ما الذي تفعله عصيّ المشي فعلاً للمتنزّه على درب صخري؟
ADVERTISEMENT

ليست عصيّ المشي مخصّصة أساسًا لتمرين الذراعين، وليست مجرد عكاز توازن للمبتدئين. ففي النزول الصخري، ولا سيما عند حمل حقيبة على الظهر، تعمل أقرب إلى أرجل إضافية لتقاسم الحمل ومجسّات إنذار مبكر للأرض التي أمامك.

ويظهر هذا الفرق في الموضع الذي يشعر فيه كثير من

ADVERTISEMENT

المتنزهين العرضيين بأنهم أكبر سنًا من أي وقت آخر: أثناء النزول. لا على الأرض المستوية، ولا على درب أملس، بل حين تتطلب كل خطوة من ركبتيك وعضلات الفخذين أن تكبحا جسدك فوق صخر غير مستوٍ.

ما الذي يفعله جسدك حقًا أثناء النزول

يبدو النزول بسيطًا من الخارج. تضع قدمًا، وتخفض جسدك، ثم تكرر ذلك. لكن مع حقيبة على الظهر وعلى أرض وعرة، تصبح كل خطوة تفاوضًا صغيرًا بين حذائك وركبتيك ووركيك وبين أي جزء من الدرب سيقبل وزنك.

ADVERTISEMENT

وتغيّر العصيّ هذا التفاوض. وبعبارة مباشرة: إنها تعيد توزيع الحمل وتزيد نقاط الإحساس في كل خطوة. فبعض جهد الكبح الذي كان سيقع على ركبتيك وعضلات فخذيك يتوزع عبر ذراعيك وكتفيك وجذعك، وبعض عدم اليقين بشأن موضع القدم التالية يجد جوابًا قبل لحظة قصيرة.

أبطئ خطوة واحدة في نزول غير مستوٍ ومليء بالصخور. تغرس العصا جهة الانحدار أولًا، قليلًا إلى الأمام وإلى الجانب. وتشعر يدك إن كانت السنّ تثبت أم تنزلق. ثم تأتي قدمك جهة الانحدار، لا وهي تتقدم على نحو أعمى هذه المرة، بل بعد أن تكون تلك الإشارة الصغيرة قد وصلت إليك بالفعل عبر المقبض. ومع هبوط قدمك وانخفاض جسدك، يمر جزء من القوة عبر العصا بدلًا من أن تطلب الساق الأمامية وحدها كل الكبح.

وهنا تكمن الفائدة التي يغفل عنها كثيرون. فطرف العصا يلامس الأرض قبل أن تلتزم القدم التزامًا كاملًا بالهبوط. لذلك فالعصيّ ليست موجودة فقط لتمنعك من السقوط بعد اختلال توازنك. إنها توسّع نظام الإحساس لديك قبل أن ينتقل وزنك كله انتقالًا كاملًا.

ADVERTISEMENT

ويمكنك أن تشعر بهذا في اليدين إذا انتبهت. فعلى الصخور غير المستوية، يرسل ارتطام العصا بالأرض رجفة صغيرة تصعد عبر المقبض قبل أن تلتزم قدمك هبوطها الكامل. ليست رجفة درامية. لكنها تكفي لتخبرك إن كان السطح صلبًا أو مائلًا أو مفككًا أو زلقًا، وقد تجعل تلك الكسرة الزمنية القصيرة الخطوة كلها أكثر سلاسة.

هل لاحظت يومًا أنه بعد نزول صخري باستخدام العصيّ، تشعر ساقاك بحدّة أقل قليلًا أو بإحساس أقل «وخزًا» مما لو نزلت من دونها؟

ذلك الإحساس ليس متخيَّلًا، وليس مرتبطًا فقط بالشعور بمزيد من الأمان. ومن المرجّح أنه يعكس انخفاض الطلب المتكرر على الكبح في عضلات الفخذين، وتراجعًا في التحميل القاسي على الركبة مع كل خطوة نزول، لأن بعض القوة قد توزّع على أربع نقاط تماس مع الأرض بدلًا من اثنتين.

اللحظة على الدرجات الصخرية التي تبرهن فيها العصيّ على قيمتها

ADVERTISEMENT

أفضل حجة لصالح العصيّ ليست التنزه على أرض سهلة. بل هي نزول أطول يواصل فيه الدرب تغيير شكله تحتك. صخرة تتدحرج قليلًا، والتراب بين الحجارة ألين مما بدا، وحقيبتك على الظهر تواصل محاولة الاندفاع إلى أسفل حتى حين تريد قدماك الإبطاء.

من دون العصيّ، غالبًا ما تتحمل الساق المتقدمة معظم الكبح. تنقبض عضلة الفخذ لتضبط الهبوط. وتتلقى الركبة خط القوة. ثم تفعل ذلك مرة بعد مرة، وبحلول نهاية المنحدر تشعر الساقان بأنهما استُهلكتا بذلك الإرهاق الباهت المطهوّ الذي يجعل الميل الأخير أقل متعة مما ينبغي.

أما عند استخدام العصيّ على نحو صحيح، فتحدث عدة أمور بسرعة. يقل الكبح الواقع على الركبة. ويخف إرهاق عضلات الفخذ بمرور الوقت. ويصبح لديك عدد أكبر من نقاط التماس مع الأرض. وتحصل على معلومات عن السطح في وقت أبكر. وغالبًا ما يبقى إيقاع الخطوات أكثر ثباتًا لأن كل خطوة تحتاج إلى تصحيح أقل في اللحظة الأخيرة.

ADVERTISEMENT

هذا لا يعني أن الذراعين تقومان بعمل بطولي. ففي العادة هما تشاركان وتخففان العبء، لا تحلان محل الساقين. لكن الحصص الصغيرة المتكررة عبر مئات أو آلاف خطوات النزول تتراكم.

ماذا تقول الأبحاث، وما الذي لا تستطيع إثباته تمامًا للجميع

تدعم الأبحاث هذه الآلية، وإن كانت التفاصيل مهمة. ففي عام 2007، نشر Bohne وAbendroth دراسة في مجلة Medicine & Science in Sports & Exercise عن المشي هبوطًا مع أحمال خارجية. وكانت العينة تضم 15 رجلًا سليمًا فقط، لذا كانت محدودة، لكن الدراسة تظل مفيدة لأنها تناولت تحديدًا نوع النزول المحمّل الذي يشعر فيه كثير من المتنزهين بالفارق. والخلاصة الأساسية كانت أن العصيّ خففت بعض الإجهاد المرتبط بالمشي هبوطًا تحت الحمل.

أما الدراسة الثانية، فنُشرت عام 2016 في Journal of Physical Therapy Science، وتناولت المشي هبوطًا باستخدام العصيّ لدى نساء بدينات. وهذه فئة مختلفة عن متوسط حاملي حقائب الظهر، لذلك لا ينبغي تعميم نتائجها أكثر من اللازم. ومع ذلك، فقد وجدت انخفاضًا في مؤشرات ترتبط بإجهاد العضلات وإجهاد الغضاريف عند استخدام العصيّ، وهو ما يشير إلى الاتجاه الميكانيكي نفسه: وزّع الحمل، وقلّل بعض إجهاد الكبح.

ADVERTISEMENT

ولا تقول أي من الدراستين إن كل متنزه على كل درب سيشعر بتغير كبير. لكنهما تدعمان الفكرة الأساسية القائلة إن العصيّ يمكن أن تخفف بعض العمل في النزول وتقلل الإجهاد المرتبط بالصدمات في ظروف معينة. وهذا ادعاء أكثر تواضعًا، لكنه أيضًا أكثر أمانة.

لماذا يهزّ بعض المتنزهين أكتافهم ويقولون إن العصيّ لا تفعل شيئًا

هذا مفهوم تمامًا: فالعصيّ لا تفيد الجميع بالقدر نفسه. إذا كان الدرب مستويًا وأملس، أو كانت حقيبتك خفيفة، أو كانت خطوتك أصلًا هادئة ومضبوطة، فقد يبدو المكسب محدودًا. وبعض المتنزهين المتمرّسين لا يحبون أيضًا انشغال أيديهم ويفضّلون الحركة بحرية.

وتهم التقنية أيضًا. فإذا كنت تضغط بوزن كبير جدًا عبر المعصمين، أو تغرس العصا متأخرًا، أو تحمل العصيّ من دون أن تستخدمها فعلًا، فقد تبدو مزعجة أكثر من كونها نافعة. وفي هذه الحالة لا تكون المشكلة أن العصيّ عديمة الفائدة، بل أن تقاسم الحمل وتوقيت التغذية الراجعة لم يتحققا أصلًا.

ADVERTISEMENT

لذلك ينبغي تضييق نطاق هذا الادعاء. تكون العصيّ أكثر جدوى على المنحدرات الصخرية، وفي الأيام الأطول، ومع الأحمال الأثقل، وعلى الأرض غير المستقرة، ولدى المتنزهين الذين يعرفون أصلًا أن ركبهم أو عضلات أفخاذهم تشتكي أثناء النزول. أما على الدروب السهلة، فقد لا تلاحظ فائدة تُذكر.

طريقة بسيطة لاختبارها في نزولك المقبل

في نزولك الصخري المقبل، استخدم العصيّ عن قصد مدة عشر دقائق بدلًا من حملها بفتور: اغرس واحدة منها قبل أن تلامس القدم جهة الانحدار الأرض مباشرة، وانتبه إلى الإشارة الصغيرة عبر المقبض، ثم انظر هل تشعر ركبتك بأنها أقل تيبسًا، وهل تبقى خطواتك أكثر انتظامًا، وهل تبدو ساقاك أقل إنهاكًا عند الوصول إلى الأسفل.

لوسيا فيرير

لوسيا فيرير

ADVERTISEMENT
جمال فيينا الخالد: استكشاف عاصمة النمسا الثقافية والفنية
ADVERTISEMENT

في قلب أوروبا تنبض عاصمة النمسا، فيينا، بتراث ثقافي وفني لا يضاهى. تعتبر فيينا منذ قرون طويلة مركزاً للابتكار الفني والفكري، حيث تجتمع فيها الأناقة الكلاسيكية مع الحيوية الثقافية المعاصرة. تتميز المدينة بمعالمها التاريخية الرائعة ومجموعة فريدة من المتاحف والمعارض الفنية التي تجسد تطورها الثقافي عبر العصور.

سيحاول هذا المقال

ADVERTISEMENT

استكشاف جمال فيينا الخالد، مسلطاً الضوء على مختلف جوانبها الثقافية والفنية التي تجعلها واحدة من الوجهات السياحية الأكثر جذباً في أوروبا. سنتنقل خلال تاريخها العريق ونستكشف متاحفها الفنية الفريدة، ونتعرف على دورها البارز كمركز للموسيقى الكلاسيكية. تعالوا معنا في هذه الرحلة إلى فيينا، حيث الجمال المتجدد والتراث الثقافي الراقي ينتظركم بكل روعة وسحر.

تاريخ فيينا الثقافي

صورة من wikimedia
ADVERTISEMENT

فيينا، عاصمة النمسا الجميلة، تعكس تاريخاً ثقافياً متنوعاً ومتعدد الأبعاد يمتد عبر قرون من الزمن. بدأت الحضارة في هذه المدينة الرائعة منذ العصور الرومانية القديمة، حيث كانت نقطة تجارية حيوية على طريق الحرير الشهير. لكن الانطلاقة الثقافية الحقيقية لفيينا حدثت خلال العصور الوسطى، عندما كانت مقراً لعدة أسر ملكية وإمبراطوريات أوروبية مهمة. في هذه الفترة، نمت المدينة لتصبح مركزاً للفن والعمارة والأدب، مما أسهم في تشكيل الهوية الثقافية الفريدة لها.

في العصر الحديث، عرفت فيينا فترة من الانفتاح الثقافي والفني، حيث شهدت تطورات كبيرة في الموسيقى والأدب والفلسفة. كانت هذه الفترة تتميز بانبعاث العديد من الشخصيات الثقافية الكبيرة مثل فيلهلم ريتشارد فاغنر وسيغموند فرويد، اللذين أثروا بشكل كبير على التفكير والفن في جميع أنحاء العالم.

ADVERTISEMENT

المعالم الثقافية والفنية في فيينا

صورة من wikimedia

فيينا تتميز بمجموعة من المعالم الثقافية والفنية البارزة التي تجسد تراثها الغني وتعبر عن تطورها الثقافي عبر العصور

قصر شونبرون (Schönbrunn Palace):

يُعتبر قصر شونبرون واحداً من أهم المعالم الثقافية والسياحية في فيينا.

بني في القرن الثالث عشر كقصر صيفي للعائلة الإمبراطورية النمساوية وأصبح فيما بعد مقراً للإمبراطورية النمساوية.

يتميز بمعماره الباروكي الرائع وحدائقه الخلابة التي تعتبر من أهم المعالم الثقافية والطبيعية في المدينة.

قصر هوفبورغ (Hofburg Palace):

يعد قصر هوفبورغ مقراً للحكم في النمسا لأكثر من 600 عام.

يحتوي القصر على مجموعة من القاعات الفخمة والمتاحف التي تعكس الفخامة والثقافة الإمبراطورية.

يشمل المتاحف فيه متحف الفن التاريخي ومتحف الفن الإسلامي ومكتبة القصر الملكية.

ADVERTISEMENT

المتاحف والمعارض الفنية

متحف الفن التاريخي (Kunsthistorisches Museum): يضم مجموعة كبيرة من الأعمال الفنية الكلاسيكية للفنانين الشهيرين مثل ريمبراندت وفان دايك.

متحف ليوبولد (Leopold Museum): متحف مخصص للفن الحديث والمعاصر ويعرض أعمالاً لفنانين مثل غوستاف كليمت وإيغون شيلي.

معرض بلفيدير (Belvedere): يضم مجموعة من الفن النمساوي بما في ذلك أعمال الفنان جوستاف كليمت وإيغون شيلي، بالإضافة إلى متحف البركاتين.

الأوبرا النمساوية (Vienna State Opera):

تُعتبر الأوبرا النمساوية من بين أشهر دور الأوبرا في العالم.

تأسست في القرن التاسع عشر وتشتهر بأدائها المتميز للأوبرا الكلاسيكية والمعاصرة.

تجتذب الأوبرا النمساوية عشاق الفن من جميع أنحاء العالم للاستمتاع بالعروض الاستثنائية والأداء المذهل.

معالم أخرى بارزة

كاتدرائية القديس ستيفان (St. Stephen's Cathedral): تعد رمزاً لفيينا بتصميمها الغوتيكي الرائع وبرجها الشهير.

ADVERTISEMENT

متحف الأدوات الموسيقية (Haus der Musik): يوفر تجربة تفاعلية لاستكشاف تاريخ الموسيقى والأدوات الموسيقية.

متحف الجناح الفضي (Sisi Museum): يعرض مقتنيات إمبراطورة النمسا إليزابيث (سيسي) ويسلط الضوء على حياتها وتأثيرها على التاريخ النمساوي.

هذه المعالم تشكل جزءاً لا يتجزأ من سحر فيينا الثقافي والفني، وتجذب الملايين من الزوار سنوياً للاستمتاع بالثروة الفنية والتاريخية التي تقدمها هذه المدينة الفريدة.

الحدائق والمنتزهات في فيينا

صورة من wikimedia

فيينا لا تُعتبر فقط مدينة ذات ثقافة غنية وموسيقى رائعة، بل تتميز أيضًا بمساحاتها الخضراء الفخمة والمنتزهات الجميلة التي توفر لزوارها ملاذًا هادئًا ومنعشًا من صخب المدينة. إليك بعض من أبرز الحدائق والمنتزهات في فيينا:

حديقة شونبرون (Schönbrunn Gardens):

تعد حديقة شونبرون جزءًا لا يتجزأ من مجمع قصر شونبرون الشهير.

ADVERTISEMENT

تتميز بتصميمها الباروكي الرائع ومساحاتها الشاسعة التي تضم نوافير وتماثيل فنية متنوعة.

تعد المكان المثالي للاسترخاء والتمتع بجمال الطبيعة في وسط المدينة.

حديقة برغرغارتن (Burggarten):

تقع بالقرب من قصر هوفبورغ وتعتبر واحدة من أقدم الحدائق العامة في فيينا.

تتميز بأشجارها الكثيفة وأزهارها الجميلة ومساحاتها المفتوحة التي تجذب الزوار للمشي والاسترخاء.

يمكن للزوار هنا استكشاف الأنهار الفينيقية والبرك المائية والاستمتاع بالمناظر الطبيعية الخلابة.

متنزه براتر (Prater):

يُعتبر متنزه براتر واحدًا من أكبر المتنزهات الترفيهية في فيينا.

يشتهر بعجلة فيريس الشهيرة (Prater Wheel) التي تعد رمزًا للمدينة.

يضم المتنزه أيضًا مساحات خضراء واسعة وممرات للمشي وركوب الدراجات الهوائية، مما يجعله مكانًا مثاليًا لقضاء يوم مليء بالمرح والتسلية.

ADVERTISEMENT

حديقة فين هوم (Vienna Woods):

تعد حديقة فين هوم وجهة رائعة لمحبي الطبيعة والمشي لمسافات طويلة.

تقع في جبال الألب النمساوية وتضم مسارات مشي للراغبين في استكشاف الطبيعة والتمتع بالمناظر الخلابة.

تعتبر حديقة فين هوم مكانًا مثاليًا للهروب من صخب المدينة واستنشاق الهواء النقي والمنعش.

تتميز هذه الحدائق والمنتزهات بتنوعها وجمالها الطبيعي، مما يجعلها جزءًا أساسيًا من جمال وسحر فيينا كعاصمة تجمع بين الثقافة الرفيعة والطبيعة الساحرة.

في ختام رحلتنا في استكشاف جمال فيينا الخالدة، ندرك أن هذه المدينة لا تقتصر فقط على أن تكون عاصمة للنمسا، بل هي أيضاً عاصمة للفن والثقافة في أوروبا. بفضل تراثها العريق وتنوع معالمها الثقافية، تجذب فيينا الزوار من جميع أنحاء العالم للاستمتاع بتجربة فريدة ومثيرة.

من القصور الإمبراطورية الباروكية إلى المتاحف الفنية الفريدة، ومن الأوبرا الشهيرة إلى الحدائق الساحرة، تعكس فيينا بكل فخر تاريخها الموسيقي العظيم والتراث الثقافي الغني. إن زيارة فيينا تعني التمتع بالموسيقى الكلاسيكية الراقية، واستكشاف المعارض الفنية المذهلة، والغوص في جماليات عمارتها الفنية التي تنعكس في كل زاوية من زوايا المدينة.

ADVERTISEMENT

فيينا تبقى مركزاً حيوياً للإبداع والتفكير، حيث تلتقي الأناقة الكلاسيكية بالحداثة الفنية بطريقة لا تضاهى. إن زيارة هذه المدينة تعد تجربة لا تُنسى لكل من يبحث عن الجمال الفني والروح الثقافية التي تتغنى بها فيينا.

لذا، دعونا نستمتع معاً بجمال فيينا، حيث يلتقي التاريخ بالفن، وحيث ينعم الزوار بسحر لا مثيل له يرافقهم طوال الزمن.

ياسر السايح

ياسر السايح

ADVERTISEMENT
يقول الأردني عمر ياغي، الحائز على جائزة نوبل، إن اختراعه سيغير العالم
ADVERTISEMENT

عندما يتحدث الكيميائي الأردني الأمريكي عمر ياغي عن اختراعاته، فإنه يفعل ذلك بثقة هادئة تنمّ عن خبرة طويلة في توسيع آفاق العلم. حاز ياغي على جائزة وولف المرموقة - التي تُعتبر غالبًا تمهيدًا لجائزة نوبل - ويُعدّ على نطاق واسع أحد أكثر الكيميائيين تأثيرًا في جيله، وقد أسس مجالًا يُعيد

ADVERTISEMENT

تشكيل النقاشات العالمية حول الطاقة والمياه والاستدامة. وقد فتح عمله الرائد في مجال الأطر المعدنية العضوية (MOFs) الباب أمام مواد قادرة على أداء مهام كانت تُعتبر مستحيلة: مثل استخلاص الماء من هواء الصحراء، وتخزين الهيدروجين بأمان، وتنظيف البيئات الملوثة، وحتى تحويل ثاني أكسيد الكربون إلى مواد كيميائية قابلة للاستخدام. عندما يقول ياغي إن اختراعه سيغير العالم، فهو لا يتحدث مجازًا، بل يصف ثورة علمية جارية بالفعل، ثورة مبنية على مواد مسامية ومتعددة الاستخدامات لدرجة أنها تُعيد تعريف ما يمكن للبشرية فعله بالموارد المحيطة بها. رؤيته جريئة لكنها راسخة في عقود من البحث الدقيق، وتعكس إيمانًا عميقًا بأن الكيمياء قادرة على تقديم حلول عملية لبعضٍ من أكثر التحديات إلحاحًا التي تواجه كوكبنا.

ADVERTISEMENT


صورة بواسطة Christopher Michel على wikipedia


ميلاد الأطر المعدنية العضوية: فئة جديدة من المواد ذات قدرات استثنائية

يُعدّ ابتكار عمر ياغي للأطر المعدنية العضوية (MOFs) أبرز إسهاماته في العلم، وهي عبارة عن هياكل بلورية تُصنع بربط أيونات معدنية بجزيئات عضوية لتشكيل شبكات عالية المسامية. ما يُميّز هذه الأطر هو مساحة سطحها الداخلي الهائلة: إذ يُمكن أن تصل مساحة سطح غرام واحد منها إلى مساحة ملعب كرة قدم كامل. تسمح هذه المسامية الهائلة للأطر المعدنية العضوية باحتجاز الجزيئات وتخزينها وإطلاقها بدقة غير مسبوقة. في تسعينيات القرن الماضي، عندما طرح ياغي هذا المفهوم لأول مرة، انبهر المجتمع العلمي بالإمكانيات الهائلة التي يُتيحها. فيُمكن تصميم الأطر المعدنية العضوية كإسفنج جزيئي، حيث يُصمّم كل منها خصيصًا لالتقاط غازات أو سوائل مُحدّدة. وعلى مرّ السنين، طوّر ياغي وزملاؤه مئات من هياكل الأطر المعدنية العضوية، لكل منها خصائص فريدة. بعضها قادر على تخزين الهيدروجين بكثافات مناسبة لمركبات الطاقة النظيفة. وبعضها الآخر قادر على التقاط ثاني أكسيد الكربون مباشرةً من الانبعاثات الصناعية. بينما يستطيع بعضها ترشيح المواد الكيميائية السامة من المياه الملوثة. ولكن ربما يكون التطبيق الأبرز - والذي يعتقد ياغي أنه سيغير العالم - هو قدرة بعض الأطر المعدنية العضوية على استخلاص الماء من الهواء، حتى في أشد الصحاري جفافاً. فلقد حوّل هذا الإنجاز الأطر المعدنية العضوية من مجرد ظاهرة علمية مثيرة للاهتمام إلى أداة ذات إمكانات إنسانية هائلة، قادرة على معالجة إحدى أكثر المشكلات العالمية إلحاحاً: ندرة المياه.

ADVERTISEMENT


صورة بواسطة aren Zhou على wikipedia


استخلاص الماء من الهواء: حلٌّ لكوكبٍ عطشان

من بين ابتكارات ياغي العديدة، حظيت تقنية استخلاص الماء باستخدام الأطر المعدنية العضوية (MOFs) باهتمام عالمي لقدرتها على استخلاص مياه الشرب من الهواء ذي الرطوبة المنخفضة للغاية. تتطلب مولدات المياه الجوية التقليدية رطوبة عالية أو كميات كبيرة من الطاقة، مما يجعلها غير عملية في المناطق القاحلة. أما تقنية ياغي، فتعمل بشكل سلبي، مستخدمةً ضوء الشمس فقط لإطلاق الماء الذي تستخلصه. في تجارب ميدانية أُجريت في صحراء موهافي، إحدى أكثر المناطق جفافًا في أمريكا الشمالية، نجح جهازه القائم على تقنية MOFs في إنتاج مياه نظيفة من الهواء بمستويات رطوبة منخفضة تصل إلى 10%. لهذا الإنجاز آثارٌ بالغة الأهمية على المجتمعات التي تواجه نقصًا مزمنًا في المياه. يتطلع ياغي إلى مستقبلٍ تستطيع فيه الأسر في المناطق النائية أو التي تعاني من الجفاف الاعتماد على أجهزة صغيرة الحجم قائمة على تقنية MOFs لتلبية احتياجاتها اليومية من المياه. هذه التقنية قابلة للتطوير، وصديقة للبيئة، ولا تتطلب كهرباء، مما يجعلها مثالية للمناطق ذات البنية التحتية المحدودة. إلى جانب التطبيقات الإنسانية، يمكن لحصادات المياه المصنوعة من الأطر المعدنية العضوية (MOFs) أن تدعم الزراعة، والإغاثة في حالات الكوارث، وحتى استكشاف الفضاء. وقد أبدت وكالة ناسا اهتمامًا بهذه التقنية لبعثاتها المستقبلية، إدراكًا منها لإمكاناتها في توفير المياه في البيئات خارج كوكب الأرض. بالنسبة لياغي، لا يقتصر الهدف على الابتكار فحسب، بل يتعداه إلى التمكين. فهو يؤكد دائمًا أن الحصول على المياه النظيفة حق أساسي من حقوق الإنسان، ويعتقد أن الأطر المعدنية العضوية قادرة على ضمان هذا الحق لملايين البشر.

ADVERTISEMENT


صورة بواسطة Karen Zhou على wikipedia


مستقبل مُغيّر بالهندسة الجزيئية

يتجاوز عمل عمر ياغي مجرد حصاد المياه. فهو رائد في "الكيمياء الشبكية"، وهو مجال أسسه ويركز على ربط الجزيئات معًا في هياكل وظيفية يمكن التنبؤ بها. أتاح هذا النهج ابتكار ليس فقط الأطر المعدنية العضوية (MOFs)، بل أيضًا الأطر العضوية التساهمية (COFs) وغيرها من المواد المتقدمة ذات التطبيقات في مجالات الطاقة النظيفة، ومعالجة البيئة، والكيمياء الصناعية. يؤمن ياغي بأن الهندسة الجزيئية ستُحدد ملامح التقدم العلمي في القرن القادم، تمامًا كما فعلت الإلكترونيات في القرن الماضي. تتمثل رؤيته في عالم تُصمم فيه المواد بدقة ذرية لحل التحديات العالمية: تخزين الطاقة المتجددة بكفاءة، واحتجاز غازات الاحتباس الحراري قبل وصولها إلى الغلاف الجوي، وابتكار عمليات كيميائية لا تُنتج أي نفايات. وقد تبنت الحكومات والجامعات والصناعات حول العالم أفكاره، واستثمرت بكثافة في التقنيات القائمة على الأطر المعدنية العضوية. وتعمل الشركات الناشئة على تطوير بطاريات وأجهزة استشعار وأنظمة ترشيح تعمل بهذه الأطر. كما تستكشف مختبرات الأبحاث استخدام الأطر المعدنية العضوية في توصيل الأدوية والتشخيص الطبي. إن الزخم لا يُنكر. ومع ذلك، يبقى ياغي متواضعًا، وغالبًا ما يُرجع الفضل في ذلك إلى نشأته الأردنية التي غرست فيه إحساسًا بالهدف والمسؤولية. ويتحدث بحماس عن استخدام العلم للارتقاء بالإنسانية، وليس فقط لتطوير التكنولوجيا. عندما يقول إن اختراعه سيغير العالم، فإنه يعبر عن قناعة راسخة في عقود من الأدلة وتفانٍ دامَ عمراً. عمله شاهدٌ على ما يحدث عندما يلتقي الخيال بالانضباط، وعندما يلتقي الفضول بالتعاطف، وعندما يسترشد العلم برغبة في خدمة الآخرين.

عبد الله المقدسي

عبد الله المقدسي

ADVERTISEMENT