عرض النقاط الرئيسية
في سنة 309 هـ، الموافقة لعام 921م، كلّف الخليفة العباسي المقتدر بالله أحمد بن فضلان بالانضمام إلى سفارة خرجت من بغداد نحو مدينة بلغار، الواقعة اليوم داخل روسيا. وتعرض طبعة «Mission to the Volga» الصادرة عن مطبعة جامعة نيويورك نصه باعتباره سجلًا لبعثة دبلوماسية انتقلت من بغداد إلى أعالي نهر الفولغا. بهذه الرحلة صار ابن فضلان أول رحالة عربي معروف يصل إلى بلاد الروس والصقالبة ويترك وصفًا متصلًا لما شاهده هناك.
جاءت السفارة جوابًا عن طلب ألمش بن شيلكي، حاكم الصقالبة أو بلغار الفولغا، بعد إشهاره الإسلام. كان يريد التحالف مع الدولة العباسية والاستعانة بها في مقاومة سطوة دولة الخزر اليهود، التي فرضت عليه التبعية. حمل الوفد هدايا، وكان مقررًا أن يحمل أموالًا لبناء مسجد وحصن يحميان المدينة من هجمات الخزر، وأن يصحبه فقهاء ومعلمون لتلقين أهل بلغار تعاليم الإسلام. وصل الوفد بعد نحو عام، لكن بعض هذه الأهداف تعطل في الطريق.
قراءة مقترحة
تتبع رسالة ابن فضلان مراحل انتقاله من بغداد إلى بلغار، وتقدم أوصافًا مفصلة لمدن إسلامية مر بها، منها بخارى وخوارزم وجرجانية. ثم تنتقل إلى شعوب كانت قليلة الحضور في المؤلفات العربية آنذاك: الأتراك الغزية وغيرهم من الجماعات التركية غير المسلمة في غرب السهوب الأوراسية، والصقالبة الذين قصدتهم البعثة، والخزر الذين ربما عبر بلادهم في طريق العودة.
أما «الروسية» في الرسالة فهم تجار الشمال الذين يرتبط وصفهم بتاريخ الفايكنغ في منطقة الفولغا. ويوضح مشروع أكاديمي لجامعة برينستون أن لفظ الروس في هذا السياق العربي الوسيط كان يستعمل كثيرًا للدلالة على الفايكنغ المقيمين على امتداد النهر في أراضي روسيا الحالية. وتنبع قيمة رواية ابن فضلان من كونها من أقدم الأوصاف المكتوبة لهؤلاء التجار الإسكندنافيين، فضلًا عن اشتمالها على معاينة مباشرة لجنازة أحد زعمائهم.
كان المال أكبر عقبة واجهت السفارة. فقد رأى بعض الباحثين أن البعثة أخفقت في واحد من أهدافها الأساسية لأنها لم تسلّم المبلغ الذي طلبه ملك الصقالبة لتعمير الحصن والمسجد. لم يعط الخليفة المقتدر الأموال للوفد مباشرة، وإنما أمر باقتطاعها من خراج منطقة تتبع الوزير ابن الفرات، هي مدينة «أرثخشمثين» في خراسان. ويصفها ياقوت بأنها مدينة كبيرة عامرة الأسواق في خوارزم، مع أن موضعها المعاصر غير معروف.
كُلّف أحمد بن موسى الخوارزمي بتحصيل الخراج واللحاق بابن فضلان ورفاقه، لكنه وقع في أسر الدولة السامانية. ومع اقتراب الشتاء لم يعد في وسع البعثة انتظار المال، فتابعت سيرها من دونه. بلغ ابن فضلان وجهته، لكن وصول الوفد بلا المبلغ الموعود أغضب ملك الصقالبة.
تصف أبحاث حديثة طريقة ابن فضلان بأنها قريبة من الملاحظة الإثنوغرافية؛ فهو يسجل المأكل والمشرب والملبس والقيم والعادات والطقوس، ويراقب الدين والزواج والتجارة والعملة والحياة السياسية. ويختلف هذا التركيز على التفاصيل المحسوسة عن الأوصاف الخيالية والأسطورية الكثيرة في بعض كتب الرحالة من عصره. حتى اللغة أثارت انتباهه، فوصف حديث أهل إحدى المدن بأنه يشبه «نقيق الضفادع»، وهو حكم يكشف مقدار غرابة الأصوات اللغوية على أذنه.
لم تكن ملاحظاته محايدة دائمًا؛ فقد كان فقيهًا ودبلوماسيًا ينظر إلى المجتمعات التي قابلها من داخل ثقافته الدينية والاجتماعية. ومع ذلك، دوّن ما رآه من عادات تخالف بيئته بدل الاكتفاء بإدانتها أو تحويلها إلى حكايات مقتضبة. من هنا تأتي المقارنة بين أسلوبه وعمل علماء الإنسان والأعراق المحدثين، مع بقاء الفارق بين نص دبلوماسي من القرن العاشر والدراسة الميدانية الحديثة.
لا تخلو الرسالة من روايات يصعب قبولها حرفيًا. يذكر ابن فضلان أن يأجوج ومأجوج يسكنون خلف جدار معروف في بلاد الشمال، ويقول إنه رأى عظام عملاق كان «رأسه مثل القفير الكبير» و«أضلاعه أكبر من عراجين النخل». كما وصف أفاعي في بلاد الصقالبة بأنها مثل «شجرة طويلة يكون طولها أكثر من مئة ذراع». وقد تكون بعض هذه المبالغات ناتجة من الخوف والهلع أمام بيئة لم يألفها.
ومن أكثر الروايات استعصاء على التفسير حديثه عن الكركدن أو وحيد القرن في وسط آسيا، مع أن الحيوان لم يسكن تلك الأقاليم تاريخيًا أو في الأزمنة الحديثة. غير أن ابن فضلان لم يزعم رؤيته بعينه؛ فقد نقل الخبر عن أهل البلاد. وقال إنه شاهد ثلاث طيفوريات، أي ثلاثة أطباق، مصنوعة من قرن الكركدن. وربما كانت مادتها أنياب ماموث متحجرة، وهي مادة نادرة اشتهرت في بلدان الشمال واستعملت في صناعة مقابض السكاكين.
يسرد ابن فضلان بالتفصيل جنازة رجل ثري من الروس: وُضع الميت في سفينة وأُضرمت فيها النار حتى احترقت وغرقت. وتتناول دراسة منشورة في مجلة كامبريدج الأثرية هذه الرواية باعتبارها وصفًا من القرن العاشر لدفن زعيم من الروس، كما يعرض الأرشيف الرقمي لجامعة يوتا مقطع الرسالة الذي يتناول إحراق السيد وإحدى جواريه معه في طقس الدفن بالسفينة.
يثق المؤرخون في أن ابن فضلان سجّل واقعة حضرها، لكنهم يحذرون من تعميمها على جميع جنائز الفايكنغ والإسكندنافيين. فالميت كان ثريًا، والجنازة وقعت في روسيا لا في إسكندنافيا، كما أن بعض الشروح وصل إلى الكاتب عبر مترجمين شفهيين. وقد تكون الترجمة وراء عبارات مثل «ملاك الموت» ووصف الجنة بأنها «حسنة خضراء».
لا يتوقف ابن فضلان خلال السرد ليسأل عن معنى كل حركة أو أداة، فيبقى تفسير أجزاء من الطقس موضع نقاش. وتؤكد دراسة في تاريخ العنف صادرة عن مطبعة جامعة كامبريدج أن مساواة الروس تلقائيًا بالإسكندنافيين، ثم عد الجنازة نموذجًا عامًا لعاداتهم، أمر مختلف عليه. وربما كانت المراسم مزيجًا من عادات الفايكنغ وعادات الشعوب التي اختلطوا بها؛ وتوجد شواهد أخرى على دفن السفن في أوروبا، منها موقع ساتون هوو في بريطانيا.
اكتُشفت المخطوطة الأكمل والوحيدة المعروفة التي تضم نصًا متصلًا من رسالة ابن فضلان في مدينة مشهد، أو طوس تاريخيًا، سنة 1923. وتنسب دراسة أكاديمية محفوظة لدى جامعة كولومبيا اكتشاف مجموعة مشهد في ذلك العام إلى زكي وليدي طوغان، وتوضح أن كتاب ابن فضلان واحد من أربعة نصوص تضمها المجموعة.
تتألف المخطوطة من 210 ورقات، في كل ورقة 19 سطرًا بخط النسخ. وهي تحفظ سرد خروجه من بغداد وعبوره بلاد الترك ولقائه الروسية ووصوله إلى الصقالبة. وفي نهايتها فصل مبتور عن دولة الخزر وعاصمتها أتيل، ولذلك ينقطع النص في أثناء أخبار الخزر. وقد فحصت دراسة في دورية «فوستوك» هذه المخطوطة بوصفها النسخة التي عُثر عليها في مكتبة ضريح الإمام الرضا بمشهد سنة 1923.
في سنة 2010 قرر برلمان إقليم تتارستان الروسي، الذي تتبعه مدينة بلغار الحديثة إداريًا، اعتماد ذكرى وصول ابن فضلان إلى بلاد الصقالبة يومًا وطنيًا يوافق 12 مايو من كل عام. وأطلقت الحكومة مشروعًا بميزانية 100 مليون دولار للتنقيب عن آثار العاصمة القديمة التي زارها، وترميم مساجد المدينة وآثارها التاريخية، وإنشاء متحف يحمل اسم ابن فضلان.
ترتبط هذه الذكرى بوصول السفارة إلى بلغار سنة 922م، وهو التاريخ الذي تورده وثائق اليونسكو عن موقع بلغار التاريخي والأثري. وللقارئ الذي يريد الرجوع إلى نص الرسالة، تتيح طبعة «Mission to the Volga» الصادرة عن مطبعة جامعة نيويورك نص ابن فضلان بالعربية مع ترجمة إنجليزية، بينما تبقى مخطوطة مشهد الأساس الذي حفظ أطول سرد متصل لانتقاله من بغداد إلى الفولغا.
مصدر مرجعي