أحمد بن فضلان: أول رحالة عربي معروف وصل إلى بلاد الروس والصقالبة.

ADVERTISEMENT
ADVERTISEMENT
صورة من wikimedia

في سنة 309 هـ (921م)، كَلَّفَ الخليفة العباسي المقتدر بالله أحمد بن فضلان بالانضمام إلى سفارةٍ وجهَّها من عاصمته بغداد إلى مدينة بلغار (حاليًا في دولة روسيا)، وهي آنذاك عاصمة دولة الصقالبة أو بلغار الفولغا. كان السَّبب في إرسال هذه السفارة جوابًا على طلبٍ من حاكم الصقالبة ألمش بن شيلكي، الذي أشهر إسلامه حديثًا وقتذاك، وأراد إقامة حلفٍ مع الدولة العباسية يعينه في مقاومة سطوة دولة الخزر اليهود الذين فرضوا عليه التبعيَّة لهُم. كان هدف السفارة أن تَحْمِلَ إلى حاكم الصقالبة هدايا وأموالاً ليبني فيها مسجدًا وحصنًا يحتمي به من هجمات الخزر، وأن يرافقها فقهاء ومُعلِّمون يُلقِّنون أهل بلغار تعاليم الإسلام، ولم تتحقَّق هذه الأهداف كاملةً لأسباب عِدّة؛ رغم نجاح السفارة في الوصول إلى بلغار بعد رحلة استغرقت نحو عام.

ADVERTISEMENT

قراءة مقترحة

تصف رسالة ابن فضلان شتى الشعوب والبلدان التي قابلها أثناء رحلته من بغداد إلى بلغار. ففيها أوصافٌ مُفصَّلة لعبوره مدنًا إسلامية منها: بخارى ووخوارزم وجرجانية، وأوصافٌ نادرةٌ جدًا لشعوب منها: الأتراك الغُزِّية وغيرهم من الشعوب التركية غير المسلمة حينذاك في غرب السهوب الأوراسية، والصقالبة أو البلغار الذين قصدهم ابن فضلان في رحلته، والخزر الذين ربما يكون ابن فضلان قد عبر بلادهم في طريق عودته، و"الروسية" أو الفايكنغ، الذين يُعْتَبَرُ وصفه لهم ذا أهمية خاصَّة لأنه من أوائل الأوصاف الواردة في التاريخ للتجار الإسكندنافيين في بلاد روسيا الحالية، ولأنه يتضمَّن وصف شاهد العيان الوحيد المعروف لطقوس الفايكنغ في الدَّفْن بالسُّفُن، أي بإحراق جثمان الميّت داخل سفينة

تعثرت السفارة عند مسألة المال: لم يُسلَّم المبلغ مباشرةً، ثم تعطّل طريق الخراج الموعود، فواصل ابن فضلان الرحلة إلى بلغار من دون المال المطلوب.

ADVERTISEMENT

مسار تعثّر المال في السفارة

توجيه الخراج

لم يُسلِّم الخليفة المقتدر الوفد المال مباشرةً، بل أمر باقتطاع قسمٍ من خراج مدينة أرثخشمثين في خراسان.

تعطّل التسليم

كُلِّف أحمد بن موسى الخوارزمي باستلام الخراج وموافاة ابن فضلان والوفد به، لكنه وقع في أسر الدولة السامانية.

قرار متابعة الطريق

مع اقتراب موسم الشتاء، اضطرت البعثة إلى متابعة طريقها من دون المال الموعود.

وصول ناقص الهدف

بلغ ابن فضلان وجهته من دون المال المطلوب لبناء الحصن والمسجد، ممَّا أغضب ملك الصقالبة.

تُبرز الأبحاث الحديثة قيمة رسالة ابن فضلان في دقة وصفها للثقافات الأجنبية وعاداتها وتقاليدها، حتى شُبِّهت أوصافه بأوصاف علماء الإنسان والأعراق الحديثين.

🧭

مجالات الدقة في وصف ابن فضلان

تظهر نزعة الوصف العلمي في اهتمامه بتفاصيل الحياة اليومية والثقافة، مع ابتعادٍ نسبي عن الخيال والأسطورة مقارنةً بكتب رحالة آخرين من معاصريه.

المأكل والمشرب

تتبع ما يخص الطعام والشراب بوصفه جزءًا من فهم العادات اليومية للشعوب التي قابلها.

الملبس والمظهر

اهتم بالملابس والهيئات ضمن وصفه للثقافات الأجنبية التي رآها في الطريق.

القيم والعادات

سجّل القيم والعادات الاجتماعية بوصفها مفاتيح لفهم المجتمعات التي مرّ بها.

الطقوس

أفرد عناية خاصة للطقوس والممارسات الجماعية، وهي من أبرز ما جعل رسالته مادة تاريخية نادرة.

ADVERTISEMENT

لكن رسالة ابن فضلان فيها مبالغات كذلك، مثل قوله بأن يأجوج ومأجوج يسكنون خلف جدار معروف في بلاد الشمال، ومثل قوله أنه رأى عظام عملاق كان << [حجم] رأسه  مثل القفير الكبير>> و<<أضلاعه أكبر من عراجين النخل>> ووصفه للأفاعي التي رآها في بلاد الصقالبة بأنها مثل << شجرة طويلة يكون طولها أكثر من مئة ذراع >>،  ولو أن هذه المبالغات قد تكون ناجمةً عن الهلع. ومن أكثر مشاهداته العصيَّة على تفسيرها عقلانياً حديثه عن وجود وحيد القرن أو الكركدن في وسط آسيا، غير أن هذا الحيوان لم يسكن تلك الأقاليم تاريخياً ولا حالياً، ومما يشفع لهذه المشاهدة أن "ابن فضلان" لم يزعم أنه رأى وحيد القرن بأم عينه، وإنما نقل هذه الرواية عن أهل البلاد. ويذكر "ابن فضلان " أنه رأى ثلاث طيفوريات أي: أطباق)) مصنوعة من قرن الكركدن، وربما كانت هذه الأطباق مصنوعة -في الواقع- من أنياب الماموث المتحجّرة التي توجد في بلدان الشمال، والذي كان مادة مشهورة ونادرة لصناعة مقابض السكاكين.

ADVERTISEMENT

كان أكبر ما لفت نظر "ابن فضلان" في البلاد التي زارها هو: المعتقد الديني، والنشاطات الاجتماعية (مثل الزواج)، والاقتصادية (مثل العملة). ويظهر حتى اهتمامه باللغة، فيَصِفُ طريقة حديث الناس في إحدى المدن بأنها تشبه "نقيق الضفادع"، وهو حكمٌ يُظْهِر استجابةً محدَّدة للغة الغريبة قد ترفضُ الاعتراف بها على أنها لغة.

تتضمن رسالة أحمد بن فضلان الوصف الوحيد المعروف من شاهد عيانٍ لطقس من طقوس الدفن عند الفايكنغ، وهو دفن الموتى في سفينة يضرمون بها النار حتى تحترق وتغرق. ويثق المؤرخون في شهادة عيان "ابن فضلان"، لكن بعضهم يحذّرون من تعميمها على طقوس الدفن والجنازة عند الفايكنغ والإسكندنافيين لأسباب عِدّة، منها: أن الجنازة كانت لرجل ثري (بوصف ابن فضلان)، ولأنها كانت في روسيا (وليس في إسكندنافيا)، ولأن بعضاً مما يصفه "ابن فضلان" كان كلاماً سمعه من مترجمين شفهيِّين ثم كتبه (وقد تكون في هذه الترجمة أخطاءٌ، مثل وصف العجوز بـ«ملاك الموت» ووصف الجنة بأنها «حسنةٌ خضراء «.  كما أن "ابن فضلان" لا يتوقف أثناء هذا السرد ليستفسر عن معاني الطقوس والأشياء التي يراها، ولذلك فمن الصعب تفسير كل المشاهد التي يصفها وقد لا تكون لطقس الدفن -بالعموم- طبيعة واحدة بين الفايكنغ في مختلف أنحاء أوروبا آنذاك، بل ربما كان مزيجاً بين عاداتهم وعادات سائر الشعوب الذين اختلطوا بهم (كما يظهر من شواهد تاريخية أخرى على دفن السفن، مثل موقع ساتون هوو في بريطانيا). 

ADVERTISEMENT

210 ورقات

هذا هو حجم المخطوطة الأكمل والوحيدة المعروفة لرسالة ابن فضلان، وفي كل ورقة 19 سطراً بخط النسخ.

اكتُشِفَتْ المخطوطة الأكْمَلُ (والوحيدة المعروفة) لرسالة "ابن فضلان" في مدينة مشهد (تاريخيًا: طوس) الإيرانية سنة 1923، وهي المخطوطة التي تستمدُّ الرسالة منها شهرتها الحالية. وتتألف المخطوطة من 210 ورقاتٍ في كل منها 19 سطراً مُدوَّنة بخط النسخ، غير أن في آخرها سردٌ منقطعٌ (فيما يتعلَّق بأخبار دولة الخزر). وهذه هي المخطوطة الوحيدة التي فيها نصٌّ متّصل من رسالة ابن فضلان، والذي يَصِفُ خروجه من مدينة بغداد ومروره ببلاد الترك والروسية والصقالبة، وفي نهايتها فصلٌ مبتورٌ يَصِفُ دولة الخزر وعاصمتها أتيل.

في سنة 2010، قرَّر برلمان إقليم تتارستان الروسي (وهو الإقليم الذي تتبعه إداريًا مدينة بلغار الحديثة) اعتماد تاريخ وصول "ابن فضلان" إلى بلاد الصقالبة يومًا وطنيًا، وهو يوافق 12 أيار كل عام، كما أطلقت الحكومة مشروعًا بميزانية 100 مليون دولار للتنقيب عن آثار عاصمتها القديمة التي زارها "ابن فضلان"، وتَعْمَلُ على ترميم المساجد والآثار التاريخية للمدينة وإنشاء متحف يَحْمِلُ اسم "ابن فضلان