ذلك اللون الأخضر فوق راينه ليس هواءً جليديًا يتوهج في البرد. بل هو في الغالب ضوء يصدر عن الأكسجين على ارتفاع شاهق فوق الأرض، عادة بين 100 و200 كيلومتر، بحسب شرح NASA Science للشفق القطبي المحدَّث في 4 فبراير 2025.
وهذا التصحيح مهم لأن الشفق يبدو محليًا. فهو ينتصب فوق الأسطح والحواف الجبلية على نحو متناسق إلى درجة تجعل عينيك تصنفانه ضمن الطقس والضباب وهواء الشتاء. لكن الشفق الأخضر الشائع لا يخيّم فوق الميناء. إنه يحدث في الطبقات العليا الرقيقة من الغلاف الجوي، على ارتفاع يفوق كثيرًا السحب والطائرات المدنية.
قراءة مقترحة
تخيّل أولًا المقياس المألوف: بيوت قليلة، ومياه ساكنة، وجدران جبلية داكنة، وشريط أخضر يبدو كأنه ينتمي إلى الليل نفسه الذي ينتمي إليه نَفَسك. وهنا يقع الخطأ السهل.
إليك اختبارًا سريعًا: في المرة المقبلة التي ترى فيها صورة للشفق القطبي، اسأل نفسك: هل يحدث ذلك التوهج فوق البيوت، أم بعيدًا فوقها؟ والإجابة الأدق هي الثانية. فالستارة المضيئة المرئية تكون عادة على ارتفاع يتراوح بين 100 و300 كيلومتر، بحسب العرض.
على ارتفاع 100–300 كم
تقع ستارة الشفق القطبي المرئية المعتادة على ارتفاع شاهق فوق البيوت والسحب والطائرات، حتى عندما يوحي المنظور بأنها قريبة ومحلية.
وتقول NOAA إن اللون الأخضر المألوف يرتبط بذرات الأكسجين المثارة في الطبقات العليا من الغلاف الجوي. وكلمة «مثارة» هنا لا تعني انفعالًا عاطفيًا، بل تعني أن الذرة تلقت طاقة ثم أعادت جزءًا من تلك الطاقة على هيئة ضوء.
والآن وجّه نظرك إلى الأعلى. فالسكينة التي في الأسفل لا تكاد ترتبط بالفعل الحقيقي الجاري هناك.
وتصبح العملية بسيطة ما إن تفصلها إلى مراحل: جسيمات واردة، وتوجيه مغناطيسي، وتصادم جوي، ثم انبعاث للضوء.
يأتي كثير من هذه الجسيمات في نهاية المطاف من الشمس ويدخل قرب الأرض.
يُوجِّه هذا المجال تلك الجسيمات نحو المناطق القطبية بدلًا من أن يتركها تتوزع بالتساوي في كل مكان.
في الطبقات العليا من الغلاف الجوي، تصطدم الجسيمات الواردة بالذرات والجزيئات وتنقل إليها الطاقة.
تهبط الذرات المثارة إلى حالات طاقة أدنى وتبعث ضوءًا مرئيًا، فيتكوّن الشفق القطبي.
هذه هي الآلية التي يجدر بك الاحتفاظ بها في ذهنك: يدخل الجسيم، فتُدفَع الذرة إلى حالة طاقة أعلى، ثم تهبط الذرة من جديد، فينبعث الضوء. فالشفق القطبي ليس طقسًا متجمدًا، بل إعادة إصدار للضوء بعد التصادم.
أما الأخضر الذي يعرفه معظم الناس أكثر من غيره، فبطله الأساسي هو الأكسجين. فعلى ارتفاع يقارب 100 إلى 200 كيلومتر، يمكن أن يوجد الأكسجين على هيئة ذرات منفردة بدلًا من جزيئات الأكسجين الثنائية التي نتنفسها قرب سطح الأرض. وعندما تُثار ذرات الأكسجين الذرية تلك على النحو المناسب، فإنها تبعث الضوء الأخضر الذي يحدّد في كثير من الأحيان ملامح الشفق القطبي. هذا هو المصدر الحقيقي للون. وما إن تعرف ذلك، حتى يتغير شكل المشهد كله في ذهنك.
شيوع اللون الأخضر يعود جزئيًا إلى المواضع التي تحدث فيها كثير من اصطدامات الشفق، ويعود جزئيًا أيضًا إلى أن أعيننا جيدة نسبيًا في التقاط الضوء الأخضر في الظروف الخافتة. وقد تظهر ألوان أخرى، لكنها لا تبدو دائمًا بالوضوح نفسه للعين المجردة.
قد يبدو الشفق القطبي خافتًا أو ذا لون لطيف فحسب، ولا سيما في ظروف الإضاءة الضعيفة.
يمكن لجمع الضوء مدة أطول أن يُظهر لونًا أخضر أقوى وأكثر حيوية مما رآه الشخص في تلك اللحظة.
وثمة حدّ واقعي واحد يجدر إبقاؤه في البال: ليس كل شفق قطبي سيبدو أخضر زاهيًا عندما تقف تحته. فالكاميرات تستطيع جمع الضوء مدة أطول مما تستطيع عيناك، ولهذا تُظهر الصور غالبًا لونًا أقوى مما رآه الشخص في حينه.
هذا لا يعني أن الآلية قد تغيّرت، بل يعني فقط أن عين الإنسان ومستشعر الكاميرا ليسا الأداة نفسها. فقد يكون الأكسجين لا يزال يؤدي العمل نفسه فوقك، بينما لا ترى أنت سوى مسحة أشد خفوتًا.
قد يبدو ستار من الشفق القطبي كأنه يرتفع مباشرة خلف صف من البيوت، لأن رؤيتك تضغط المسافة. ويحدث الأمر نفسه حين يبدو القمر ضخمًا قرب الأفق. إذ يلتقط دماغك المرجع الموجود في المقدمة ويثبت إليه الجسم البعيد.
وأوضح طريقة لكسر هذا الوهم هي أن تقارن الارتفاعات التي تعرفها أصلًا بالارتفاع الذي لا تعرفه عادة.
لكن قارن بين المقاييس. فالسحب العالية توجد غالبًا على ارتفاع بضعة كيلومترات. والطائرات النفاثة تحلّق على ارتفاع يقارب 10 أو 11 كيلومترًا. أما الشفق القطبي الأخضر الشائع فيبدأ من نحو 100 كيلومتر، وقد يمتد إلى ما فوق ذلك بكثير. أنت لا تنظر إلى ضباب متوهج فوق قرية، بل تنظر إلى حافة الفضاء.
ولهذا قد يخدعك الشكل. فستارة طويلة وعالية تُرى من مسافة بعيدة قد تصطف مع الجبال أو الأسطح أو خط الساحل، فتبدو قريبة. المنظور هو من يصنع الخدعة؛ أما الارتفاع فيفككها.
احتفظ في ذهنك برسم واحد: الأرض في الأسفل. الطقس في الكيلومترات القليلة الدنيا. الطائرات النفاثة عند نحو 10 كيلومترات. ثم، فوق كل ذلك بكثير، نطاق واسع تصطدم فيه الجسيمات المشحونة الواردة بالأكسجين، فترد السماء باللون الأخضر.
وإذا أردت عادة عملية واحدة، فلتكن هذه: كلما رأيت الشفق القطبي، تخيّل التوهج لا بوصفه شيئًا منتشرًا في الهواء البارد من حولك، بل بوصفه أكسجينًا يضيء عاليًا فوقك. هذا التصحيح الواحد يجعل المشهد أكثر واقعية، لا أقل.
فاللون الأخضر للشفق القطبي فوق راينه ليس هواء الشتاء مضاءً من داخله؛ بل هو أكسجين ذري يشعّ على ارتفاع يزيد على 100 كيلومتر فوق الأسطح.