ما يبدو صفاً من القباب والمآذن كان أيضاً سلسلة من المطابخ والمدارس والمستشفيات وأماكن الإيواء، تخدم الطلاب والمرضى والمسافرين والفقراء عبر أوقاف تتمحور حول المسجد. ذلك هو الجانب الذي يغيب عن كثير من زوار أفق إسطنبول: فأشهر معالمه لم تكن أماكن للصلاة فحسب، بل كانت أيضاً أجزاء عاملة من منظومة الرفاه الحضري.
وفي الاصطلاح العثماني، الكلمة المفتاحية هي «الكُلّية»، أي مجمع مسجد أُنشئ ومعه مؤسسات ملحقة. وتصف اليونسكو شبه الجزيرة التاريخية من خلال هذا النمط الذي يجمع المسجد والمدرسة والمستشفى والمطبخ والحمّام وما يتصل بالأسواق من عناصر دعم. وكان التمويل يأتي غالباً عبر الوقف، أي تخصيص المحال والحقول والإيجارات وغيرها من الإيرادات قانونياً لإبقاء المجمع قائماً، ودفع أجور العاملين، وشراء الطعام أو الدواء.
قراءة مقترحة
ما إن تعرف ذلك حتى يتبدل شكل الأفق في ذهنك. فكثيراً ما كان المسجد الكبير مركزاً مرئياً لآلة اجتماعية أوسع. كانت القبة تشير إلى الصلاة، نعم، لكن وراءها كانت تقف قاعات للدراسة، ومطابخ خيرية، وأفنية، ومستودعات، وكشوف أجور، وقواعد تحدد من يُقدَّم له العون.
وقد ربط النموذج العثماني بين مؤسسات متعددة تحت مؤسسة وقفية واحدة، بدلاً من التعامل مع العبادة والدراسة والرعاية والإطعام بوصفها أنظمة مدنية منفصلة.
| المجمع أو النموذج | المؤسسات الرئيسية | ما الذي يبيّنه |
|---|---|---|
| تقليد بايزيد الثاني | مسجد، مستشفى، مدرسة طب، وإمارة | أن الدين والطب والتعليم وتوفير الطعام صُممت معاً |
| مجمع جامع الفاتح | مدارس، مستشفى، مطبخ خيري، خان، ومبانٍ خدمية أخرى | أن العاصمة الإمبراطورية نُظمت عبر الدراسة والتوزيع والإيواء بقدر ما نُظمت عبر المراسم |
وفي عهد سليمان، توسع هذا النظام ليغدو شبكة مؤسساتية أكبر تمولها عائدات الأوقاف.
كان المسجد يرسو عليه المجمع، فيما كانت الوظائف الخيرية الملحقة به تمدد دوره إلى ما يتجاوز العبادة.
كان التعليم العالي والتدريب الطبي جزءاً من الوقف نفسه الذي ضم المسجد الأثري المهيب.
كان العلاج وإعداد الوجبات جزءاً من البنية الاجتماعية نفسها التي تظهر في الأفق.
كانت الإيرادات التجارية والمرافق الملحقة تساعد في دفع الأجور والحفاظ على عمل المؤسسة كلها.
ومن الإنصاف أن نتوقف هنا قليلاً. فقد كانت هذه المؤسسات بالفعل بنية تحتية للرعاية، لكنها لم تكن خدمات اجتماعية حديثة شاملة للجميع. فقد كان الوصول إليها قد يخضع للمكانة أو الجنس أو الدين أو لشروط الواقف، كما أن كل مجمع إمبراطوري كان يعلن أيضاً عن قوة السلالة الحاكمة.
يمكنك أن تجادل ببساطة بأن الأفق كان في معظمه استعراضاً إمبراطورياً للذات. فقد بنى السلاطين وأسرهم على ارتفاع شاهق، وبأحجام ضخمة، وفي مواضع لا تستطيع المدينة أن تتغافل عنها. ومن جهة الماء، كانت الرسالة واضحة: السلطة تستقر هنا.
غير أن هذه القراءة تبهت بمجرد أن تخطو خلف قاعة الصلاة. فصيغة الكُلّية ربطت بين الهيبة والخدمة، ومنح نظام الوقف تلك الخدمة ميزانية. وكان مجمع المسجد يحتاج إلى طهاة ومعلمين وأطباء وقائمين على الرعاية ومحاسبين وبوابين وعمال نظافة. وكان يحتاج إلى الحبوب والحطب والأقمشة والإصلاحات وإيرادات الإيجار. ومن الأسفل، كان الأفق مقروءاً لا بوصفه أمراً وسلطاناً فحسب، بل بوصفه دعماً منظماً أيضاً.
في المرة المقبلة التي تنظر فيها إلى أفق عثماني، لا تسأل فقط: من كان يصلي هناك؟ بل اسأل أيضاً: من كان يأكل أو يتعلم أو يتلقى العلاج أو يبيت في الجوار؟
السليمانية هي المكان الذي تتضح فيه هذه الفكرة. يعرف الناس المسجد لأن هيئته تهيمن على المدينة القديمة، غير أن المجمع خُطط له في القرن 16 بوصفه حياً وظيفياً متكاملاً. فقد قامت حول فضاء العبادة الرئيسي مدارس بمستويات مختلفة، ومستشفى، ومدرسة طب، وإمارة، وحمّام، وعقارات مدرّة للدخل أُلحقَت به عبر الوقف.
وهذا يعني أن شخصاً كان يقترب من المجمع في زمنه ربما لم يكن قد جاء للصلاة أصلاً. فالطالب كان يأتي للدروس. والمريض كان يأتي للعلاج. والعامل كان يأتي لأن الوقف يدفع الأجور. والمحتاج كان يأتي للطعام من المطبخ العام. لقد جُمعت الهيئة الأثرية المهيبة والروتين اليومي المألوف في المؤسسة نفسها.
كانت السليمانية تؤدي وظيفة حيز حضري مشترك لأنواع مختلفة من الناس، لا للمصلين وحدهم.
الطلاب
كانوا يأتون للدروس في المدارس وفضاءات التعلّم المتقدم الملحقة بالوقف.
المرضى
كانوا يأتون للعلاج في مرافق المستشفى المموّلة عبر الوقف.
العاملون
كانوا يأتون لأن الطهاة والمعلمين والأطباء وغيرهم من العاملين كانوا يتقاضون أجورهم من الوقف.
المحتاجون
كانوا يأتون للطعام من المطبخ العام المدمج في المؤسسة الأثرية نفسها.
ويفيد تاريخ الطب على وجه الخصوص هنا لأنه يجعل هذا النظام ملموساً. فالمستشفيات العثمانية المرتبطة بالمؤسسات الوقفية الكبرى لم تكن هوامش جانبية؛ بل كان لها موظفون، وأماكن للعلاج، وتمويل قانوني. فالهندسة الإمبراطورية نفسها التي ثبتت حضورها في الأفق كانت تحتضن الرعاية على الأرض. وذلك هو الجانب الذي لا يتوقعه كثير من المشاهدين المعاصرين، ولهذا قد يضللهم المشهد الظلي.
سيكون من التلطيف المفرط أن نصف ذلك بأنه عصر ذهبي مفقود. فقد كانت الأوقاف تُدار أحياناً على نحو غير متكافئ. وكانت للخدمة حدودها. كما أن هذه المجمعات عززت الشرعية بقدر ما خففت المشقة، وقد فعلت ذلك في مجتمع كان منظماً على نحو يختلف كثيراً عن المدينة الحديثة.
ومع ذلك، تبقى هذه المراجعة مهمة. فإذا تعاملت مع الأفق بوصفه رمزية خالصة، فاتتك المطابخ. وإذا تعاملت معه بوصفه إحساناً خالصاً، فاتتك الإمبراطورية. والرؤية الأجدى هي التي تمسك بالأمرين معاً: فقد وضعت العاصمة العثمانية مؤسسات تخدم الجمهور داخل أبهى صيغها المعمارية، ثم موّلتها عبر أوقاف قُصد لها أن تعيش بعد مؤسسها.
وهكذا، لم يكن خط المساجد الشهير على أفق إسطنبول في جوهره مجرد خلفية احتفالية. بل كان خريطة مدنية من حجر، تحدد فيها القباب والمآذن المواضع التي كان يلتقي فيها الطعام والدراسة والرعاية وكشوف الأجور بالشارع.