تنتمي مرتفعات جرش إلى أردنٍ أكثر خضرة وارتفاعًا مما يتصوره معظم الغرباء، فأول ما يطالعك فيها ليس البترا والكثبان بقدر ما هو غطاء من الصنوبر، وطرق جبلية متعرجة، وتلال متراكبة لا يستقيم معناها إلا حين تتذكر أن للارتفاع مكانًا هنا أيضًا.
هذا هو التصحيح المفيد. أما المفاجأة فليست أن الأردن قد يبدو هكذا في يوم موفق، بل أن كثيرين ظلوا يحملون لسنوات نسخة مقتطعة من هذا البلد.
قراءة مقترحة
لطالما شملت الخريطة السياحية للأردن الشمال، لكن كثيرين ما زالوا يحتفظون بصورة ذهنية أضيق للبلد. ويصبح التباين أوضح حين توضع صورة الصحراء الأشهر إلى جانب واقع المرتفعات حول جرش وعجلون.
| ما يتبادر إلى ذهن كثيرين أولًا | ما الذي يضيفه شمال الأردن | لماذا يهم ذلك |
|---|---|---|
| البترا، ووادي رم، والصحراء المفتوحة | جرش، وعجلون، والمرتفعات الشمالية | صورة البلد صحيحة، لكنها غير مكتملة |
| امتدادات منبسطة ومفتوحة | تلال متراكبة وتضاريس أعلى | الارتفاع يغيّر المنطق البصري كله |
| مسارات سفر صحراوية مستقيمة | طرق جبلية متعرجة تمر بين غابات الصنوبر | المشهد الطبيعي يدل على العلو وازدياد الغطاء الأخضر |
| صور دعائية قاحلة | بساتين زيتون، ومحميات غابية، ونباتات أكثف | الشمال يستحق أن يكون على الخريطة الذهنية نفسها |
ولهذا، حين يبدأ الطريق بالانعطاف بين أشجار الصنوبر فوق جرش، يتصرف بعض الزوار كما لو أن البلد تبدّل في منتصف الرحلة. لكنه لم يتبدل. كل ما في الأمر أنك ارتقيت إلى جزء من الأردن لا تدرّبك الصور الشهيرة على توقّعه.
والدليل المرئي بسيط ويمكن التحقق منه. فغطاء الصنوبر لا يتجمع على أرض صحراوية منبسطة مصادفة. والطرق المتعرجة صعودًا تعني عادة تضاريس وارتفاعًا. أما التلال المتراكبة فتشير إلى بيئة مرتفعة، ويحمل المشهد كله المنطق البصري الأبرد الذي يأتي مع الارتفاع وكثافة الغطاء النباتي.
وحين تضع ذلك في جغرافيا حقيقية، يصبح الأمر أيسر فهمًا. تقع جرش في الجزء الشمالي الغربي من الأردن، غير بعيدة عن عجلون، حيث تدعم التضاريس الأعلى ومعدلات الأمطار الأكبر غطاءً أخضر أكثر مما نراه في المسارات الصحراوية الأشهر في البلاد. ومحمية غابات دبين ومحمية غابات عجلون اسمان يجدر الاحتفاظ بهما في الذهن، لأنهما يثبتان هذا التصحيح في أماكن فعلية، لا في باب الطرافة.
الحجة البيئية واضحة: غابات شمال الأردن تنتمي إلى نطاق متوسطي حقيقي داخل بلد يتدرج من الجفاف إلى شبه الجفاف، وهذا يفسر لماذا يُقرأ الشمال على نحو مختلف تمامًا عن البطاقة البريدية المعتادة.
تشير الأدلة الواردة في المقال إلى عدة عوامل متضافرة، لا إلى مصادفة بصرية عابرة.
الارتفاع
يغيّر العلو في الأراضي الشمالية والشمالية الغربية الحرارة والغطاء النباتي وإحساس التضاريس نفسها.
نظام بيئي متوسطي
يضع بحث أُشير إليه من عام 2023 هذه الأحراج ضمن النظم البيئية المتوسطية داخل الأردن.
دعم الأمطار
يساعد هطول أمطار أكثر مما تعرفه المسارات الصحراوية الأشهر في الحفاظ على غطاء أكثر خضرة.
ملاءمة الغطاء النباتي المحلي
يلائم الصنوبر الحلبي والبلوط والنباتات الجبلية المختلطة هذه المنطقة، ولا تبدو شذوذًا مستوردًا.
بحثٌ نُشر عام 2023 في مجلة Forests، أعدّه ك. م. العنانبة وزملاؤه، درس صحة الغابات في المحميات الأردنية ووضع هذه الأحراج ضمن النظم البيئية المتوسطية في بلد يتراوح بين الجفاف وشبه الجفاف. وما يهم هنا منه سبب واحد فقط: أنه يؤكد أن غابات شمال الأردن ليست مصادفات بصرية ولا خيالًا مستوردًا. إنها تنتمي إلى نطاق بيئي حقيقي داخل الأردن.
وتلك الدراسة سياق بيئي، لا ترتيبًا سياحيًا. لكنها مع ذلك تساعد على تفسير لماذا قد يبدو الشمال مختلفًا عن الأردن الذي يتوقعه كثير من المسافرين. فالصنوبر الحلبي والبلوط والنباتات الجبلية المختلطة تلائم المرتفعات الشمالية والشمالية الغربية من البلاد أكثر مما توحي به البطاقة البريدية ذات الصورة الواحدة.
وهنا يقع الناس كثيرًا في الخطأ الثاني. فيقولون إن المنطقة تبدو «أوروبية»، كأن هذا هو التفسير الوحيد للصنوبر والطرق الجبلية المنحنية. والأدق أن يقال ما هي عليه: جزء من مرتفعات المشرق المتوسطية، متجسدة على أرض أردنية.
هل كنت تتخيل الأردن بين الصنوبر ومنعطفات الجبال قبل هذه اللحظة؟
اذكر ثلاث صور تخطر ببالك حين تسمع «الأردن». لدى كثير من القراء، تأتي صورتان أو ثلاث مباشرة من واجهات البترا، أو رمال وصخور وادي رم، أو البحر الميت. وهذا مفهوم. فهذه أماكن حقيقية، شهيرة، وتستحق ما تناله من اهتمام.
لكن انتبه إلى ما يغيب عن هذا الاختبار السريع. غالبًا ما يكون الشمال: المداخل المرتفعة إلى جرش، والمنحدرات الحرجية في عجلون، وبلاد الزيتون، والطرق التي تصعد وتلتف بدلًا من أن تمتد عبر الصحراء المفتوحة. وما إن ترى هذه الفجوة حتى يبدأ البلد في أن يصير أكثر اتساقًا جغرافيًا.
الصنوبر هو أول دليل على أنك لا تنظر إلى البطاقة الصحراوية المألوفة.
الطريق الذي يلتف ويصعد يوحي بتضاريس وارتفاع، لا بأرض منبسطة مفتوحة.
توالي التلال في الخلفية يعزز الإحساس ببيئة المرتفعات.
إذا كان المشهد قريبًا من جرش أو عجلون أو دبين، فينبغي أن يبقى الأردن حاضرًا بقوة في الاحتمال.
وهذه هي مجموعة العلامات السريعة التي يجدر بك الاحتفاظ بها: غطاء من الصنوبر، وطريق يلتف بدلًا من أن ينطلق مستقيمًا، وارتفاع واضح، وتلال تتراكب واحدة خلف أخرى، وموقع في شمال الأردن قرب جرش أو عجلون أو دبين. إذا اجتمعت هذه العناصر، صار استبعاد الأردن هو الخطأ، لا التفكير فيه.
كل أردني يعرف من جرّب أن يصعد بالأقارب أو الزوار نحو المرتفعات في الشمال يدرك تلك الوقفة. في البداية يكون هناك حديث المدينة، وقليل من تفقد الهواتف، وربما يواصل أحدهم الكلام كأن البلد الذي أمامه قد حُسم أمره مسبقًا. ثم يواصل الطريق صعوده، وتقترب أشجار الصنوبر، ويخيم الصمت على السيارة لبضع ثوانٍ.
ليس لأن معجزة وقعت، بل لأن الأرض أخذت أخيرًا وقتًا كافيًا لتصحح الفكرة.
ويهم هذا التصحيح إذا كنت تسافر، كما يهم إذا كنت لا تسافر إلا بالخيال. فقد تكون الصورة الشهيرة لبلد ما صحيحة، ومع ذلك تظل ناقصة. فمشاهد الأردن الصحراوية في الجنوب والشرق حقيقية، لكنها ببساطة لا تستنفد قصة تضاريس البلد.
التصحيح الختامي في هذا المقال يتعلق بالتناسب، لا بالإحلال: صورة الصحراء صحيحة، لكنها استحوذت على مساحة أكبر مما ينبغي في الخريطة الذهنية العالمية.
يُعامَل الأردن أساسًا بوصفه البترا ووادي رم والبحر الميت وصحراء الشرق أو الجنوب، فلا يبقى مجال يُذكر لمرتفعات الشمال الغربي.
لا يزال الأردن يضم تلك المشاهد الصحراوية الأيقونية، لكن جرش وعجلون والمرتفعات الأكثر خضرة ينبغي أن تدخل أيضًا في الرواية الكاملة لتضاريسه.
هذا لا يعني أن الشمال هو «الأردن الحقيقي» السري الذي يحل محل أردن زائف. فهذا النوع من التصحيح يخلق عادة تشويهًا جديدًا. وادي رم هو الأردن الحقيقي. والبترا هي الأردن الحقيقي. والصحراء الشرقية هي الأردن الحقيقي أيضًا.
ما يحتاج إلى إصلاح هو التناسب. فقد انحازت الصور الدولية بشدة إلى الجنوب والشرق إلى حد أن كثيرًا من القراء بالكاد يتركون مكانًا لمرتفعات الشمال الغربي في خريطتهم الذهنية. ليست جرش وطرق مرتفعاتها استثناءً من الأردن، بل هي جزء من الأردن نسيَت البطاقة البريدية القابلة للطي أن تفتحه.
إذا أردت مدخلًا عمليًا واحدًا، فاعتمد على التضاريس لا على العلامة الذهنية الجاهزة. حين ترى الصنوبر، والطرق المنحنية، والتلال الشمالية المتراكبة في المشرق، فلا تشطب الأردن من قائمتك بسرعة كبيرة.
الطريق الذي يمر بين أشجار الصنوبر فوق جرش لا ينتمي إلى عالم مختلف عن الأردن. بل ينتمي إلى أردنٍ مختلف عمّا تخيله معظم الناس.