هذه مئذنة مسجد مربعة لسبب وجيه

ADVERTISEMENT
ADVERTISEMENT

ليست تلك المئذنة المربعة لمسة غريبة طريفة على الإطلاق؛ فإذا كنت قد ظننت أنها مجرد التفاتة زخرفية محلية، فالحقيقة الأجدر بالاهتمام أنها تتبع قاعدة إقليمية عملية ذات جذور عميقة في عمارة المساجد المغربية.

تصوير Annie Spratt على Unsplash

ما إن ترى تلك القاعدة حتى تستقر بقية الواجهة في مواضعها. فالبلاط، والألواح المقوّسة، وإطار المدخل، وحتى الطريقة التي تُحشد بها الزخرفة على السطح، كلها تتوقف عن الظهور كعناصر إضافية، وتبدأ في الظهور كأجزاء من نظام منضبط واحد.

الدليل الأول أن الزخرفة تخضع لشبكة

ADVERTISEMENT

قراءة مقترحة

تبدو الواجهة ثرية لأنها تحمل عدة أنواع من الزخرفة في آن واحد، لكن كل عنصر منها يبقى داخل إطار معماري محسوب.

كيف تحافظ الواجهة على انتظامها

العنصرما الذي تراهما الذي يخضع له
الزليج الهندسيسطح كثيف النقوشحدود واضحة وألواح ثابتة
الألواح المقوّسةانحناءات وفتحات متكررةمناطق مرتبة ومتراكبة
إطار المدخلإبراز زخرفيتأطير مستقيم محسوب
الواجهة ككلثراء زخرفيشبكة كامنة من المربعات والمستطيلات

هذا هو خط الطباشير الذي يوجّه المبنى كله. نعم، تظهر المنحنيات، لكنها تظل محصورة داخل المستطيلات والمربعات. وغنى السطح حقيقي، لكنه يبقى مضبوطًا على شبكة إنشائية صارمة، ولهذا تبدو الواجهة مؤلّفة بإحكام لا مكتظة.

وهنا يضلّ كثير من القراء الطريق. فالزخرفة الكثيفة قد توحي بأن المبنى يضيف الجمال بعد إنجاز العمل الأساسي. أما في هذا التقليد، فعادة ما يُبنى الجمال من التناسب أولًا، ثم تأتي الأسطح المزخرفة تابعة لذلك النظام.

ADVERTISEMENT

لماذا يبقى البرج مربعًا حين يتوقع بعضهم غير ذلك

من الأفضل فهم المئذنة المربعة لا بوصفها لمسة شكلية، بل باعتبارها طرازًا متكررًا لأبراج الغرب الإسلامي، له نسب موثّق جيدًا.

كيف أصبحت المئذنة المربعة معيارًا إقليميًا

العصر الموحدي

يردّ مؤرخو العمارة الطراز المعياري للبرج المربع إلى العصر الموحدي، حين ترسخ هذا الشكل بقدر لافت من الثبات.

الكتبية نموذجًا

صارت مئذنة مسجد الكتبية في مراكش، التي كثيرًا ما يُشار إلى ارتفاعها بنحو 77 مترًا، أبرز نقطة مرجعية معروفة للأبراج اللاحقة.

السلالة اللاحقة

ويظهر هذا النموذج مرة أخرى في صومعة حسان في الرباط وفي الخيرالدة في إشبيلية، بما يبيّن كيف انتقل هذا الطراز واستمر.

وهذا مهم لأن السابقة المعمارية ليست مجرد ذاكرة بصرية. إنها طريقة لإثبات أن الشكل صالح عمليًا. فالبدن المربع أسهل تكرارًا، وأسهل تأليفًا مع ألواح الجدران المستقيمة، وأسهل إدراكًا من بعيد بوصفه معلمًا مرتبطًا بالمسجد.

ADVERTISEMENT

والآن دعني أطرح عليك السؤال المفيد: هل افترضت أن البرج المربع مجرد لمسة أسلوبية؟

إن كان الأمر كذلك، فهنا تحديدًا يخدعك المبنى بصريًا. تمضي وقتك مع البلاط والأقواس، فيما الحقيقة الأوضح قائمة أمامك على مرأى العين: شكل البرج جزء من لغة إنشائية قابلة للتكرار. ليس غريبًا، ولا عرضيًا، ولا إفراطًا زخرفيًا. بل هو معيار إقليمي، وانتظام بصري، وهندسة قابلة للتكرار.

النموذج القديم الذي لا يزال يفسّر الواجهة

لننتقل مباشرة إلى مراكش. فقد منح مسجد الكتبية، الذي شُيّد في القرن 12 في ظل الموحدين، عمارة الغرب الإسلامي واحدًا من أوضح نماذج المآذن. وتصفه المراجع المعمارية القياسية بأنه النموذج الأولي للمآذن المغاربية والأندلسية اللاحقة، وهذا الوصف منصف بما فيه الكفاية حين تقارن الأدلة جنبًا إلى جنب.

ADVERTISEMENT

وتتبع صومعة حسان المنطق العائلي نفسه في الرباط: كتلة مربعة، وواجهات منتظمة، وزخرفة محصورة داخل ألواح بدل أن تنساب بحرية على السطح. وتحمل الخيرالدة في إشبيلية هذا النمط إلى الأندلس. مكان مختلف، والنسب نفسه. وما إن تدرك ذلك حتى تكفّ المئذنة المغربية عن أن تبدو خيارًا منفردًا، وتبدأ في الظهور جزءًا من طراز راسخ في الغرب الإسلامي.

وثمة طريقة مفيدة لاختبار ذلك بنفسك: قارن بين ثلاثة أشياء في المبنى أمامك، وهي بدن البرج، وألواح الواجهة، وتأطير المدخل. هل تعود جميعها إلى انضباط مربع أو مستقيم تحت الأقواس والأسطح المزخرفة؟ في الغالب، نعم. وتلك الهندسة المتكررة هي القاعدة الخفية.

ماذا لو كانت فكرتك عن المسجد آتية من مكان آخر؟

المآذن المغربية المربعة مميزة فعلًا، لكنها تصبح أوضح معنى حين توضع في مقابل التنوع الأوسع للأشكال الإسلامية الإقليمية.

ADVERTISEMENT

التوقع العام في مقابل الواقع الإقليمي المغربي

المتوقَّع

قد يحمل القارئ صورة مركبة عن المساجد مستمدة من مناطق كثيرة، بما في ذلك المآذن الأسطوانية أو الرفيعة الشبيهة بالأقلام التي تُرى في أماكن أخرى.

هنا

يتبع التصميم المغربي سابقة محلية تتكامل فيها الكتلة المربعة، والتأليف المنضبط للواجهة، والزخرفة السطحية ضمن لغة إقليمية واحدة.

ومن المهم قول ذلك بوضوح، لأن كثيرًا من القراء في العالم يحملون تصورًا غائمًا عما يبدو «إسلاميًا» على نحو نموذجي. وغالبًا ما تكون تلك الصورة مخيطة من عدة مناطق معًا. أما تصميم المساجد المغربية فقد طوّر لغته الشكلية الخاصة، وكانت مئذنته المربعة إحدى أوضح علامات تلك الهوية الإقليمية.

وقد يبدو البرج المستدير، في نظر بعض العيون، أكثر تعبيرًا أو أشد ألفة بفعل صور السفر من أماكن أخرى. لكن العمارة المغربية لا تحاول إرضاء فكرة عامة عن الشكل الإسلامي. إنها تعمل داخل خط محلي من السوابق، حيث تنتمي الكتلة المربعة، والتأليف المنضبط للواجهة، والزخرفة السطحية إلى منظومة واحدة.

ADVERTISEMENT

لماذا تصبح الزخرفة أكثر منطقية حين يتضح الشكل أولًا

وهنا تأتي تلك اللحظة المرضية، لحظة انطباق خط الطباشير. فحافة السقف المكسوة بالقرميد الأخضر، والمدخل المؤطَّر، والأقواس المتداخلة، وفسيفساء الزليج، كل ذلك يُقرأ على نحو مختلف ما إن تقبل أن المبنى تحكمه الهندسة أولًا. فالزخرفة لا تخفي البنية، بل تعلن النظام القائم فيها أصلًا.

ولهذا تبدو الواجهة واثقة إلى هذا الحد. فالمئذنة المربعة ترسو عليها التكوين كله. وتردد ألواح الجدار صداها. وتلطّف المنحنيات هذا المخطط من غير أن تنقضه. فالإيمان، والحرفة، وقابلية البناء، لا تتنافس هنا؛ بل تتكلم اللغة نفسها.

وما يبدو في الوهلة الأولى مجرد زخرفة زائدة يتبيّن أنه نقيض ذلك تمامًا: نظام مغربي منضبط، من فرط تماسكه أن زخرفته نفسها تتصرف كما لو كانت بنية.