أول ما يلفت انتباه معظم الناس في فقمة المرفأ هو عيناها الداكنتان المتباعدتان، لكن السمة الأهم حين تظلم المياه هي شواربها.
قد يبدو هذا معاكسًا للبداهة إلى أن تنظر إلى ما صُمِّمت فقمة المرفأ من أجله. ففي المياه الخافتة يتلاشى البصر سريعًا، لكن السمكة تترك وراءها أثرًا في الماء، وتستطيع فقمة المرفأ أن تقرأ ذلك الأثر عبر الشوارب الطويلة على خطمها.
2001
أظهرت فقمة مرفأ مُدرَّبة ومعصوبة العينين قدرتها على تتبّع أثر مائي آخذ في التلاشي تحت الماء باستخدام شواربها وحدها.
وقد أوضح الباحثون هذا بجلاء في أعمال مضبوطة أُجريت على فقمات المرافئ قبل أكثر من عشرين عامًا. ففي تجارب نُشرت عام 2001 على يد غويدو دينهارت، وبيورن ماوك، وهورست بليكمان، استطاعت فقمة مرفأ مُدرَّبة ترتدي عصابة على عينيها أن تتبع الأثر المائي المتلاشي الذي خلّفه جسم صغير تحت الماء مستخدمة شواربها وحدها. وقد قدّمت هذه النتيجة جوابًا حاسمًا وسهل التذكّر عن السؤال القديم: هل كانت شوارب الفقمة مجرد شوارب؟ لم تكن كذلك.
قراءة مقترحة
قد يبدو وجه فقمة المرفأ كأنه اختُزل إلى بضعة أشكال أليفة: رأس مستدير، وعينان كبيرتان، وخطم قصير، وشوارب تتشعّب من مقدمة الوجه. توقف عند هذه النقطة لحظة. فهذه الشوارب شعيرات حسية سميكة نابضة بالحيوية، ويطلق عليها علماء الأحياء اسم vibrissae.
ولهذه الكلمة أهميتها، لأن vibrissae ليست فراءً للزينة. فكل شعيرة منها تستقر في جريب غني بالأعصاب والتروية الدموية، فتُحوِّل الانحناءات الدقيقة والاهتزازات إلى معلومات. ما يبدو كهدب مرتب على الوجه ليس إلا مصفوفة استشعار.
أيُّ جزء من هذا الوجه يتولى الصيد فعلًا؟
تخيّل أنك تغمض عينيك وتجرّ أطراف أصابعك في ماء الاستحمام بعد أن مرّت فيه يد أحدهم. يمكنك أن تشعر، للحظة، بنمط آخذ في التلاشي: تموّج، دفعة، تغيّر في السريان. وما تفعله فقمة المرفأ بشواربها نسخة أدق بكثير من ذلك.
فالأسماك لا تمر في الماء من دون أن تترك أثرًا. إذ تخلّف أثناء سباحتها مسارات هيدروديناميكية، توقيعات صغيرة للحركة في الماء. ويمكن لفقمة المرفأ، حين تمر عبر هذا الماء المضطرب، أن تلتقط هذا النمط، وتعرف أين يشتد، ثم تنعطف نحو مصدره.
هنا تبدأ نظرتك إلى الحيوان كله في التغيّر. فشوارب الفقمة ليست شوارب ثدييات عادية جرى تكبيرها لتناسب الحياة في البحر. إن شكلها يساعد على حل مشكلة كان من شأنها، لولا ذلك، أن تفسد الإشارة.
حين تتحرك الفقمة، تدفع الماء حول وجهها وشواربها.
يساعد الشكل المتموّج والمفلطح على خفض الاهتزاز الذي تولّده الحركة الذاتية، والذي كان سيشوّش الإشارة لولا ذلك.
ومع انخفاض الاهتزاز الناتج عن حركة الفقمة نفسها، يبقى الشارب قادرًا على تحسس التغيّرات التي تحدثها فرائس تتحرك في الماء.
ويستخدم الدماغ هذه الإشارة الأنقى لرسم خريطة الاضطراب وتوجيه الحيوان نحو الفريسة.
عندما تسبح الفقمة، تدفع حركتها الماء حول وجهها. ولو كانت شواربها تهتز كثيرًا بسبب هذا الجريان الذي تصنعه بنفسها، لتحولت إلى مستشعرات كثيرة الضجيج. وقد أظهرت الأبحاث المتعلقة بفقمات المرافئ وأنواع فقمة قريبة منها أن للشوارب شكلًا متموجًا ومفلطحًا يقلّل هذا الاهتزاز المتولد ذاتيًا، مما يساعدها على البقاء حساسة للاضطرابات الخارجية بدلًا من ذلك.
هنا تأتي تلك اللحظة التي تشبه لوحة العدادات. العينان تُخطئان. الماء يحمل. الشوارب تلتقط. الدماغ يرسم الخريطة. الفقمة تنعطف.
وحين تعرف ذلك، لن يعود الخطم يبدو كإطار ناعم يحيط بالوجه، بل سيبدو السطح العامل الذي يجمع الحيوان عبره بيانات الصيد.
بلى، إن لهما أهميتهما بالطبع. ففقمات المرافئ تتمتع ببصر جيد داخل الماء وخارجه، وفي الضوء الملائم تساعدها عيونها على رصد الحركة، وتقدير المسافة، وتعقّب الفريسة مباشرة.
لكن هذا لا يعني أن العينين هما الأداة الرئيسة في كل ظرف. فالمياه العكرة، وضعف الإضاءة، والعمق، وفرائس تنفلت من مجال الرؤية، كلها تقلّص ما يستطيع البصر أن يفعله. وفي تلك اللحظات تصبح الشوارب الدليل الأوثق، لأن الماء يظل يحمل أثرًا يمكن قراءته حتى بعد أن تختفي السمكة عن الأنظار.
في الضوء المناسب والظروف الصافية، تساعد الرؤية فقمة المرفأ على رصد الحركة، وتقدير المسافة، وتعقّب الفريسة مباشرة.
في المياه العكرة، أو الإضاءة الضعيفة، أو الأعماق، أو بعد أن تفلت الفريسة من النظر، يبقى الأثر في الماء قابلًا للقراءة، وتصبح الشوارب الدليل الأوثق.
وهذا هو الحد الدقيق لهذا القول. فالمقصود ليس أن فقمات المرافئ تصطاد عمياء طوال الوقت، ولا أن عيونها غير مهمة على نحو ما. المقصود أن الشوارب تتولى القيادة حين تتراجع الرؤية أو حين يخبر أثر الماء الفقمة بأكثر مما يقدر عليه البصر.
غالبًا ما يقرأ الناس وجه الفقمة كما يقرأون وجوههم هم: العينان أولًا، ثم التعبير، ثم الشخصية. وهذا مفهوم. لكن في فقمة تصطاد، قد يكون أكثر ما في الوجه إفادة هو ذلك الجزء الذي يعدّه كثيرون مجرد إضافة لطيفة.
انظر إلى الشوارب أولًا. لا بوصفها تهذيبًا. ولا زينة. بل قارئات للتموجات موصولة بمفترس يستطيع أن يتتبع الحركة في الماء المظلم بدقة مدهشة.
في المرة المقبلة التي تشاهد فيها فقمة مرفأ، وجّه انتباهك إلى الخطم، واقرأ الشوارب بوصفها أداة الصيد التي تستشعر بها أثر الحركة في الماء.