قبل عام 2014، لم يكن في أفق لندن برج «ووكي توكي»

ADVERTISEMENT
ADVERTISEMENT

أحد الأشكال التي باتت اليوم تُعرّف أفق لندن لم يكن موجودًا أصلًا قبل عام 2014. وإذا وقفت على الضفة الجنوبية تنظر شمالًا نحو المدينة من محيط Bankside أو من جهة Tate Modern على نهر التايمز، يمكنك أن تختبر ذلك بنفسك، لأن 20 Fenchurch Street يجذب بصرك الآن بطريقة لم يكن قادرًا عليها قبل اكتماله في ربيع 2014.

ذلك هو المبنى الذي يسميه معظم الناس Walkie Talkie. يرتفع 160 مترًا فوق تجمع أبراج City of London، وقد افتُتحت حديقته العامة Sky Garden في يناير 2015. واللافت ليس أنه موجود، بل السرعة التي جعلته يبدو كأنه كان ينتمي إلى المكان منذ الأزل.

ADVERTISEMENT

قراءة مقترحة

صورة بعدسة Seb Doe على Unsplash

يبدو الأفق قديمًا لأن ذاكرتك تُنعّم ملامحه

يمكن أن تخدعك لندن بهذه الطريقة. تنظر عبر التايمز فيبدو المشهد راسخًا، كأنه موروث، حتى حين تكون بعض أجزائه أحدث من آخر شقة سكنتَها أو من وظيفتك الحالية. تبدو أبراج المدينة كأنها تنغلق في صورة ذهنية واحدة واضحة، وما إن يحدث ذلك حتى يبدأ العقل في التعامل معها بوصفها «لندن الحقيقية».

ومن جهة النهر، يشتد هذا الإحساس لأن القديم والجديد يقعان في النظرة نفسها. فالمباني التاريخية على الواجهة النهرية ترسم الحافة السفلى للمشهد، وخلفها يتراكم تجمع أبراج المدينة على نحو بات مألوفًا بما يكفي ليبدو دائمًا.

تمهّل لحظة. تخيّل نفسك راكبًا يعبر قليلًا قبل منتصف العقد الثاني من الألفية، يرفع عينيه إلى الماء أو إلى ممشى على النهر. كان مبنى Gherkin، الذي اكتمل عام 2003، هو العلامة التي لا تُخطئها العين. وربما كنتَ تميّز أيضًا Tower 42، الذي ظل طويلًا نقطة مرجعية بارزة في أفق المدينة الأقدم، لكن التجمع كان أكثر فراغًا، وتوازنه مختلفًا.

ADVERTISEMENT

وتكمن أهمية ذلك المشهد الأقدم في أن Walkie Talkie لا يُقرأ بوصفه مجرد كتلة زجاجية مستقيمة أخرى. فصورته تنتفخ إلى الخارج كلما ارتفع. وهذا الشكل الثقيل عند القمة، إلى جانب اللقب الذي يتذكره الجميع، يمنحه حضورًا بصريًا في الأفق أقوى مما تمنحه أبراج مكاتب أعلى منه أو أكثر ترتيبًا.

🏙️

لماذا يرسخ Walkie Talkie في الذاكرة

تنبع قابليته للتعرّف عليه من مجموعة صغيرة من السمات التي تجعله أسهل ملاحظةً وتذكّرًا من برج مكاتب أكثر اعتيادية.

شكل مميّز

يتسع البرج كلما ارتفع، لذلك يُقرأ بوصفه هيئةً مميزة لا مجرد عمود آخر من الزجاج.

قوة اللقب

ما إن يكتسب المبنى لقبًا بسيطًا، حتى يستطيع الناس تثبيته في الذاكرة أسرع من دون حاجة إلى معرفة عنوانه الرسمي.

ولهذا أيضًا أصبح المبنى واضحًا بسرعة لدى من لا يتابعون العمارة. لا تحتاج إلى معرفة عنوانه لكي تتعرف إليه. فبمجرد أن يمتلك البرج شكلًا بسيطًا بما يكفي ليحمل لقبًا، يدخل الذاكرة أسرع.

ADVERTISEMENT

عُد إلى المشهد المطل على النهر ولاحظ ما الذي تغيّر

والآن عُد إلى الموضع نفسه على ضفة التايمز. هنا تحديدًا يشعر الناس عادةً بما حدث قبل أن يصوغوه بالكلمات: تقع عينك الآن على Walkie Talkie أولًا.

هنا تكمن الصدمة البنيوية على مرأى من الجميع. فمبنى كان غائبًا عن هذا المشهد اللندني الذي يُفترض أنه كلاسيكي حتى ربيع 2014، يتصرف الآن كما لو كان إحدى حقائقه البصرية الأقدم. وإذا جمعت هاتين الفكرتين معًا للحظة، كفّ الأفق عن الظهور بوصفه شيئًا ثابتًا.

وأسرع طريقة لتشعر بهذا التحول هي أن تقارن المشهد في ذهنك مع البرج وبدونه.

اختبار المشهد المطل على التايمز

قبل

احذف Walkie Talkie ذهنيًا، وغالبًا ما تعود العين إلى Gherkin، الذي كان في السابق أوضح شكل منفرد يثبت هذا الجزء من المدينة عند النظر إليه من عبر التايمز.

بعد

اترك الأفق الحالي كما هو، وستجد أن Walkie Talkie يميل الآن إلى خطف الانتباه أولًا، متصرفًا كأنه معلم راسخ في هذا المشهد.

ADVERTISEMENT

وإنصافًا، لن يترك هذا الاختبار الأثر نفسه لدى الجميع. فإذا كانت لندن في ذهنك تتمثل أساسًا في St Paul’s أو Westminster أو Canary Wharf، فقد لا يكون Walkie Talkie أول معلم في الأفق بالنسبة إليك. أما إذا كانت لندنك تسكن ذلك المشهد النهري المركزي المواجه للمدينة، فمن الصعب أن يفوتك هذا الاستبدال البصري متى رأيته.

لماذا أعاد هذا البرج وحده تشكيل المشهد أسرع من غيره

جزء من الجواب بسيط: هندسة الشكل. فالمبنى يتسع عند الأعلى بدل أن يتناقص أو يرتفع في هيئة عمود نظيف. وإزاء الأشكال الأكثر حدّة من حوله، يكاد يُقرأ كما لو كان شعارًا أُلقي في قلب الأفق.

وجزء آخر يعود إلى التوقيت. فقد علّم Gherkin اللندنيين مسبقًا أن يتقبلوا البرج لا بوصفه مساحة مكتبية فحسب، بل بوصفه لقبًا عامًا ورمزًا للمدينة. وبحلول وصول 20 Fenchurch Street في عام 2014 وافتتاح Sky Garden أمام الجمهور في مطلع 2015، كان الناس قد أصبحوا مستعدين لترتيب الأفق وفق الأشكال المميزة التي يسهل تذكّرها.

ADVERTISEMENT

وما يبدو أفقًا مستقرًا قد تكوّن في الحقيقة عبر سلسلة قصيرة من الوافدين اللافتين.

كيف تشكلت صورة الأفق

2003: Gherkin

أصبح Gherkin العلامة الأوضح، وساعد على ترسيخ فكرة البرج بوصفه رمزًا مدينيًا له لقب متداول.

2012: The Shard

مع أنه يقع خارج تجمع المدينة بالمعنى الدقيق، فقد أضاف إلى عادة لندن الجديدة في قراءة الأفق من خلال الأشكال المميزة سهلة التذكّر.

2014–2015: Walkie Talkie وSky Garden

وصل 20 Fenchurch Street في 2014، وافتُتحت Sky Garden أمام الجمهور في مطلع 2015، ما سرّع دخول المبنى إلى الذاكرة العامة.

بعد ذلك: ازدياد كثافة التجمع

عززت الأبراج الأحدث التجمع المحيط، فبدت التكوينات كلها أقدم وأكثر ثباتًا مما هي عليه في الواقع.

ثمّة اعتراض شائع هنا: لندن تتغير دائمًا، فلماذا كل هذا الاهتمام ببرج إضافي واحد؟ اعتراض وجيه، إلى حد ما. فالمسألة هنا ليست حقًا ما إذا كانت المدن تتغير أم لا، بل السرعة التي تقبل بها العين خطًا جديدًا وكأنه كان ينتظر هناك منذ البداية.

ADVERTISEMENT

ولهذا تبدو الضجة العابرة بشأن وهج المبنى وآثار الحرارة فيه أقل أهمية هنا من شكله. فكثير من الأبراج يثير الجدل، لكن عددًا أقل منها يعيد تشكيل مشهد مألوف إلى الحد الذي يجعل الناس يرجعون به في ذاكرتهم إلى ما قبل ظهوره.

أفق لندن أقل خلودًا مما يوحي به

بمجرد أن تلاحظ ذلك، يبدأ تجمع أبراج المدينة في الظهور أقل شبهًا بإرث مستقر، وأكثر شبهًا بسلسلة خضعت للتحرير والتعديل. لا تزال المشاهد المحمية مهمة في لندن، ولا تزال St Paul’s ترتكز إليها خطوط الرؤية في كثير من المواضع، لكن الأفق، ضمن هذه القواعد، أُعيدت كتابته أسرع مما يحب العقل أن يعترف.

والخلاصة المفيدة هنا ليست مجرد فكرة مجردة. جرّب اختبار المشهد المطل على التايمز: قف جنوب النهر مواجهًا المدينة، ثم احذف Walkie Talkie من ذهنك، وراقب كيف يعيد المشهد ترتيب نفسه.

ADVERTISEMENT

قد يبدو الأفق عريقًا إلى حد يوحي بقرون من القدم، بينما يحمل في داخله شكلًا لم ينضم إلى المشهد إلا في عام 2014.