يقول الناس إن القطط تستطيع الرؤية في الظلام التام. ليس تماماً. ما تفعله في الحقيقة هو أنها ترى أفضل بكثير منا في الإضاءة الخافتة جداً، ولهذا قد يبدو القط الجالس في ممر معتم على نحو خافت كأنه كائن فوق طبيعي.
وهذا التصحيح مهم، لأن الجزء المتعلق بتوهج العينين يدفع الناس إلى الاتجاه الخطأ. ووفقاً لمصادر بيطرية، منها مركز كورنيل لصحة القطط، تحتاج القطط إلى قدر متاح من الضوء حتى ترى. فهي مهيأة للظروف الخافتة، لا لعالم يخلو تماماً من الضوء.
قراءة مقترحة
أنت تعرف هذا المشهد. قط يجلس في مدخل باب بعد الغسق، ويبدو مرتاحاً تماماً بينما يظل البشر يحدقون بصعوبة ويتلمسون الجدار. ومن السهل عندها أن تقرر أن هذا الحيوان يملك وضعاً خاصاً للرؤية في الظلام وتكتفي بذلك.
ما نشعر بأنه ظلام قد يكون في الواقع مشهداً خافت الإضاءة مليئاً بإشارات ضوئية صغيرة يستطيع القط الاستفادة منها.
ضوء غير مباشر من غرفة أخرى
قد ينساب ضوء مصباح من غرفة مجاورة إلى الممر بما يكفي ليُحدث فرقاً.
ضوء متسرب من الخارج
قد يجعل ضوء الشارع الداخل عبر النافذة الغرفة تبدو أظلم مما هي عليه فعلاً.
توهج الأجهزة
يمكن للشواحن وأجهزة التلفاز وغيرها من الإلكترونيات أن توفر فتات الضوء الذي تجيد القطط استغلاله.
توقف هنا لحظة. انتبه إلى الوقت الذي يلمع فيه بريق عيني قطك بأوضح صورة: ليس عند الظهيرة، ولا في غرفة حالكة السواد حقاً، بل في ضوء خافت. فمصباح من غرفة أخرى، أو ضوء شارع عبر نافذة، أو وهج شاحن، أو تلفاز تُرك يعمل على إضاءة منخفضة؛ هذه الشذرات الصغيرة من الضوء كثيراً ما تؤدي دوراً أكبر مما يظنه الناس.
وتبرع القطط في هذه الظروف لأن عيونها مصممة لالتقاط الضوء بكفاءة. هذه هي الرواية المباشرة. أما الرواية المخيفة فهي أكثر متعة، لكن الرواية المباشرة هي الصحيحة.
إذا كانت القطط تستطيع الرؤية في الظلام التام، فلماذا تحتاج عيونها أصلاً إلى التقاط الضوء؟
ذلك الوميض المائل إلى الأخضر الذي يلاحظه الناس في غرفة خافتة هو الدليل الفاصل. يبدو وكأنه برهان على السحر، لكنه في الحقيقة برهان على أن الضوء موجود من الأصل. فالعين تعكس هذا الضوء وتعيد استخدامه، ولا تخلق الرؤية من لا شيء.
تصبح الآلية بسيطة بمجرد تقسيمها إلى مراحل: تسمح القطط بدخول مقدار أكبر من الضوء، وتلتقط الأشكال الخافتة بكفاءة، ثم تعيد استخدام الضوء الداخل عبر طبقة عاكسة.
في الضوء الخافت، تنفتح حدقات عين القط على اتساع كبير، ما يسمح بدخول مزيد من الضوء إلى العين.
وتساعد الشبكية الغنية بالخلايا العصوية القطط على رصد الحركة والأشكال عندما يكون المشهد خافت الإضاءة.
تمنح الطبقة العاكسة خلف الشبكية الضوء الداخل فرصة ثانية للمرور، وهذا يفسر إلى حد كبير كلّاً من لمعان العينين وقوة الرؤية في الإضاءة الضعيفة.
لنبدأ بالحدقات. ففي الضوء الخافت، تتسع حدقات عين القط كثيراً، ما يسمح بدخول مزيد من الضوء إلى العين. وكلما زاد الضوء الداخل، زادت المادة الخام اللازمة للرؤية.
ثم تأتي الشبكية، وهي الطبقة الحساسة للضوء في مؤخرة العين. وتمتلك القطط فيها كثيراً من الخلايا العصوية. وهذه الخلايا تعمل بأفضل صورة في الظروف الخافتة، لذلك تساعد القطط على رصد الحركة والأشكال عندما يضعف الضوء.
وخلف الشبكية يوجد الجزء ذو الاسم اللافت: التابيتوم لوسيدوم. وهي طبقة عاكسة تُعيد ارتداد الضوء عبر الشبكية ليحصل على فرصة أخرى كي يُلتقط، ولهذا تبدو العينان وكأنهما تتوهجان، ولهذا أيضاً تحسن القطط الاستفادة إلى هذا الحد من الضوء الخافت.
وعندما تجمع هذه الخطوات معاً، تصبح الحيلة أقل غموضاً. تتسع الحدقات، فيدخل مزيد من الضوء، وتساعد الرؤية المعتمدة على كثرة الخلايا العصوية في المشاهد الخافتة، ثم تمنح الطبقة العاكسة ذلك الضوء مروراً ثانياً. أمر مدهش؟ نعم. رؤية في ظلام بلا حدود؟ لا.
ما يسميه الناس ظلاماً في المنزل يمكن وصفه في العادة على نحو أدق بأنه إضاءة محيطة منخفضة، والقطط بارعة على نحو استثنائي في استغلالها.
| ما الموجود | كيف يميل البشر إلى قراءته | ماذا يعني ذلك بالنسبة إلى القط |
|---|---|---|
| ضوء القمر عند النافذة | ظلام تقريباً | مصدر ضوء خافت لكنه قابل للاستخدام |
| تسرب ضوء مصباح الممر من تحت الباب | من السهل تجاهله | ضوء إضافي يتسلل إلى الغرفة |
| شاشة جهاز منزلي | أصغر من أن يكون ذا أثر | نقطة ثابتة من الضوء المحيط |
| ضوء شاشة الهاتف أو وهج الشاحن | مجرد تفاصيل في الخلفية | إشارة ضوئية أخرى داخل المكان |
وهنا يعترض الناس: قطي يتحرك في المكان على نحو ممتاز مع إطفاء كل الأضواء. هذا اعتراض مفهوم. لكن عبارة «كل الأضواء مطفأة» داخل المنزل تعني عادة، بمعايير الحيوانات، أن هناك قدراً لا بأس به من الضوء المحيط.
قد يكون هناك ضوء قمر عند النافذة، أو مصباح ممر يتسرب نوره من تحت الباب، أو شاشة جهاز منزلي، أو هاتف موصول بالشحن على الطاولة. بالنسبة إلينا قد يبدو ذلك ظلاماً. أما بالنسبة إلى قط مهيأ لاستغلال مقادير ضئيلة من الضوء بكفاءة، فكثيراً ما يكون ذلك كافياً تماماً.
وليس الضوء كل القصة على أي حال. فالقطط تعرف أيضاً ترتيب الغرفة، وتستخدم شواربها لتقدير الحيز القريب منها، وتعتمد كثيراً على السمع. لذلك فإن تحرك القط بثقة ليلاً ليس دليلاً على أن العينين تعملان بلا ضوء، بل دليل على أن القط يستخدم كل أداة متاحة له.
ولا يعني شيء من هذا أن القطط ضعيفة البصر. بل يعني أن بصرها متخصص. فمقارنة بالبشر، هي أفضل منا بكثير في الإضاءة الخافتة، لكنها لا تقرأ غرفة حالكة السواد كما لو كانت مضاءة.
ولا يعني ذلك أيضاً أنها تتحرك بإتقان كامل في كل مساحة مظلمة. فقد تخطئ القطط في تقدير المسافات، أو تصطدم بأشياء غير مألوفة، أو تتردد في أماكن يقل فيها الضوء أكثر مما أدركت. وهذا ليس تناقضاً، بل ظهور الحد البيولوجي على حقيقته.
والجميل في هذه الخرافة أن تصحيحها سهل الاحتفاظ به في الذهن. فتوهج العينين لا يثبت أن القط يستطيع الرؤية في الظلام التام، بل يثبت أنه يلتقط الضوء ويستفيد منه إلى أقصى حد.
وثمة اختبار بسيط يمكن تطبيقه في المنزل: عندما تبدو عينا قطك متوهجتين، ابحث عن مصدر الضوء الصغير الذي كدت تغفله، لأن هذه هي العلامة على أن الرؤية تحدث بوجود الضوء، لا في غيابه.