الحيلة التصميمية داخل كل خوذة رائد فضاء

ADVERTISEMENT
ADVERTISEMENT

ليست خوذة رائد الفضاء، في جوهرها، مجرد فقاعة شفافة للنظر إلى الخارج. إنها غلاف داعم للحياة، وعليه أيضًا أن يساعد الإنسان على مواصلة العمل بعدما تُشوَّه عاداته البصرية الطبيعية، ولا سيما الاستخدام السهل للرؤية الجانبية الذي نعتمد عليه من غير أن ننتبه.

يفترض معظمنا أن مهمة الحاجب الواقي بسيطة: أن يجعل الفضاء مرئيًا مع إبقاء الفراغ خارجه. لكن المهمة الخفية أصعب من ذلك. فالخوذة يجب أن تحمي العينين من الصدمات، وفقدان الضغط، وضوء الشمس القاسي، والغبار، مع أقل قدر ممكن من الإعاقة لعملية المسح السريعة شبه التلقائية التي تقوم بها العينان والرقبة طوال اليوم على الأرض.

ADVERTISEMENT

قراءة مقترحة

صورة من تصوير Antonin Duallia على Unsplash

أول ما تفقده في الرؤية ليس الحدة البصرية

تنقسم الرؤية البشرية أصلًا في وظائفها بين مركز غني بالتفاصيل وأطراف حساسة للحركة، ولهذا فإن فقدان الوعي الجانبي مهم إلى هذا الحد داخل الخوذة.

الرؤية المركزية والرؤية المحيطية تؤديان وظيفتين مختلفتين

منطقة الرؤيةالأفضل فيهاالقصور
الرؤية المركزيةالقراءة، والتفاصيل الدقيقة، والتقاط الملصقاتمجال ضيق
الرؤية المحيطيةالحركة، والوميض، والتغيرات المكانية العامةضعيفة في التفاصيل الدقيقة

وقد أثبت باحثو الرؤية ذلك منذ زمن طويل. فمركز الشبكية، الذي يُسمّى النقرة، مكتظ بالخلايا التي تمنح دقة عالية في التفاصيل. أما كلما ابتعدنا نحو الخارج، فإن العين تصبح أقل دقة بكثير، لكنها تظل بارعة في ملاحظة الوميض والحركة وظهور شيء ما داخل المجال البصري. ويهمّ ذلك في أي مهمة يكون فيها الجسد في حركة، والرأس منشغلًا، والخطر قد يظهر قبل أن تقرر الالتفات إليه.

ADVERTISEMENT

يمكنك اختبار هذا الفرق في عشر ثوانٍ. ثبّت عينيك على كلمة واحدة في هذه الفقرة، ثم حرّك إصبعًا ببطء إلى الجانب. ستلتقط الحركة قبل وقت طويل من قدرتك على تمييز شكل ذلك الإصبع بأي تفصيل يُذكر.

لماذا تقاوم خوذة الفضاء، في هدوء، طريقتك المعتادة في النظر من حولك؟

تعطّل خوذة الفضاء الرؤية عبر عدة آليات متداخلة في آن واحد، لا عبر عيب واحد صارخ.

كيف تتداخل الخوذة مع المسح البصري الطبيعي

1

حاجب واقٍ منحني

يجب أن يكون الحاجب الواقي منحنيًا لأسباب بنيوية ولتوسيع مجال الرؤية، لكن خطوط النظر عند الأطراف قد تتعرض لبعض التشوه.

2

بنية الخوذة

يمكن للحافة، وحلقة العنق، وتجهيزات الحاجب الواقي أن تحجب فعليًا جزءًا مما كانت العين تلتقطه عادة.

3

مقاومة البدلة

يؤدي تقييد حركة الرقبة والجذع إلى إبطاء التسلسل المعتاد الذي يستخدمه الناس على الأرض بين العينين والرأس والكتفين.

4

فقدان متراكم عند الأطراف

تجعل الانعكاسات والتشوّه الطفيف والزوايا المحجوبة إشارات التحذير القادمة من الرؤية المحيطية أقل موثوقية.

ADVERTISEMENT

هذا الإحساس المباشر هو محور المشكلة التصميمية كلها. فسطح الحاجب الواقي المنحني قد يثني قليلًا ما يصل إلى أطراف مجال رؤيتك، وقد تحجب بنية الخوذة ذلك المجال بالكامل. وبالنسبة إلى نظام يعتمد على الرؤية المحيطية لالتقاط الحركة أكثر مما يعتمد على التفاصيل أمامه مباشرة، فهذا فقدان وظيفي حقيقي.

المفاجأة هي مدى قِدم هذه المشكلة في الحقيقة

وهنا تتسع القصة فجأة لتتجاوز البراغي والبلاستيك. فالرؤية البشرية لم تُبنَ فقط من أجل الإبصار الحاد إلى الأمام. لقد تشكّلت عبر زمن طويل جدًا لتعمل مع التقاط الحركة من الجوانب، والمسح السريع للتهديدات، وإدارة الجسم، وقراءة الأفق.

هذه العادات قديمة. قديمة جدًا. فنحن نلاحظ الحركة عند الأطراف، ثم نستدير نحوها، ونستخدم المشهد الأوسع للحفاظ على التوازن، وندع الأفق يساعدنا في تنظيم معنى الأعلى والأسفل ومكان الخطر. والخوذة تعطل عدة أمور من هذه دفعة واحدة.

ADVERTISEMENT

ثم عودة حادة إلى العتاد: لهذا السبب يُعدّ الحاجب الواقي أداةً من أدوات العوامل البشرية، لا مجرد نافذة. فمصممو بدلات الفضاء لا يحاولون منح رواد الفضاء رؤية مثالية، بل يسعون إلى الحفاظ على قدر كافٍ من أسلوب عمل النظام البصري البشري، بحيث يستطيع الشخص أن يتحرك ويقدّر المسافات ويمد يده ويتفاعل تحت الضغط.

لماذا يُعدّ شكل الحاجب الواقي تسويةً لا عيبًا؟

تُقاس جودة الرؤية في الخوذة وفق مفاضلات الأداء، لا وفق ما إذا كان الحاجب الواقي يبدو شفافًا على نحو مثالي.

ما الذي يمنحه حاجب واقٍ أكبر حجمًا، وما الذي يكلّفه

الفائدة

يفتح الحاجب الواقي الأكبر والأكثر استدارة مجال الرؤية ويخفف الإحساس بالانحصار لدى من يرتديه.

الكلفة

يجب أن يصمد سطح أكبر أمام الضغط، ويقاوم الخدوش، ويدير الوهج، ويعمل مع ترشيح ضوء الشمس، لذا فإن الوضوح المثالي في كل المواضع أمر مستحيل.

ADVERTISEMENT

ولا تعيد هذه التسوية أيضًا الرؤية الطبيعية كما هي على الأرض. فقد يظل تقدير العمق غريبًا في الإحساس، وقد يظل الوهج الساطع يطمس أجزاء من المشهد، وقد تظل الانعكاسات تنافس المشهد الخارجي. ومن ينتظر راحة عادية داخل آلة استثنائية إنما يطلب منها الشيء الخطأ.

ألا يستطيع رواد الفضاء التدرّب على تجاوز ذلك؟

إلى حدّ ما، نعم. يتدرّب رواد الفضاء كثيرًا على أنماط المسح البصري، واستخدام الأدوات، ووضعيات الجسم، وكيفية الحركة ضمن قيود البدلة. ويساعد التكرار على بناء عادات جديدة، وهذا مهم.

لكن التدريب لا يلغي فيزياء البدلة. فالجذع الصلب يجعل الالتفات أبطأ. وعبء العمل المرتفع يضيّق الانتباه. كما أن الضوء القاسي وانعكاسات الحاجب الواقي يتنافسان على السعة البصرية نفسها. ويزيل ضغط الوقت رفاهية التحقق الدقيق والمتكرر. وفي مثل هذا السياق، ليست المساعدة التصميمية مجرد دعم احتياطي اختياري، بل هي جزء مما يجعل التدريب ممكنًا أصلًا.

ADVERTISEMENT

فكّر في الأمر على هذا النحو: إذا كانت الخوذة تقتطع من الوعي عند الأطراف أو تضعفه، فلن يستطيع رائد الفضاء التعويض إلا بإنفاق مزيد من حركة الرأس، ومزيد من الوقت، ومزيد من الانتباه. وهذه موارد باهظة أثناء السير في الفضاء. ويحاول التصميم الجيد للخوذة أن يعيد إليه بعضًا منها.

الحيلة التصميمية التي ستنتبه إليها من الآن فصاعدًا

حين تنظر إلى خوذة رائد فضاء، تجاهل ميلك الغريزي إلى الحكم عليها بوصفها غلافًا شفافًا. واقرأها بدلًا من ذلك بوصفها جوابًا مشكّلًا على مشكلة بيولوجية: فالإنسان لا يرى العالم أساسًا عبر مخروط أمامي ثابت وحاد. نحن نعمل بمزج الرؤية التفصيلية في المركز مع الوعي الحساس للحركة عند الأطراف، إلى جانب سهولة التفات الرأس والجسم. وعلى الخوذة أن تحمي الشخص مع إلحاق أقل ضرر ممكن بهذا النظام.

انظر أولًا إلى اتساع الحاجب الواقي، ثم إلى الحافة، ثم تخيّل مقدار ما تسمح به البدلة من التفات للرقبة. هذه المراجعة الواحدة تكفي لتكشف الحقيقة التصميمية الخفية: الخوذة تحاول حل مشكلة تتعلق بالبيولوجيا البشرية، لا بمجرد الرؤية.