قبل أن ينسخ الماضي، أعاد متحف الفن الإسلامي في الدوحة صياغته

ADVERTISEMENT
ADVERTISEMENT

إن متحف الفن الإسلامي في الدوحة، الذي صمّمه آي. إم. باي وافتُتح عام 2008، يُظهر أعمق وجوه احترامه لتاريخ العمارة الإسلامية حين يرفض أن ينسخه حرفيًا؛ فما إن تتخيل نفسك تطوف حول واجهته الخارجية حتى تجد الدليل يتكرر أمامك في الكتلة، والتناسب، والضوء.

صورة بعدسة monk 333 على Unsplash

وقد يبدو ذلك، للوهلة الأولى، كلامًا مناقضًا للبداهة. فكثيرون يتوقعون من متحف للفن الإسلامي أن يعلن نسبه عبر القاشاني المزخرف، أو المشربيات المنحوتة، أو عرضٍ حافل بالزخارف التاريخية. لكن هذا المبنى يفعل ما هو أصعب. فهو يطرح سؤالًا مفاده: هل يمكن لتقليد ما أن يظل حيًّا حين يُترجم إلى شكل خالص؟

ADVERTISEMENT

قراءة مقترحة

لماذا ينتمي هذا المبنى الصارم إلى تقليد عريق

لطالما قدّم المتحف نفسه غاية باي بوصفها سعيًا إلى «جوهر العمارة الإسلامية». وهذه العبارة مهمة لأنها تحدد إطار المسألة. فهو لم يكن يبحث عن حزمة أسلوبية جاهزة، بل كان ينقّب عن النظام الكامن الذي منح المباني التاريخية ذلك الإحساس بالاتزان، والسكون، والدقة.

وقد قاد بحث باي، عبر أسفاره في المنطقة، إلى درس معماري أكثر تجريدًا وتكثيفًا، لا إلى نموذج حرفي يُحتذى.

كيف تحوّل المرجع إلى تجريد

بحث إقليمي

سافر باي في أرجاء المنطقة بحثًا عن مصدر يستطيع أن يستلهمه من غير أن يكرره فحسب.

التركيز على ابن طولون

غدا جامع ابن طولون في القاهرة المرجع الأساسي الذي ارتبط، في الغالب، بذلك البحث.

درس لا نسخة

وما أخذه منه كان درسًا مكثفًا في الضوء والهندسة وشكل النافورة الذي تأمله هناك، لا مبنًى يسعى إلى استنساخه.

ADVERTISEMENT

وهذا يفسر لماذا لا يبدو المتحف كأنه تجميع رقعي لعناصر مستعارة. فواجهته الخارجية تتألف من كتل مكعبة متراكبة، كتلة تعانق أخرى، ثم تتراجع، أو ترتفع، أو تنحسر إلى الداخل. وبدلًا من أن يتمدد في حركات كثيرة متنافسة، يشدّ نفسه إلى عائلة صغيرة من الأشكال الواضحة.

وهنا اختبار أول يمكنك أن تجريه على نفسك إذا كنت واقفًا أمامه أو حتى تنظر إلى صورة خارجية جيدة له: تخلّص، في ذهنك، من توقع القباب، والزخرفة الكثيفة، والأقواس المرسومة بتمامها. ثم اطرح سؤالًا بسيطًا: هل تظل الأشكال المتبقية منتظمة، واحتفالية، ومقروءة بوصفها جزءًا من هذا التقليد؟

الجواب نعم، لأن المبنى يواصل اختزال العناصر المألوفة إلى عظامها الإنشائية. فما كان يمكن أن يكون قوسًا يصبح قطعًا منضبطًا أو فتحة. وما كان يمكن أن يكون واجهة مزخرفة يصبح عمقًا: انحسارًا، وحافة، وخط ظل، وفراغًا. المبنى لا يتكلم بجمل تاريخية، لكن نحوه ما يزال إسلاميًا على نحو يمكن تمييزه.

ADVERTISEMENT

ثم يأتي دور الشمس لتُتم الحجة. فالظلال الحادة ترسم على الحجر الفاتح خطوطًا بالغة الصفاء، حتى تكف الواجهة عن أن تُقرأ كسطح مستوٍ وتبدأ في أن تُقرأ كسلسلة من المستويات. ويمكن للعين أن تقيس كل تراجع وبروز لأن الضوء يرسم الهندسة بوضوح نادر. عند تلك اللحظة، يتحول المتحف من موضوع جميل إلى شيء أدق: مبنى صُمّم ليكتمل بضوء الصحراء.

أهو، في النهاية، مجرد محاكاة مصقولة؟

ثمة اعتراض وجيه هنا. فعند النظرة السريعة، قد يبدو المتحف باردًا، بعيدًا، بل شديد الصقل، وقد يراه المشاهد المتشكك مجرد محاكاة أنيقة لأشكال إسلامية جُعلت آمنة لتناسب معلمًا تذكاريًا على الواجهة البحرية.

غير أن هذا الاعتراض لا يبدو معقولًا إلا إلى أن تقارن بين ما تقوم عليه المحاكاة وبين ما يؤكده هذا المبنى فعلًا.

المحاكاة في مقابل المنطق المعماري

الاعتقاد الشائع

المتحف محاكاة مصقولة تعتمد على الزخرفة الإسلامية المألوفة وعلى اقتباس تاريخي مأمون.

الواقع

إنه يعيد صياغة التناسب، والخط الخارجي، والفتحات، وكيفية تفاعل الضوء. مكعب فوق مكعب. انحسار. قطع. ظل. حافة. فراغ. صلته بالتقليد تحملها الكتلة والفتحات المنضبطة، لا جردة زخرفية.

ADVERTISEMENT

ولهذا تصمد الواجهة الخارجية من أكثر من زاوية. فالعنصر المنسوخ قد يلاطف العين لحظة ثم يبهت سريعًا، أما التناسب المحسوب جيدًا فيواصل فعله كلما تحركت. وفي هذا المبنى تبدو الكتل العليا كأنها منحوتة من الضوء، فيما تحتفظ الانحسارات السفلى بما يكفي من العتمة لشحذ التكوين كله.

ما الذي ينبغي ملاحظته إذا بدا التجريد بعيدًا أكثر من اللازم؟

ومع ذلك، لا يزال بعض الناس ينفرون من هذا القدر من التقشف، وليس من دون سبب. فالتجريد قد ينزلق إلى نوع من الانفصال. وكان من الممكن لمتحف يتناول تقليدًا حيًّا وتاريخيًا أن ينتهي، في يدٍ أقل اقتدارًا، إلى مظهر متعالٍ على الثقافة التي يزعم تكريمها.

غير أن ما ينقذ هذا المبنى ليس حداثة عامة، بل مجموعة من الخيارات المرئية المنضبطة التي تبقي واجهته الخارجية مشدودة إلى منطق العمارة الإسلامية.

ADVERTISEMENT
🏛️

ما الذي يُبقي التجريد متصلًا بجذوره

يبقى المبنى مرتبطًا بالتقليد عبر التناسب، والخط الخارجي، والفتحات، والطريقة التي ينظم بها الضوء الواجهة.

التناسبات

الكتل مقصودة إلى حد لا يسمح بقراءتها بوصفها حداثة عامة.

الخط الخارجي

يرتفع الشكل في تدرج يمنحه سلطة هادئة نجدها في كثير من المباني الإسلامية التاريخية.

الفتحات

جُرّدت الفتحات على نحو يستدعي الأقواس من غير أن يقدّم نسخة تنكرية منها.

الضوء بوصفه نظامًا

إن الوضوح الشكلي، والكتلة المنضبطة، واستخدام الضوء أداةً لتنظيم الواجهة، هي ما يجعل هذا الخارج مقنعًا.

ويكتسب هذا الفارق أهميته إذا كنت تعنى بالعمارة بما يتجاوز الانطباعات الأولى. فالمحاكاة قد تختزل التقليد إلى سطح، أما إعادة الصياغة فتسأل عمّا جعل ذلك التقليد مقنعًا من الأساس. وعلى الواجهة الخارجية لهذا المتحف، يبدو الجواب واضحًا بما يكفي لكي يختبره أي زائر متأمل: وضوح شكلي، وكتلة منضبطة، وضوء يُستخدم أداةً للتنظيم لا للزخرفة.

ADVERTISEMENT

لذلك، إذا بدا لك المبنى صارمًا في أول وهلة، فتمهّل مع هذا الانطباع دقيقة. فكثيرًا ما تكون الصرامة هي الهيئة التي يتخذها الوضوح قبل أن تلحق به العين. وما إن تفعل حتى تكفّ انضباطية المتحف عن أن تبدو باردة، وتبدأ في أن تبدو دقيقة.

أما المعيار الأدق فهو هذا: لعل المبنى المعاصر الأكثر احترامًا هو ذاك الذي يحفظ منطق التقليد، لا ذاك الذي ينسخ زخارفه.