارات كهربائية صغيرة من علامات صينية وأوروبية بأسعار نسبية منخفضة، خاصة بعد تعديل القوانين الجمركية في السنوات الأخيرة لتشجيع استيراد هذا النوع من المركبات.
المغرب أصبح من بين الدول الرائدة في تصنيع السيارات في إفريقيا، وخصوصًا بعد استقطاب شركات مثل رونو وستيلانتيس التي تملك مصانع إنتاج ضخمة في القنيطرة وطنجة. وقد بدأ التوجه يتوسع ليشمل إنتاج سيارات هجينة وكهربائية، مما يجعل المغرب ليس فقط سوقًا للاستهلاك بل أيضًا منصة للتصدير.
تتطور البنية التحتية ببطء ولكن بثبات، حيث بدأت محطات شحن تظهر في المدن الكبرى مثل الدار البيضاء، الرباط، طنجة، ومراكش. ومع ذلك، فإن الانتشار لا يزال محدودًا بالمقارنة مع احتياجات التوسع في عدد السيارات الكهربائية.
رغم النمو الصناعي، تبقى القدرة الشرائية للمواطن المغربي عائقًا رئيسيًا. فمتوسط أسعار السيارات الكهربائية يتجاوز بكثير ما يستطيع المواطن العادي تحمله، خصوصًا في غياب دعم حكومي مباشر لاقتناء هذه السيارات.
تونس لم تصل بعد إلى مستوى الإنتاج المحلي، لكنها بدأت ببطء في استيراد سيارات كهربائية من الصين وأوروبا، مثل سيارات Wuling Mini EV أو Renault Zoe. هذا التوجه ما زال محدودًا بسبب الإجراءات البيروقراطية وارتفاع الكلفة.
محدودية محطات الشحن العامة تعتبر من أبرز العقبات، حيث لا تزال شبكة الشحن الكهربائي في تونس محدودة وغير واضحة المعالم بما يكفي، ما يجعل اقتناء سيارة كهربائية مخاطرة كبيرة بالنسبة للمستخدم العادي.
تمر تونس بأزمة اقتصادية خانقة، ما يجعل شراء سيارة – سواء تقليدية أو كهربائية – رفاهية لا يقدر عليها سوى شريحة ضيقة من المجتمع. ومع ارتفاع الأسعار وقلة التمويل البنكي، يظل سوق السيارات في تونس ضعيفًا نسبيًا.
رغم الزخم الإعلامي والتوجهات الرسمية نحو السيارات الكهربائية، فإن الواقع الميداني يشير إلى أن التحول ما يزال في مراحله الأولى، خصوصًا في ظل غياب آليات فعالة لدعم الشراء، وتطوير البنية التحتية، وتقديم حوافز ضريبية للمستهلكين.
نقاط الضعف المشتركة بين المغرب وتونس:
لكي يتحول الحلم إلى واقع، لا بد من تعاون وثيق بين الدولة والقطاع الخاص:
في ظل غلاء السيارات الكهربائية المستوردة، بدأت بعض المبادرات في المغرب وتونس تفكر في تطوير حلول محلية عبر تصنيع سيارات صغيرة أو دراجات كهربائية بتكلفة منخفضة.
أمثلة لذلك:
قد تكون هذه الابتكارات، إن حصلت على الدعم والتمويل الكافي، مدخلاً لتجاوز العقبات الحالية.
رغم التحديات الكبيرة، إلا أن مستقبل النقل في شمال إفريقيا يبدو واعدًا على المدى الطويل، بشرط وجود التزام حقيقي من الحكومات نحو التخطيط بعيد المدى، والشراكة مع القطاع الخاص، وتثقيف المواطن حول فوائد السيارات الكهربائية.
توقعات مستقبلية:
بحلول 2030، قد يشهد المغرب ارتفاعًا ملحوظًا في نسبة السيارات الكهربائية إذا تواصل دعم البنية التحتية.
في تونس، من المتوقع أن يزداد الاهتمام بالحلول البديلة منخفضة التكلفة مثل الدراجات الكهربائية قبل التوسع نحو السيارات.
بين الطموح الأخضر والواقع الاقتصادي، يقف المواطن المغربي والتونسي في مفترق طرق. السيارات الكهربائية تمثل مستقبلًا أفضل وأكثر استدامة، لكنها ما زالت ترفًا بعيد المنال لغالبية الناس. إن نجاح هذا التحول يعتمد على تكييف الاستراتيجيات مع الواقع المحلي، وليس فقط استنساخ تجارب الدول المتقدمة.
الجيل الجديد من السيارات في شمال إفريقيا ليس حلمًا بعيدًا، لكنه يحتاج إلى واقعية، وجرأة سياسية، واستثمار ذكي، ليصبح حقيقة تعمّ الجميع.
ياسر السايح
قد يبدو وعاءٌ فخاريٌّ ملوَّن رقيقًا، ومع ذلك يكون من بين أطول ما يصنعه البشر عمرًا، إذ كثيرًا ما يبقى أطول من الخشب والقماش والجلد، بل وحتى بعض المعادن. ويبدو ذلك مناقضًا للحدس إذا كان مقياسك للمتانة هو ما ينجو من سقوطٍ في المطبخ. لكن السبب يصبح أوضح ما إن
تنظر إلى ما تفعله الحرارة بالطين.
يميل الناس إلى تصنيف الأشياء بحسب سرعة العطب التي يمكنهم رؤيتها. ينزلق وعاء، ويرتطم بالبلاط، ويتحطم في ثانية واحدة؛ بينما قد ترتد ملعقة خشبية وتواصل الاستخدام. لذلك تبدو الملعقة أشد تحمّلًا. وفي الاستعمال اليومي، يكون الأمر كذلك في كثير من الأحيان. أمّا عبر العقود أو القرون، فإن الكيمياء تروي قصة مختلفة.
يبدأ الطين كتراب رطب مليء بجسيمات دقيقة تشبه الصفائح وبالماء. ويؤدي الحرق إلى طرد ذلك الماء وإحداث تغيير دائم في بنية الطين. وعند درجات حرارة أعلى، تبدأ أجزاء من البنية في التزجّج، أي تتحول جزئيًا إلى مادة شبيهة بالزجاج وتلتحم معًا لتكوّن خزفًا أصلب وأكثر كثافة.
وهذا التحول مهم لأن الطين المحروق لا يتعفن. ولا يصدأ. ولا تأكله العثة. ولا يهضمه العفن كما يمكن أن يفعل مع الألياف النباتية أو الحيوانية. فالخشب يتعفن، والحديد يصدأ، والقماش يتحلل، والجلد يبلى، أمّا الطين المحروق فيبقى.
وتقول إرشادات الحفظ الشيء نفسه تقريبًا ولكن بلغة المتاحف المباشرة. إذ يشير برنامج التقييم الذاتي للحفظ بجامعة إلينوي إلى أن المواد الخزفية قد تكون شديدة المتانة، وأن الخزف المحروق بدرجات حرارة عالية يكون صلبًا، وفي بعض الحالات، مانعًا للماء عمليًا. ويورد متحف أستراليا الغربية تمييزًا مشابهًا في ملاحظاته الخاصة بالعناية: فالأجسام الخزفية الجيدة الحرق مواد مستقرة، لكنها مع ذلك تحتاج إلى الحماية من الصدمات والتغير المفاجئ في درجات الحرارة.
وأحيانًا يمكنك أن تسمع تلك الصلابة. فإذا ربّتَّ برفق على قطعة جيدة الحرق، فقد تُصدر رنينًا أوضح وأحدّ بدلًا من صوت مكتوم. ويمكن ليدك أيضًا أن تشعر بالفرق. غير أن هذا الصوت ليس سوى مؤشر تقريبي، وليس اختبارًا منزليًا للقيمة أو العمر أو الأصالة، لكنه يلمّح إلى جسم كثيف جيد الحرق.
والآن انتقل إلى المشهد المألوف: وعاء يسقط من اليد، ويرتطم بالأرض، ويتناثر إلى قطع. أمّا المادة نفسها، إذا ظلت مدفونة من غير إزعاج، فقد تبقى في باطن الأرض قرونًا. وهنا تكمن النقطة التي يفوتها كثيرون. فالخزف هشّ في اللحظة، لكنه عنيد أمام الزمن.
إذا تجولت في المتحف البريطاني رأيت هذا المنطق حاضرًا في كل مكان. فعلماء الآثار يستخرجون أواني فخارية وشظايا من مواقع اختفت منها السلال والأدوات الخشبية والأقمشة وبقايا الطعام، أو لم يبق منها إلا آثار ضئيلة. ولم يبق الخزف لأنه كان لينًا أو متسامحًا مع الاستعمال. بل بقي لأنه، بعد الحرق، يقاوم أشكال التحلل التي تمحو أشياء كثيرة غيره.
ويمكن للقطعة نفسها أن تؤدي دور علامة زمنية. فحافة مكسورة، أو حلقة قاعدة، أو رقعة من طلاء زجاجي، أو زخرفة مرسومة: كلها قد تخبر القيّمين على المتاحف كيف صُنع الوعاء، وكيف استُخدم، وكيف جرى تداوله أو إصلاحه أو دفنه. ولهذا كثيرًا ما تعرض المتاحف الشظايا بالعناية نفسها التي تعرض بها القطع الكاملة. فالشظية قد تحمل ذاكرة طويلة جدًا.
ويبرز المتحف الوطني للقصر في تايوان، المعروف بالصينية باسم 故宮، هذه الفكرة بطريقة أخرى. فما زالت كثير من القطع الخزفية هناك تبدو نضرة على نحو يثير الدهشة، لأن الطلاء الزجاجي والجسم المحروق يستطيعان الاحتفاظ بالشكل والسطح عبر أزمنة طويلة جدًا ما داما يتجنبان الصدمات الشديدة. فالوعاء الذي كان يومًا على مائدة قد يصبح لاحقًا داخل صندوق عرض شاهدًا ماديًا مباشرًا، لا مجرد رسم توضيحي لثقافة ضائعة.
لأن المتانة تؤدي هنا وظيفتين، وهما ليستا الوظيفة نفسها. فمقاومة التحلل شيء، ومقاومة الصدمات شيء آخر. والخزف ممتاز في الأولى، وغالبًا ما يكون ضعيفًا في الثانية.
قد ينجو وعاء خشبي من السقوط لأن الخشب فيه قدر من المرونة. أمّا الطين المحروق فلا مرونة فيه تقريبًا. تنتقل القوة خلاله، وإذا صادفت تلك القوة نقطة ضعف، تشقق الوعاء أو تحطم. وقد يتسبب التغير المفاجئ في درجات الحرارة في إتلافه أيضًا؛ وهذا ما يسمى بالصدمة الحرارية، ويمكن أن يكسر قطعة كانت تبدو سليمة تمامًا قبل دقيقة واحدة.
كما أن درجة الحرق مهمة أيضًا. فالخزف الفخاري يُحرق على درجات أقل، ولذلك يبقى عادة أكثر مسامية وأقل صلابة من الخزف الحجري أو البورسلان. أما الخزف الحجري فيُحرق على درجات أعلى، فيصبح أكثر كثافة. ويمكن أن يكون البورسلان، مع حرقه على درجات عالية وصنعه من أجسام طينية منقّاة، شديد الصلابة، وإن كان رقّه قد يجعله عرضة لضربة حادة.
ويؤدي الحرق الرديء، والتشققات الخفية، والاستعمال العنيف إلى تقصير عمر الوعاء بسرعة. لذلك سيكون من غير الصحيح أن نقول إن كل وعاء مصنوع يدويًا متين. والصياغة الأصدق أفضل: كثير من المواد الخزفية المحروقة متينة كيميائيًا وبيولوجيًا حتى عندما تكون هشّة ميكانيكيًا.
حين تلتقط وعاءً خزفيًا، فأنت لا تمسك بزينة واهية لا تنجو إلا إذا عوملت كما يُعامل الزجاج. أنت تمسك مادة صاغتها الحرارة إلى شيء يمكن أن يعمّر أكثر من أشياء كثيرة حوله تبدو «أقوى» منه. ضعفه في الصدمة. وقوته في الزمن.
اجعل ذلك عدستك في السوق أو المتحف أو المطبخ. انتبه إلى الجسم المحروق، وإلى الكثافة، وإلى الرنين إذا سمح المكان بربتة خفيفة جدًا، وإلى الحقيقة البسيطة التي تقول إن وعاءً قد يكون على بُعد ثانية سقوط واحدة من التحطم، ومع ذلك يظل واحدًا من أكثر التقنيات اليومية التي ابتكرها الإنسان بقاءً.
يوهانس فالك