ما يبدو كأنه غابة صغيرة من الأشجار قد يكون، في حالة شجرة البانيان، شجرة واحدة. وبعبارة مباشرة: كثير من تلك الأعمدة الشبيهة بالجذوع لم تبدأ جذوعًا أصلًا، وما إن ترى كيف تتكوَّن حتى تقرأ الشجرة كلها على نحو مختلف.
لا، انظر مرة أخرى. فالبانيان ليست بقدر ما هي ساق واحدة منتصبة، بل هي نظام نمو. وشكلها ليس إلا سجلًّا لما فعلته بعد ذلك.
لنبدأ بالقول الذي يبدو غير معقول: يمكن لكائن حي واحد أن يمتد إلى هذا الحد حتى يبدو وكأنه عدة أشجار. وتفعل أشجار البانيان ذلك بإرسال جذور إلى الأسفل من الأغصان في الأعلى. ويسميها علماء النبات جذورًا هوائية لأنها تبدأ في الهواء لا في التربة.
قراءة مقترحة
في البداية تكون هذه الجذور أشبه بحبال. تتدلّى، وتطول، وتبحث عن الأرض. وما إن يصل أحدها إلى التربة حتى يستطيع امتصاص الماء والمعادن، ثم يثخن ليصبح عمودًا خشبيًا داعمًا.
وتعمل هذه البنية بوصفها تسلسلًا متكررًا، لا حدثًا يقع مرة واحدة.
يمتد غصن إلى ما بعد الجذع الرئيسي، ويحمل الوزن بعيدًا أكثر عن المركز.
يبدأ جذر في الهواء ويتدلّى إلى الأسفل من الغصن في الأعلى.
بمجرد ملامسته الأرض، يصبح قادرًا على امتصاص الماء والمعادن.
يثخن الجذر ليصبح عمودًا خشبيًا حاملًا للوزن تحت الغصن.
ومع وجود دعامة جديدة أبعد من المركز، تستطيع المظلّة أن تمتد أبعد وتكرّر الدورة.
لو وقفت تحت واحد من هذه العمالقة، أكنت ستعدّ ما تراه شجرة واحدة أم عدة أشجار؟
ضع يدك على أحد تلك الأعمدة، وسيتحوّل الالتباس إلى شيء مفيد. فقد يبدو أقل شبهًا بجذع واحد بالمعنى المألوف، وأكثر شبهًا بحلقة من الدعامات: قائمة، خشبية، حاملة للوزن، يساهم كل منها في حمل وزن الغصن الذي بدأ في موضع آخر. قد يكون اللحاء خشنًا تحت راحتك، لكن الدرس الأهم بنيوي. فأنت تلمس جذرًا غيّر وظيفته.
لا، انظر مرة أخرى. لحظة الإدراك هنا هي الآتية: قد تكون الجذوع الظاهرة الإضافية جذورًا هوائية وصلت إلى الأرض ثم تثخّنت لتصبح سيقانًا داعمة. ولذلك فإن امتدادًا يبدو كأنه بستان قد يظل مع ذلك عائدًا إلى كائن حي واحد.
ولهذا السبب تستطيع أشجار البانيان القديمة أن تشغل مساحات مدهشة من غير أن تصبح غابة بالمعنى المعتاد. فالشجرة العادية تطلب من جذع واحد أن يحمل المظلّة كلها. أما البانيان فتنقل جزءًا من ذلك الحمل إلى الخارج، إلى دعامات جديدة تنمّيها بنفسها.
ما يقرب من 4,000 جذر دعامي
في شجرة البانيان الكبرى في كولكاتا، تساعد شبكة الدعامات هذه على تفسير كيف يمكن لشجرة واحدة أن تبدو كأنها حشد.
ومن أشهر الأمثلة على ذلك شجرة البانيان الكبرى في كولكاتا، داخل الحديقة النباتية الهندية «أشاريا جاغاديش شاندرا بوس». وقد وصفت موسوعة غينيس للأرقام القياسية مظلّتها بأنها تمتد على نحو 190 مترًا في 145 مترًا تقريبًا، وتدعمها قرابة 4,000 جذر دعامي. وهنا تدرك لماذا تخطئ النظرة الأولى؛ فالشجرة تبدو كأنها جمعٌ من الأشجار.
وقد بحث الباحثون أيضًا هذه السمة على المستوى الجيني. ففي عام 2020، تناولت دراسة نقلها معهد Carl R. Woese لعلم الجينوم الحيوي في جامعة إلينوي أقارب تين البانيان، وحددت أجزاء من الجينوم مرتبطة بتطوّر الجذور الهوائية. وهذا مهم هنا لسبب بسيط: هذه البنية الغريبة ليست من الفولكلور ولا من مبالغات الرحّالة. إنها سمة مدروسة في كيفية نمو هذه الأشجار.
وهناك ملاحظة جانبية صغيرة يجدر إبقاؤها مرتبة. فالبانيان من التين، وللتين قصته الطويلة الخاصة مع دبابير التلقيح الدقيقة، لكنك لا تحتاج إلى تلك القصة لفهم البنية. ففي هذا الالتباس البصري، تكفيك الآلية المرئية.
قد يقول شخص معقول: إذا كانت لها أعمدة كثيرة تشبه الجذوع، فلا بد أنها أشجار متعددة. وأحيانًا يكون هذا صحيحًا فعلًا في أشجار أخرى مترامية، أو في غرسات نما فيها عدة أفراد متجاورين. وليس كل امتداد عريض يشبه التين ينبغي أن يُعلَن شجرة بانيان واحدة بمجرد النظر.
لكن الخطأ الأساسي هو افتراض أن كل عمود خشبي قائم بدأ بالطريقة نفسها.
إذا أظهرت شجرة البانيان أعمدة كثيرة تشبه الجذوع، فلا بد أنها أشجار متعددة.
في شجرة البانيان الحقيقية، يكون بعض الأعمدة نسيجًا جذعيًا أصليًا، بينما يبدأ بعضها الآخر جذورًا هوائية تهبط من الأغصان وتثخن بعد وصولها إلى الأرض.
وهذا هو جواب الاستجواب المضاد. فالدليل ليس مجرد عدد الأعمدة التي تراها، بل مواضع اتصالها، وما الذي تسنده، وما إذا كان نمط الغصن ثم الجذر ثم العمود يتكرر عبر هذا الامتداد كله.
حين تصادف شجرة بانيان، لا تبدأ بعدّ السيقان القائمة أولًا. بل تتبّع البنية إلى الخارج انطلاقًا من غصن رئيسي، واسأل أيٌّ من تلك «الجذوع» بدأ في الأصل جذورًا هبطت من الأعلى.