يبدو مسلّة بوينس آيرس، في العادة، وكأنها قطعة مألوفة من الضخامة النُّصُبية في المدن الكبرى: علامة بيضاء نظيفة في وسط حركة المرور، أُقيمت لتخليد ذاكرة وطنية. لكن الشكل الذي يعامله معظم الناس بوصفه اختصارًا بصريًا مدنيًا حديثًا أقدم بكثير من المدينة التي تحيط به.
وبحسب مواد السياحة البلدية والتاريخية الخاصة بمدينة بوينس آيرس، أُقيم هذا النصب في عام 1936 بمناسبة الذكرى السنوية الـ400 لأول تأسيس للمدينة. وهو قائم في ساحة الجمهورية، عند تقاطع شارعي كورينتيس و9 دي خوليو، كما يحدد الموقع المرتبط بأول رفع للعلم الأرجنتيني في المدينة.
قراءة مقترحة
1936
تُعدّ مسلّة بوينس آيرس نصبًا مدنيًا حديثًا من حيث التاريخ، حتى وإن كان شكلها ينحدر من تقليد بصري أقدم بكثير.
من المفيد أن نبقى قليلًا عند مستوى الشارع. فالمسلّة ليست أثرًا مستوردًا ولا قطعة متحفية. إنها نصب من بوينس آيرس بكل ما تعنيه الكلمة، صممه المعماري الأرجنتيني ألبرتو بريبِش وغُرس في قلب صخب الحياة اليومية للمدينة.
وهذا مهم لأنه يفسر لماذا قد تبدو هذه المسلّة عادية إلى هذا الحد، بالمعنى الحضري الجميل للكلمة. فالناس يستخدمونها نقطةَ لقاء، وخلفيةً، وعلامةً للاهتداء، واختصارًا للمدينة نفسها. وبحكم غايتها وموقعها، فهي تؤدي وظيفة المعلم الوطني الحديث.
وقد منح بريبِش ذلك المعلم الوطني شكلًا مجردًا ومباشرًا. لا برنامج نحتي مكتظ، ولا مشهد تصويري طويل يحتاج إلى قراءة من بعيد. مجرد كتلة رأسية تنتزع الانتباه في وسط ساحة نابضة بالحركة.
وهنا تكمن المفاجأة: لا شيء في هذا الشكل أرجنتيني في الأصل، ولا حديث حتى.
فـ«المسلّة» ليست مجرد كلمة فضفاضة لأي نصب طويل. إذ ترد في Britannica وغيرها من المراجع الأساسية على أنها شكل يعود إلى مصر القديمة، حيث كانت المسلات تُنحت على هيئة أعمدة حجرية شاهقة ذات أربعة أوجه تتناقص نحو الأعلى وتنتهي بهرم صغير، أي القمة الهرمية. وكانت تُنصب في كثير من الأحيان على شكل زوجين عند مداخل المعابد، وتحمل نقوشًا هيروغليفية تُكرَّس للآلهة أو الحكام.
وهنا تأتي لحظة الإدهاش في منتصف الطريق. فالمعلم المألوف في بوينس آيرس وسط حركة السير يستعير القواعد البصرية لنمط نُصُبي من مصر القديمة. وما إن تعرف ذلك حتى تتغير الساحة قليلًا في نظرك. يظل النصب، مع ذلك، علامة مدنية أرجنتينية تعود إلى عام 1936، لكن ظله الخارجي يتحدث بلغة أقدم بكثير من الدولة القومية.
في مصر القديمة، ارتبط هذا الشكل بالشمس. فقد وصل التناقص الصاعد للمسلّة وقمتها المدببة إلى رمزية شمسية، وكان يُنظر إلى القمة الهرمية غالبًا بوصفها الجزء الذي يلتقط هذا المعنى ويُتمّه. لم تكن هذه هندسة عشوائية، بل هندسة طقسية.
وهذا يساعد على تفسير سبب احتفاظ الشكل بهذه القوة حتى حين تزيل المدن اللاحقة النقوش الهيروغليفية والسياق المعبدي. عمود حجري واحد. أربعة أوجه متناقصة. قمة مدببة. شدٌّ إلى الأعلى. سلطة مستعارة. يبدو الشكل كما لو أنه يعرف سلفًا كيف يقف ممثلًا للقوة والذاكرة والهيبة العامة.
حتى عندما تزيل المدن الحديثة السياق المصري الأصلي، تظل السمات الأساسية لهذا الشكل تنقل الإحساس بالطقسية والسلطة.
رمزية شمسية
ربط التناقص الصاعد والقمة المدببة هذا الشكل بالشمس، فغدت هندسته طقسية لا محايدة.
هيئة مميزة يسهل التعرف إليها
عمود واحد، وأربعة أوجه متناقصة، وقمة هرمية؛ كلها تصنع شكلًا يُقرأ فورًا من بعيد.
سلطة مستعارة
يمكن للأنصاب اللاحقة أن تتخلى عن النقوش الهيروغليفية والسياق المعبدي، مع احتفاظها بالجدية البصرية للنمط الأصلي.
وللإنصاف، ليست كل مسلّة حديثة «عن مصر» بوعي رمزي عميق. ففي بعض الأحيان يكون الاقتباس شكليًا ومدنيًا أكثر منه دينيًا. ومع ذلك، تظل المسلات من الأشكال التي يسهل على نحو لافت تتبع تاريخها، وهو ما يجعل إعادة استخدامها أكثر من مجرد مصادفة تصميمية.
تحب الحكومات الحديثة وبناة المدن الأشكال التي تستطيع أن تؤدي أعمالًا كثيرة في وقت واحد. فالمسلّة لا تشغل إلا قدرًا محدودًا من الأرض، وتُقرأ بوضوح من مسافة بعيدة، وتحوّل الذاكرة إلى علامة رأسية واحدة. لا تحتاج إلى الوقوف قريبًا منها لكي تفهم أنها تشير إلى شيء مهم.
هذا الشكل مدمج عند مستوى الشارع، لذلك ينسجم مع الفضاءات المدنية الكثيفة من دون أن يحتاج إلى مساحة كبيرة.
تظل هيئته الطويلة البسيطة واضحة عبر حركة السير والساحات وخطوط الرؤية الحضرية الممتدة.
بدلًا من أن يطلب من المشاهدين فك مشهد معقد، يعلن الأهمية العامة عبر لفتة رأسية قوية واحدة.
ولهذا ظل هذا الشكل مفيدًا حتى بعد زوال عالمه المصري الأصلي. ففي البيئات المدنية الأحدث، تخف الشحنة الدينية عادة، لكن السلطة البصرية تبقى. لا يزال الشكل يقول: تخليد، وديمومة، ومعنى عام.
وهذا هو السؤال الذي يجدر بك حمله معك في أي جولة داخل المدينة: حين ترى مسلّة حديثة أو سنبلة حادة صاعدة، فاسأل إن كان الشكل مجرد زينة أم أنه يستعير قوته من لغة نُصُبية أقدم. لن تحصل دائمًا على حكاية كاملة عن حياة مصرية لاحقة. لكنك أحيانًا ستلمح سلسلة كاملة من التاريخ مختبئة على مرأى من الجميع في جزيرة مرورية.
لا تصبح مسلّة بوينس آيرس أقل أرجنتينية عندما تعرف من أين جاء شكلها. بل لعلها تصبح أوضح قراءة. فالتاريخ، 1936، واسم المعماري ألبرتو بريبِش، وموقعها في ساحة الجمهورية، ووظيفتها التذكارية، كلها تبقى كما هي تمامًا.
ما يتغير هو عمق هذا الشيء. فالنصب ليس مجرد علامة محلية لذكرى تأسيس وموضع رفع علم. إنه أيضًا مدينة حديثة تعيد تشغيل لغة نُصُبية قديمة في وسط الحافلات وعبور المشاة والمشاوير اليومية.
التحول بسيط: مسلّة بوينس آيرس ليست نصبًا حديثًا صادف أن اسمه مسلّة، بل نصب حديث شُيّد على هيئة مصرية قديمة.