يظن معظم الناس أن الانطلاقة السريعة في العدو تأتي من سرعة القدمين. لكن في الخطوتين الأوليين يكون هذا التصور معكوسًا. فالانطلاقات الأفضل تُبنى على قضاء قدر كافٍ من الوقت على الأرض للدفع بقوة في الاتجاه المفيد: إلى الخلف في المضمار، وإلى الأمام بالجسم.
إذا سبق لك أن حاولت العدو من سكون تام، فأنت تعرف ذلك الإحساس حين تنجح الحركة كما ينبغي. فالدفعة الأولى لا تبدو كأنها قفزة، بل كأنك تدفع المضمار إلى الخلف، أشبه بما تفعل حين تميل بجسمك إلى سيارة متعطلة لتحريكها قبل أن تستقيم وتبدأ بالجري.
قراءة مقترحة
ولهذا تبدو العجلة الجيدة منخفضة وعنيفة من دون أن تبدو متعجلة. فالعدّاء لا يحاول في الخطوة الأولى أن يفوز بمسابقة سرعة حركة الساقين، بل يسعى إلى الخروج من مكعبات البدء بسلاسة، وترتيب جسمه كأنه منحدر، وتوجيه معظم القوة أفقيًا بدل إهدارها إلى الأعلى.
هنا تكمن النقطة التي يغفل عنها كثيرون: العجلة المبكرة تكافئ اتجاه القوة قبل تردد الخطوات. وبعبارة بسيطة، قد يكون الرياضي الذي يبدو أكثر صبرًا قليلًا في ملامسته للأرض هو من يخرج بصورة أفضل، لأن ذلك الجزء الإضافي الضئيل من زمن الارتكاز يمنحه وقتًا للدفع.
وقد أكدت أبحاث الميكانيكا الحيوية للعدو هذه الفكرة منذ سنوات. فقد ارتبط الأداء في مكعبات البدء والعجلة المبكرة بمدى كفاءة الرياضيين في توجيه القوة أفقيًا أثناء الانطلاق. ولم تكن الحكاية مجرد «حرّك الساقين بسرعة أكبر»، بل كانت «ادفع الجسم إلى الأمام على نحو أفضل».
وجاءت ورقة بحثية مفيدة أخرى من دراسة Kugler and Janshen عام 2010 عن الجري المتسارع، إذ تناولت 57 رياضيًا (28 من لاعبي كرة القدم الرجال، و10 من لاعبات كرة القدم، و19 رياضية)، وذكرت أن مرحلة العجلة تعتمد على إنتاج قوى دفع عالية مع أوضاع جسم تسمح بتوجيه هذه القوى إلى الأمام. ومرة أخرى، لم تكن الخطوات الأولى مجرد ضبابية حركة لغاية الضبابية نفسها، بل كانت دفعات منظمة.
ويمكنك أن ترى هذا مباشرة في ثلاثة أفعال جسدية.
يخرج الرياضي من مكعبات البدء من دون أن يرفع صدره فجأة، محافظًا على وضعية لا تزال قادرة على الدفع إلى الأمام.
وتُظهر زاوية قصبة الساق المنخفضة والمتجهة إلى الأمام أن الدفع يُرسل إلى الخلف في الأرض حتى ينطلق الجسم إلى الأمام.
يرتفع الجسم كله شيئًا فشيئًا بدل أن يرتفع دفعة واحدة، بما ينسجم مع تحول اتجاه القوة مع ازدياد السرعة.
فكر في الخطوتين الأوليين بهذا الترتيب.
تبقى قصبة الساق منخفضة، ويميل الجذع معها، وتهبط القدم خلف الوركين أو قريبًا تحتهما حتى يتمكن الرياضي من مواصلة الدفع.
يبقى الجسم منطلقًا إلى الأمام، لا منتصبًا بعد، وتستمر الدفعة بالقدر الكافي لتحريك مركز الكتلة على امتداد المضمار.
ولا يواصل الرياضي الارتفاع تدريجيًا إلا بعد هاتين الدفعتين الأوليين، مع انتقال السباق نحو العدو في وضعية أكثر استقامة.
وهذه الدفعة الأطول مهمة. ففي الخطوات الأولى جدًا، لا يكون طول زمن التلامس مع الأرض عيبًا إذا كان يشتري دفعًا فعليًا. واللحظة الفارقة بالنسبة إلى معظم الرياضيين هي هذه: إن تلك الملامسات الأولى ذات قيمة بالذات لأنها تدوم بما يكفي لتوجيه القوة إلى الخلف في المضمار وإلى الأمام في الحركة.
من السهل رصد الخطأ الشائع. يسمع الرياضي كلمة «انفجر» فيحوّلها إلى «انهض فجأة». فتبدأ القدمان بالحركة المحمومة، ويرتفع الجذع سريعًا، ويبدو المشهد كله ملحًا. لكن قدرًا كبيرًا من الدفع يكون قد ذهب إلى الأعلى، حيث لا يفيد كثيرًا عند الانطلاق من سكون تام.
تتحرك القدمان بسرعة في وقت مبكر، ويرتفع الجذع قبل الأوان، ويبدو الجهد سريعًا بينما تتسرب القوة إلى الأعلى.
يبقى الرياضي منخفضًا مدة أطول، ويحافظ على اصطفاف جسمه، ويدفع إلى الخلف في الأرض كي يتحرك إلى الأمام.
وهذه هي مشكلة الكومة الثلجية. فعندما تعلق سيارة، فإن تدوير العجلات بسرعة أكبر لا يصحح اتجاه القوة. أنت تحتاج إلى تماسك مع الأرض ودفعة في الخط الذي تريد أن تسير فيه فعلًا.
ولو اضطررت إلى تحريك بيانو من حالة سكون، فهل ستقف منتصبًا أولًا؟
على الأرجح لا. بل ستميل بجسمك، وتضبط زواياك، وتدفع عبر الأرض. والانطلاقات في العدو تعمل بالطريقة نفسها. فالبقاء منخفضًا في البداية ليس مسألة شكلية، بل مسألة ميكانيكية.
وتساعد زاوية قصبة الساق المنخفضة لأنها تجعل القصبة والجذع يوجهان الجسم إلى حيث يريد الذهاب. وكثيرًا ما يتحدث المدربون عن «زاوية 45 درجة»، لكن ينبغي التعامل معها على أنها صورة تقريبية لا قاعدة جامدة. والنقطة الحقيقية أبسط من ذلك: في الخطوات الأولى، ينبغي أن يبدو الجسم مرتبًا للدفع إلى الأمام، لا مرتبًا للنهوض إلى وضع مستقيم مبكرًا.
لقد رأيت هذا بأبسط صورة ممكنة، وأنا أقف في موقف سيارات مع مراهق كان يريد أن يشعر بالسرعة فورًا. كان يخرج قافزًا إلى وضعية مرتفعة، وقدماه تنقران الأرض بقوة، فيبدو الصوت سريعًا. ثم كنا نؤدي محاولة أخرى يبقى فيها منخفضًا ويدفع مدة أطول، وكانت تلك المحاولة دائمًا تبدو له أبطأ.
وكان هناك مدرب يقف بجانبنا قال عبارة ما زلت أحبها: «المحاولة التي تبدو صبورة هي غالبًا التي تتحرك فعلًا». وهذا هو الفخ بالضبط. فالعجلة الأفضل قد تبدو أقل فوضوية لأنها تجعل الرياضي يقضي اللحظة الأولى في شراء المسافة بالقوة، لا بالضجيج.
وهنا أيضًا ينبغي وضع قيد واضح وصادق. فكل ما ورد هنا يتعلق بالخروج من مكعبات البدء والخطوات الأولى من العجلة، لا بالعدو عند السرعة القصوى لاحقًا في السباق. فالجري في وضعية منتصبة يختلف. والعداؤون العظماء يحتاجون بالفعل إلى تردد عالٍ جدًا للخطوات لاحقًا، كما أن إعدادات مكعبات البدء، وأطوال الأطراف، والأسلوب الشخصي قد تغيّر المظهر قليلًا.
لكن اختلاف المراحل مهم. ففي الانطلاقة، تتقدم الوضعية واتجاه القوة على غيرهما. أما عند السرعة القصوى، فتقصر أزمنة التلامس مع الأرض كثيرًا وتتغير المتطلبات.
والاعتراض الواضح هنا عادل: هل يملك العداؤون النخبة أقدامًا سريعة؟ بالطبع. شاهد الأجزاء الوسطى والمتأخرة من سباق 100 متر، وسترى ترددًا مذهلًا للخطوات.
لكن الخلط بين المراحل يسبب الالتباس. فالخطوات الأولى تدور حول التغلب على القصور الذاتي، وهي طريقة بسيطة للقول إن الجسم لا يريد مغادرة السكون التام. وللتغلب على ذلك، يحتاج الرياضي إلى دفعة قوية على خط أمامي واضح. وبعد ذلك، حين تصبح السرعة مرتفعة أصلًا وتغدو الوضعية أكثر انتصابًا، يطلب السباق شيئًا مختلفًا.
ولهذا قد تكون عبارة «أقدام أسرع» توجيهًا سيئًا إذا كانت أول ما يُفكَّر فيه عند الانطلاق. فقد يعمد الرياضي إلى تقصير الدفعة، أو مد القدم بعيدًا أكثر مما ينبغي، أو رفع الصدر مبكرًا لمجرد أن يبدو نشطًا. وغالبًا ما تكون الإشارات الأفضل إشارات جسدية: ادفع، وانطلق بجسمك إلى الأمام، ودع الوركين والكتفين يرتفعان معًا.
وثمة دعم بحثي لهذا أيضًا. فقد أظهرت أعمال رالف مان، ثم مجموعات لاحقة في الميكانيكا الحيوية للعدو، مرارًا أن العجلة على المستوى العالي تعتمد على تطبيق قوى كبيرة في نوافذ زمنية قصيرة جدًا، مع بقاء الخطوات الأولى تسمح بوقت أرضي أطول قليلًا مما في العدو المستقيم عند السرعة القصوى حتى يمكن توجيه تلك القوى جيدًا. فالسرعة هي النتيجة، أما القوة فهي وسيلة الشراء.
لا تحتاج إلى منصات قياس القوة للحصول على قراءة مفيدة. صوّر انطلاقة من ثلاث خطوات من الجانب. ثم راقب شيئًا واحدًا أولًا: هل يرتفع الوركان والكتفان معًا، أم أن الرياضي ينهض طويلًا قبل أن يبدأ الدفع الحقيقي؟
يندفع الصدر إلى الأعلى، ويصبح الرياضي منتصبًا مبكرًا، وتنشغل القدمان بالحركة تحته.
يرتفع الوركان والكتفان معًا، وتبقى زوايا قصبة الساق منخفضة، وتظل الانطلاقة تشتري عجلة أفقية.
إذا انفتح الجسم كقطعة واحدة وبقيت زوايا قصبة الساق منخفضة في تلك الخطوات الافتتاحية، فمن المرجح أن الانطلاقة تكسب عجلة أفقية. أما إذا اندفع الصدر إلى الأعلى وانشغلت القدمان بالحركة تحته، فمن المحتمل أن الرياضي ينفق قوته عموديًا ويقصّر الدفعة أكثر مما ينبغي.
استخدم إشارة واحدة في المحاولة التالية: ادفع الأرض إلى الخلف خلال خطوتين قبل أن تنشغل بالظهور بمظهر السريع.