2.45 مترًا: الرقم الذي أعاد تعريف ما يمكن لواثبٍ عالٍ أن يفعله

ADVERTISEMENT
ADVERTISEMENT

2.45 مترًا تساوي 8 أقدام وما يزيد قليلًا على 4 بوصات. ولا تحتاج إلى معرفة ألعاب القوى كي تدرك أن هذا ارتفاع مذهل إلى حد العبث. فما تراه في الحقيقة ليس شخصًا يقفز بجسده كله فوق العارضة ببساطة، بل شخصًا يحل مسألة هندسية وهو يندفع بسرعة العدو.

يُثبت كلٌّ من World Athletics وغينيس الرقم القياسي العالمي للرجال عند 2.45 مترًا، وقد سجله خافيير سوتومايور في سالامانكا عام 1993. وبعد أكثر من 30 عامًا، لا يزال صامدًا. والأبلغ دلالة من ذلك: لم يتجاوز أي رجل، سوى سوتومايور، ارتفاع 2.44 مترًا قط.

تصوير أيدن كول

2.45 م

هذا الرقم صامد منذ عام 1993، ولم ينجح أي رجل آخر في تخطي 2.44 مترًا.

ADVERTISEMENT

قراءة مقترحة

وهذا مهم لأنه يبيّن أين تقع الحافة القصوى. فليس هذا رقمًا ينتظر ببساطة شخصًا أكثر قدرة على الارتقاء. إنه قريب من الحد الأقصى لما تستطيع التقنية الحالية والتوقيت والمرونة البشرية أن تستخلصه.

يبدو كأنه قفز عمودي. لكنه ليس كذلك إطلاقًا.

القفز العالي لدى النخبة هو سلسلة من التحويلات المضبوطة، لا مجرد وثبة بسيطة. إذ يجب على الجسد أن يحوّل السرعة إلى ارتفاع، ثم يشكّل ذلك الارتفاع في هيئة تسمح بتجاوز العارضة.

كيف تعمل القفزة العالية فعليًا؟

1

المنحنى

يبني القافز سرعته عبر اقترابٍ منحنٍ مضبوط بدلًا من الاندفاع نحو العارضة في خط مستقيم.

2

الميل والارتكاز

يهيئ الميل إلى الداخل لمرحلة الارتقاء، وتعيد القدم المرتكزة توجيه جزء من السرعة الأفقية إلى أعلى.

3

الارتفاع والدوران

تساعد الساق الحرة والذراعان على الارتفاع، فيما يبدأ الجسم بالدوران بحيث يواجه العارضة بظهره أولًا.

4

التقوّس والخطفة الأخيرة

يلتف القافز حول العارضة، فيرفع وركيه، ثم يخطف ساقيه في النهاية بحيث تعبر الكعبان أخيرًا.

ADVERTISEMENT

وهذا هو الجزء الذي ما زال يجعلني أميل إلى الأمام. يرتفع القافز، ثم يبدو كأنه يلتف حول فراغ: الظهر يعبر أولًا، والرأس لا يزال متأخرًا، والوركان يصعدان، والكعبان لم يغادرا بعد. يبدو الأمر غير صحيح حتى لو كنت تعرف ما سيحدث، لأن جسدك يتوقع من الإنسان أن يتجاوز عائقًا إما بوجهه أولًا أو بقدميه أولًا، لا وهو متخذ هيئة قوس مشدود إلى الخلف.

وقد وجدت أبحاثٌ تناولت قفزات المنافسات فروقًا قابلة للقياس بين القفزات الناجحة والفاشلة في الاقتراب والارتقاء والطيران. ويبدو هذا بديهيًا إلى أن تتذكر كم هي ضئيلة تلك الفروق. فعند هذا المستوى، قد تكون زيادة طفيفة أو نقصان طفيف في السرعة، أو اختلاف بسيط في الارتكاز، أو تأخرٌ أو تبكيرٌ يسير في وضعية الورك، كفيلة بأن تُبقي العارضة في مكانها أو تُسقطها.

ADVERTISEMENT

ثم تأتي الحقيقة التي تقلب الحدث كله رأسًا على عقب: في أسلوب «فوسبيري فلوب»، يمكن للجسم أن يمر فوق العارضة بينما يمر مركز كتلته تحتها. ومركز الكتلة هو نقطة توازن الجسم، أي الموضع الذي يتركز فيه الوزن فعليًا. عيناك تريان شخصًا كاملًا يعبر ارتفاعًا معينًا، لكن الفيزياء لا يهمها إلا ما يفعله ذلك الموضع المتوازن.

هل جرّبت يومًا أن تنقل جسدك كله فوق شيء لا يحتاج مركز كتلتك أصلًا إلى تجاوزه؟

جرّب هذا الاختبار الصغير بنفسك. قف، ثم أمل كتفيك إلى الخلف وتقوّس قليلًا، كما لو أن خطًا ممتدًا عبر خصرك. ستلاحظ كيف يمكن لرأسك أن يتحرك في اتجاه، ووركيك في اتجاه آخر، وكعبيك يتأخران، فيما لا يسلك وسطك المسار نفسه الذي توحي به هيئة جسمك. لاعبو القفز العالي يفعلون ذلك وهم في حركة، ومن قدم واحدة، بعد عدو سريع، ومع هامش خطأ يكاد لا يُذكر.

ADVERTISEMENT

الحركة التي جعلت المستحيل يبدو أشد غرابة

تغيّرت تقنية القفز العالي حين توقف الرياضيون عن التعامل مع العارضة بوصفها شيئًا يجب أن يعبره الجسد كله في وضع قائم. وقد تبلورت الصيغة الحديثة لهذه المسابقة عبر تحوّل تاريخي واضح.

كيف غيّر «فوسبيري فلوب» القفز العالي؟

الأساليب الأقدم

لسنوات، استخدم الرياضيون تقنيات أكثر استقامة، أو جانبية، أو مواجهة إلى الأسفل، بما ينسجم مع التصورات المألوفة عن الكيفية التي ينبغي أن يتجاوز بها الجسد عارضةً ما.

أولمبياد 1968

فاز ديك فوسبيري بالميدالية الذهبية في مكسيكو سيتي مستخدمًا التقنية الخلفية التي عُرفت لاحقًا باسم «فوسبيري فلوب».

هبوط أكثر أمانًا

جعلت حُصر الهبوط الخلفي هذه الطريقة الجديدة عملية، فحوّلت أسلوبًا كان يبدو غريبًا إلى الأسلوب المتفوّق.

المسابقة الحديثة

يقوم القفز العالي اليوم على سلسلة مترابطة: اقتراب منحني، وارتقاء يعيد توجيه الحركة، ودوران، وتقوّس، ثم عبور أخير للكعبين.

ADVERTISEMENT

لماذا تفوّت عبارة «فقط اقفز أعلى» جوهر المسألة كله

القفز العمودي مقابل القفز العالي

القفز العمودي

يقيس القفز العمودي من الثبات مقدار ما تستطيع رفع نفسك به إلى أعلى انطلاقًا من السكون وبقوة صاعدة خالصة.

القفز العالي

أما القفز العالي فيضيف التحكم في السرعة، وزاوية الارتكاز، والارتفاع، والدوران، وتشكيل الجسم، بحيث تبقى العارضة ساكنة بينما تنساب هيئة الرياضي حولها.

والاعتراض الشائع يسير على هذا النحو: صحيح أن الشكل مهم، لكن أليس القفز العالي في الأساس مسابقة قفز عمودي؟ نعم، بقدر ما يكون الرمي في البيسبول مجرد رمي قوي. فالقوة الخام حقيقية، لكن ما يحسم المسابقة هو ما يفعله الرياضي بتلك القوة.

القفز العمودي من الثبات يطرح سؤالًا واحدًا: إلى أي ارتفاع يمكنك أن ترفع نفسك من السكون؟ أما القفز العالي فيطرح عدة أسئلة دفعة واحدة. ما السرعة التي يمكنك الركض بها من دون أن تفقد السيطرة؟ وبأي زاوية يمكنك أن ترتكز؟ وكم من الارتفاع الصاعد تستطيع أن تولّد من دون أن تفسد الدوران الذي تحتاج إليه؟ وهل تستطيع أن تشكّل جسدك فوق العارضة بكفاءة إلى الحد الذي تبقى معه العارضة ثابتة بينما تبدو هيئة جسدك وكأنها تنساب حولها؟

ADVERTISEMENT

ولهذا لا تُنقص التقنية من قيمة الإنجاز، بل تزيده حدّة. فالشرح لن يحوّل رياضيًا عاديًا إلى لاعب قفز عالٍ، لأنه يبيّن أيضًا مدى ضيق هذا المسار. أنت بحاجة إلى سرعة تستطيع توجيهها، وقوة تستطيع توقيتها، وإدراك جسدي يكاد يبلغ حد غير المعقول.

ما الذي يقيسه 2.45 مترًا حقًا؟

وحين تعود في النهاية إلى رقم سوتومايور البالغ 2.45 مترًا، يتغيّر شكل هذا الرقم. نعم، ما يزال ارتفاعًا مجردًا، لكنه أيضًا دليل على تسلسل يكاد يلامس الحد الأقصى وقد نُفّذ على نحو شبه كامل: اقتراب بالسرعة الكافية، ومنحنى بالدقة الكافية، وارتقاء بالعنف الكافي، وتقوّس بالنقاء الكافي، وكعبان يخرجان من منطقة الخطر في اللحظة الأخيرة.

ولهذا ظل الرقم القياسي صامدًا منذ سالامانكا عام 1993، ولهذا أيضًا تكتسب حقيقة أن أحدًا لم يتجاوز 2.44 مترًا كل هذه الأهمية. فهي تلمّح إلى أن المسابقة لا تنتظر مجرد بوصة إضافية من مرونة الساقين، بل تنتظر جولة أخرى تكاد تبلغ الكمال في السرعة والزاوية والارتفاع والدوران والشكل.

ADVERTISEMENT

أفضل لاعبي القفز العالي ليسوا أولئك الذين يرفعون أجسادهم كاملة أعلى من الجميع فحسب، بل أولئك الذين يرتبون جسدًا مندفعًا في الهواء بكفاءة تكاد تكون عبثية.