للشكل المُدرَّج لحقول الأرز وظيفة دقيقة
ADVERTISEMENT

ما يبدو زراعة هادئة خلابة ليس في الحقيقة سوى بنية تحتية على سفح جبل؛ فهذا الشكل المدرّج قائم ليحتجز الماء، ويضبط سرعة جريانه، ويوزّعه عبر الأرض المنحدرة من دون أن يجرف التربة.

وهذا هو الجزء الذي يفوت كثيرين منا. فنحن نرى درجات خضراء ونفكر أولًا في الجمال، لكن على منحدر

ADVERTISEMENT

كهذا، لن يصمد الجمال وحده أمام مطر غزير واحد.

لطالما وصفت منظمة الأغذية والزراعة المصاطب الزراعية المدرّجة بعبارات واضحة: إذا قُسِّم المنحدر الشديد إلى درجات شبه مستوية، انخفض الجريان السطحي، وتراجعت التعرية، وأصبح تدبير المياه أيسر. وتشير إدراجات التراث لدى اليونسكو لأماكن مثل مدرجات الأرز في كورديليرا الفلبين إلى الأمر نفسه من زاوية أخرى. فهذه المدرجات ليست مجرد مناظر قديمة صادف أنها بقيت. إنها أنظمة تطورت عبر زمن طويل للزراعة، وإدارة المياه، والصيانة المشتركة.

ADVERTISEMENT
صورة بعدسة ألدرين بروساس على Unsplash

ليست الوظيفة أن تكون جميلة، بل أن تُبقي التلة متماسكة.

لنبدأ بالمشكلة. فعلى منحدر متصل غير مقطّع، تزداد سرعة مياه المطر ومياه الري كلما سحبتها الجاذبية إلى أسفل. والماء السريع يفعل شيئين سيئين في آن واحد: يمكث وقتًا أقل ليتسرّب إلى التربة، ويحمل معه مقدارًا أكبر من التربة أثناء جريانه.

ويزداد هذا الإشكال مع الأرز لأن هذا المحصول يحب المياه الراكدة. فالسفح الجبلي الحاد لا يوفّر بطبيعته سلسلة من البرك الضحلة المستقرة. بل يوفّر منزلقًا.

لذلك غيّر الناس شكل التلة. فالمصطبة تقطع في المنحدر سطحًا مستويًا أو أقل انحدارًا للزراعة. وعلى الحافة يقوم حاجز ترابي أو جدار منخفض يحتجز الماء فلا ينسكب دفعة واحدة. وقد تؤدي الحجرات، أو التراب المدكوك، أو الحواف المزروعة هذا الدور، بحسب المكان.

ADVERTISEMENT

ولولا تلك الحواف، لتصرّفت كل قطعة كأنها صينية مائلة. أما بوجودها، فيتحول كل مستوى إلى حوض احتجاز صغير. فيتوقف الماء فيه أولًا بدل أن يسلك أقصر طريق إلى الوادي.

إذا وقفت ساكنًا قرب مدرجات عاملة، فلن تسمع اندفاعة واحدة تهبط إلى أسفل. بل ستسمع همسًا مائيًا متدرجًا خافتًا: ماءً يلامس حقلًا مغمورًا، ثم ينزلق عبر فتحة أو قناة ضيقة، ثم يستقر من جديد في المستوى الأدنى. فكل درجة توقف الجاذبية لحظة، ثم تسلّم الماء إلى ما يليها على دفعات محسوبة.

ذلك الصوت هو الآلية نفسها. فكلما أبطأ الماء، ازداد الوقت المتاح لتسرّبه إلى الداخل. ويضرب التربة بقوة أقل. ويحمل معه جزيئات أقل، ما يعني أن الحقل يحتفظ بقدر أكبر من طبقته الخصبة الرقيقة التي يعتمد عليها المحصول.

وقد وجدت أبحاث أُجريت على منحدرات مدرّجة في مناطق زراعية مختلفة النمط العام نفسه مرارًا: فمقارنة بمنحدر شديد تُرك على حاله، تستطيع المصاطب أن تقلل كثيرًا من الجريان السطحي وفقدان التربة حين تُبنى جيدًا وتُصان جيدًا. ويختلف المقدار الدقيق بحسب المطر والتربة والتصميم، لكن الاتجاه العام لا يكاد يكون موضع شك. فتقسيم منحدر واحد إلى درجات قصيرة كثيرة يغيّر ما يستطيع الماء أن يفعله.

ADVERTISEMENT

إذا كان عليك أن تُبقي الماء على منحدر شديد من دون أن تدع التلة كلها تنزلق، فأي شكل ستبني؟

والجواب ليس «سلالم للناس»، بل «سلالم للماء».

متى نظرت إلى التلة بوصفها مشكلة مياه، صار المنطق واضحًا. أبطئ الجريان، ووزّع الحمل، وثبّت التربة، ومرّر الفائض، ثم كرر ذلك نزولًا على امتداد السفح.

فالمصطبة ليست في الأساس وسيلة مريحة للمشي أو للزراعة في صفوف مرتبة. إنها أداة لإدارة الجاذبية. فبدلًا من صفيحة طويلة جارفة من الجريان السطحي، يتحول السفح إلى سلسلة من التوقفات المضبوطة.

والتسلسل كالتالي: أولًا، يوفّر السرير الأكثر استواءً مكانًا يستطيع الماء أن يستقر فيه. ثانيًا، يحفظ الحاجز أو الجدار الاستنادي ذلك الماء والتربة خلفه. ثالثًا، تسمح نقطة سكب أو فتحة أو قناة بخروج الماء الزائد بصورة مضبوطة بدل أن يندفع مخترقًا أضعف حافة. رابعًا، تتلقى المصطبة التالية ذلك الفائض وتؤدي المهمة نفسها من جديد.

ADVERTISEMENT

وهذا الجزء الأخير لا يقل أهمية عن احتجاز الماء نفسه: تقاسمه. فعلى الأرض المنحدرة، يمكن لمن هو في الأعلى بسهولة أن يأخذ أكثر من الجميع في الأسفل إذا لم تكن هناك مسارات متفق عليها وتوقيت محدد. وغالبًا ما تعمل أنظمة المصاطب بقنوات وبوابات وقواعد محلية حتى يصل الماء من مصطبة إلى أخرى، لا بحسب الحظ.

ولهذا يبدو الشكل المدرّج مختلفًا حين تعرف ما الذي يفعله. فأنت تنظر إلى تلة تعلّمت أن تتنفس على درجات بدل أن تلهث في سيول.

والمصطبة الشهيرة هي أيضًا صداع صيانة

خذ مثلًا مدرجات الأرز في كورديليرا الفلبين، التي ترتبط كثيرًا بشعب الإيفوغاو. فهي معترف بها على نطاق واسع لقِدمها وأهميتها الثقافية، نعم، لكن منطق عملها عملي بامتياز: فالغابات الواقعة أعلى المنحدر تساعد في تغذية القنوات بالماء، وجدران المصاطب تمسك التربة في مكانها، ثم يستقبل حقلًا مغمورًا بعد آخر الماء ويطلقه بالتتابع.

ADVERTISEMENT

لكن هذه ليست حكمة قديمة مدهشة تعمل من تلقاء نفسها بلا عناء. فالجدار المتشقق، أو القناة المسدودة، أو الحاجز الترابي المتضرر، قد يحوّل نظامًا دقيقًا إلى خط انهيار بسرعة كبيرة. وإذا انهارت حافة مصطبة واحدة، فقد يؤدي الضغط إلى إتلاف المستوى الذي تحتها، ثم الذي يليه.

وهذا هو الحد الحقيقي. فالمصاطب قوية، لكنها ليست سحرًا. إنها تتطلب عملًا وصيانة وقواعد مشتركة، وحين يختل ذلك upkeep ترتفع بسرعة مخاطر التعرية والمحصول.

يمكنك أن تتخيل الصيانة في حركات صغيرة: شخصًا يفحص حافة المصطبة بمعول، ويضغط الطين ليعيده إلى موضع ضعيف، وينظف بيده مجرى ماء ضيقًا. إنه عمل هادئ، لكن النظام كله يعتمد عليه.

أهذا مجرد الأسلوب القديم الذي حلّت محله أنظمة الري الحديثة؟

ليس تمامًا. فالأنابيب والمضخات والقنوات الخرسانية تستطيع نقل الماء، لكنها لا تمحو المشكلة الأساسية للأرض الشديدة الانحدار. فالماء لا يزال يريد أن يندفع إلى أسفل. والتربة لا تزال تتحرك حين يضربها الماء بعنف أو يجري بسرعة أكبر مما ينبغي. والمزارع الواقعة في الأسفل لا تزال تحتاج إلى نصيب عادل.

ADVERTISEMENT

تجيب المصاطب عن مشكلة مادية لم تختفِ. وقد تغيّر الهندسة الحديثة المواد أو تضيف وسائل تحكم جديدة، لكن المهمة الجوهرية تبقى هي نفسها: إبطاء الماء بما يكفي لاستخدامه، وتثبيت التربة بما يكفي للزراعة عليها، وتمرير الزائد من دون إحداث ضرر.

جرّب اختبارًا ذهنيًا سريعًا. تخيّل سفحًا شديد الانحدار تُرك من دون تقسيم، ثم تخيّل السفح نفسه وقد قُطع إلى درجات كثيرة ذات حواف منخفضة حابسة. في الحالة الأولى، تتسارع المياه، وتجرّف تربة أكثر، وتصل إلى الحقول السفلية على نحو غير متكافئ. وفي الثانية، تتباطأ، وتستقر، ويمكن تمريرها نزولًا على دفعات.

وهذا الاختبار الذهني كافٍ ليغيّر ما تراه. فالشكل نفسه يخبرك بالمهمة.

استخدم هذه القراءة البسيطة: السرير المستوي يعني مكانًا لاحتجاز الماء، والحافة المرتفعة تعني مكانًا لحفظ التربة، وكل نقطة فائض تعني أن من التلة يُطلب منها أن تطلق الماء قليلًا قليلًا بدلًا من أن تطلقه كله دفعة واحدة.

لوسيا

لوسيا

ADVERTISEMENT
شفشاون: المدينة الزرقاء التي تأسر القلوب
ADVERTISEMENT

تقع شفشاون، أو كما تُعرف بـ"المدينة الزرقاء"، في شمال المغرب بين أحضان جبال الريف، حيث تمتزج الطبيعة الساحرة مع عبق التاريخ والثقافة الأصيلة. تشتهر هذه المدينة بأزقتها الضيقة المصبوغة بدرجات الأزرق المختلفة، مما يجعلها وجهة ساحرة تأسر القلوب وتجذب عشاق السفر والتصوير الفوتوغرافي من جميع أنحاء العالم. في هذا المقال،

ADVERTISEMENT

سنأخذك في جولة شاملة لاكتشاف سحر شفشاون، من معالمها الفريدة إلى تجاربها الثقافية والطبيعية.


الصورة من envato


1. تاريخ شفشاون: مدينة ذات طابع أندلسي

تأسست شفشاون عام 1471 على يد مولاي علي بن راشد لاستقبال المسلمين واليهود الذين فروا من الأندلس بعد سقوط غرناطة. لهذا السبب، تحمل المدينة طابعًا أندلسيًا واضحًا يظهر في هندستها المعمارية، من المنازل ذات الأسطح القرميدية الحمراء إلى الأبواب المزخرفة والشرفات الحديدية الأنيقة. عبر القرون، ظلت شفشاون مدينة محافظة، تحافظ على تقاليدها وتاريخها الغني.

ADVERTISEMENT

2. المدينة القديمة: أزقة زرقاء ساحرة

أجواء ساحرة وشوارع ضيقة

عند دخولك إلى المدينة القديمة، ستشعر وكأنك دخلت إلى عالم من الخيال. الشوارع الضيقة المرصوفة بالحجارة، والجدران المطلية بالأزرق بدرجاته المختلفة، تخلق لوحة فنية مذهلة. يقال إن هذا اللون الأزرق مستوحى من التقاليد اليهودية الأندلسية، حيث كان يُعتقد أنه يعكس السماء ويبعث على الصفاء والهدوء.

ساحة وطاء الحمام

تُعد ساحة وطاء الحمام قلب المدينة النابض، حيث تتجمع المقاهي التقليدية والمطاعم، وتطل عليها منازل تاريخية ومساجد قديمة. إنها المكان المثالي للاسترخاء وشرب كوب من الشاي بالنعناع أثناء الاستمتاع بأجواء المدينة.

قصبة شفشاون: لمحة من التاريخ

بجانب الساحة، تقع القصبة التي تعود إلى القرن الخامس عشر، وهي حصن تاريخي كان يستخدم لحماية المدينة. تضم القصبة متحفًا يعرض تاريخ المنطقة، وحديقة جميلة توفر إطلالات رائعة على المدينة وجبال الريف المحيطة.

ADVERTISEMENT


الصورة من unsplash


3. الطبيعة الساحرة: من الجبال إلى الشلالات

جبال الريف: جنة لمحبي الطبيعة والمغامرة

تحيط جبال الريف بشفشاون، مما يجعلها وجهة مثالية لعشاق المشي لمسافات طويلة والتنزه في الطبيعة. هناك العديد من المسارات التي تأخذك عبر التلال الخضراء والغابات الكثيفة، حيث يمكنك الاستمتاع بالمناظر الخلابة والتقاط صور لا تُنسى.

شلالات أقشور: هروب إلى الطبيعة

على بعد حوالي 30 كم من شفشاون، تقع شلالات أقشور، وهي واحدة من أجمل الوجهات الطبيعية في المنطقة. يمكن للزوار الاستمتاع بالمشي لمسافات طويلة بين الصخور والمنحدرات، وصولًا إلى الشلالات الرائعة ذات المياه الصافية. المكان مثالي للاسترخاء أو السباحة في برك المياه الطبيعية.

4. الثقافة والتقاليد المحلية

الحرف اليدوية والأسواق التقليدية

تشتهر شفشاون بصناعاتها التقليدية، وخاصة المنسوجات والصناعات الجلدية والسيراميك المزخرف. عند التجول في الأسواق المحلية، ستجد أكشاكًا مليئة بالسجاد اليدوي، والأزياء المغربية التقليدية، والتحف المصنوعة يدويًا، مما يجعلها المكان المثالي لشراء هدايا تذكارية.

ADVERTISEMENT

المطبخ الشفشاوني: تجربة طعام مميزة

يقدم المطبخ الشفشاوني مزيجًا من النكهات المغربية التقليدية. جرب أطباق مثل الطاجين بلحم الضأن والخضار، أو الكسكس الذي يُطهى ببطء ويُقدم مع مزيج من التوابل العطرية. لا تفوت فرصة تجربة "البسطيلة"، وهي فطيرة مغربية تجمع بين النكهات الحلوة والمالحة في مزيج رائع.

المهرجانات والفعاليات الثقافية

تُقام في شفشاون العديد من الفعاليات الثقافية والمهرجانات، مثل مهرجان الموسيقى الأندلسية ومهرجان التصوير الفوتوغرافي، اللذان يجذبان الفنانين والمبدعين من مختلف أنحاء العالم.


الصورة من unsplash


5. نصائح للسفر إلى شفشاون

أفضل وقت للزيارة:يعتبر الربيع (مارس - مايو) والخريف (سبتمبر - نوفمبر) من أفضل الأوقات لزيارة شفشاون، حيث يكون الطقس معتدلًا ومناسبًا للاستكشاف.

الإقامة:تتوفر العديد من دور الضيافة التقليدية والفنادق الصغيرة التي توفر تجربة إقامة أصيلة وسط المدينة القديمة.

ADVERTISEMENT

وسائل النقل:يمكن الوصول إلى شفشاون من طنجة أو فاس بالحافلات أو سيارات الأجرة الجماعية. التنقل داخل المدينة يكون سيرًا على الأقدام بسبب طبيعة الشوارع الضيقة.

شفشاون ليست مجرد مدينة، بل تجربة حسية وروحية تأسر الزائر بجمالها الفريد وأجوائها الهادئة. سواء كنت تبحث عن الاسترخاء، أو ترغب في استكشاف الطبيعة، أو الانغماس في الثقافة المحلية، فإن المدينة الزرقاء ستمنحك تجربة لا تُنسى. لا تفوت فرصة زيارة هذا الجوهرة المغربية الساحرة، حيث يلتقي التاريخ بالفن، والطبيعة بالسحر.

ياسر

ياسر

ADVERTISEMENT
ما الذي تفعله فعليًا برج اتصالات مونتجويك؟
ADVERTISEMENT

يقف برج اتصالات مونتجويك فوق المنطقة الأولمبية في برشلونة كي يرفع معدات البث والاتصالات إلى موضع يسمح بإرسال الإشارات واستقبالها عبر مسارات واضحة. وتصفه هيئة سياحة برشلونة الرسمية بأنه برج للبث الإذاعي والتلفزيوني، أي إن وظيفته الأساسية تقنية: حمل تجهيزات الاتصالات والمساعدة في نقل الصورة والصوت، لا استقبال الزوار كمنصة

ADVERTISEMENT

مشاهدة.

حين تراه من المدينة، يسهل أن تقرأ شكله الأبيض المنحني كمنحوتة ضخمة. غير أن البرج، المعروف أيضًا باسم Torre de Comunicacions de Montjuïc وTorre Telefónica، صممه سانتياغو كالاترافا لصالح Telefónica ضمن منشآت دورة الألعاب الأولمبية الصيفية لعام 1992. وتذكر صفحة المشروع لدى مكتب كالاترافا أن ارتفاعه يبلغ 136 مترًا وأنه يهيمن على مجموعة المنشآت الرياضية الرئيسية على منحدرات مونتجويك.

ADVERTISEMENT
صورة التقطها Suvrajit 💭 S على Unsplash

مهمة مرتبطة ببث أولمبياد 1992

في أوائل التسعينيات، كانت برشلونة تجهز الملاعب والطرق وشبكات الخدمات اللازمة لاستضافة حدث عالمي. وكان نقل المنافسات جزءًا من تلك البنية الأساسية؛ فالصور التي تلتقطها الكاميرات تحتاج إلى شبكة تحمل إشارات التلفزيون من المواقع الأولمبية إلى مراكز البث، ومنها إلى المشاهدين خارج المدينة. بُني برج مونتجويك لخدمة هذه المهمة خلال ألعاب 1992، في منطقة كانت تضم عددًا من المنشآت الأولمبية الرئيسية.

وظيفته هنا ليست إنتاج التغطية أو تصوير السباقات. البرج يوفر الارتفاع والبنية التي تستند إليها معدات الإرسال، فتنتقل الإشارة بين نقاط الشبكة من دون أن تعوقها المباني والتضاريس القريبة. ولهذا لم يكن اختيار تل مونتجويك متعلقًا بالإطلالة وحدها؛ فالموقع المرتفع يخدم مسارات الإشارة، كما يضع المنشأة قرب قلب المنطقة الأولمبية التي شُيدت لخدمتها.

ADVERTISEMENT

إذا فصلت مرحلة 1992 عن وصف البرج في الحاضر، تظهر صورتان متكاملتان. المهمة التاريخية المحددة كانت دعم نقل التغطية التلفزيونية للألعاب، بينما ما تزال هيئة سياحة برشلونة تصنف المنشأة على صفحتها القائمة على أنها برج بث. بهذا المعنى، بقيت هويته التقنية واضحة حتى بعدما صار أحد معالم أفق المدينة.

ماذا يفعل برج البث عمليًا؟

يمكن اختصار العمل في سلسلة واضحة: تصل إشارة الصورة والصوت إلى منظومة الاتصالات، تحمل المعدات المثبتة على البرج الإشارة أو تمررها عبر وصلة بث، ثم تواصل الإشارة طريقها إلى نقطة أخرى في الشبكة. الارتفاع يمنح الهوائيات مجالًا أوسع وخطوط إرسال أوضح، أما الهيكل فيتحمل المعدات ويحافظ على ثباتها في مواضعها.

هذا يفسر عناصر قد تبدو زخرفية حين تنظر إليها من بعيد. العمود النحيل يحقق الارتفاع، والدعامة المنحنية تثبت التكوين، والمنصة الحلقية تنظم الجزء الذي ترتبط به معدات الاتصالات. كل عنصر بصري مرتبط بمطلب هندسي: الوصول إلى أعلى، حمل الأجهزة، مقاومة الأحمال، وإبقاء مسارات الإرسال مفتوحة.

ADVERTISEMENT

البرج نفسه لا يحول الحدث الرياضي إلى برنامج تلفزيوني، ولا يختار الصور أو يعلق عليها. دوره يقع في طبقة النقل؛ فهو جزء من الطريق الذي تسلكه الإشارة بعد إنتاجها. وهذا هو الفارق بين برج الاتصالات واستوديو البث: الاستوديو يصنع المادة، أما البرج فيخدم انتقالها وتغطيتها.

لماذا يبدو كعمل فني؟

اختار كالاترافا معالجة المتطلبات التقنية بلغة نحتية واضحة، بعيدًا عن الهيئة الشبكية المعتادة لكثير من أبراج البث. وتصف هيئة سياحة برشلونة البرج، الذي يبلغ 136 مترًا، بأنه يتبنى تعبيرًا نحتيًا. فالكتلة البيضاء المائلة، والانحناءة الكبيرة، والحلقة القريبة من الجزء العلوي تجعل المنشأة مقروءة من مسافة بعيدة كهيئة واحدة، لا كتجميع منفصل من الصواري والدعامات.

مع ذلك، لا تحتاج إلى الاختيار بين تفسيره كعمارة وتفسيره كبنية تحتية. الشكل لم يُضف بعد اكتمال آلة محايدة؛ إنه الطريقة التي صيغت بها الآلة نفسها. يظل الارتفاع ضروريًا للإشارة، وتظل المنصة والدعامة والعمود أجزاء تؤدي عملًا إنشائيًا، لكن ترتيبها منح البرج حضوره المعروف.

ADVERTISEMENT

من هنا جاء الالتباس الشائع. يلتقي الزائر بالبرج أولًا كعلامة في الأفق، ثم يتعرف إلى وظيفته لاحقًا. قدرته على جذب النظر لا تلغي المهمة التي أنشئ من أجلها، مثلما أن فائدته التقنية لا تمحو صفاته المعمارية.

الارتفاع والموقع جزءان من الوظيفة

يبلغ البرج 136 مترًا، لكن هذا الرقم لا يصف الطموح البصري وحده. تحتاج منشأة البث إلى رفع معداتها فوق كثير من العوائق المحيطة، وإلى هيكل ثابت يستطيع حملها. كما أن وجود البرج على تل مونتجويك يضيف ارتفاع الموقع الطبيعي إلى ارتفاع المنشأة نفسها، وهو ما ينسجم مع حاجتها إلى مسارات إرسال مكشوفة.

يمكنك لذلك قراءة البرج من أسفل إلى أعلى باعتباره حلًا هندسيًا. القاعدة تنقل الأحمال إلى الأرض، والدعامة المنحنية تسهم في تثبيت الجسم المائل، والمنصة الحلقية توفر موضعًا بارزًا ضمن البنية، ثم يرتفع الطرف العلوي ليمنح معدات الاتصال المجال المطلوب. المظهر الرشيق يخفي كتلة من المتطلبات المتعلقة بالثبات والحمل والارتفاع.

ADVERTISEMENT

هذا ما يجعله مختلفًا عن نصب صُمم للمشاهدة وحدها. إزالة معدات الاتصالات من المعادلة ستجرد ارتفاعه وموقعه ومنصته من السبب التقني الذي جمعها. أما وظيفته الأصلية فتربط هذه الأجزاء بعملية واحدة: إيصال إشارات البث من برشلونة إلى بقية شبكة التغطية.

كيف تقرأه عندما تزور مونتجويك؟

عندما تقف قربه، انظر إلى العناصر التي تخدم الإشارة قبل التركيز على صورته الظلية. راقب الارتفاع، وموضع المنصة، وعلاقة البرج بالتل والمنشآت الأولمبية المحيطة. هذا يحول قراءتك له من مشاهدة شكل منفرد إلى فهم قطعة ضمن شبكة أوسع تضم مواقع التصوير ومراكز الاتصالات ومسارات نقل البث.

ويمكنك تطبيق الفكرة نفسها على الأبراج البارزة في مدن أخرى: حدد الخدمة التي يحملها البرج، ثم لاحظ كيف استجاب التصميم لمتطلباتها. في مونتجويك، يقودك هذا مباشرة إلى أصل المنشأة؛ فقد صمم سانتياغو كالاترافا برجًا بارتفاع 136 مترًا لصالح Telefónica، وكانت مهمته المعلنة دعم بث دورة الألعاب الأولمبية الصيفية لعام 1992 من المنطقة الأولمبية في برشلونة.

ADVERTISEMENT

بقي البرج معروفًا باسم Torre Telefónica وباسم برج اتصالات مونتجويك، وتصفه الجهة السياحية الرسمية للمدينة حتى اليوم بأنه برج للبث الإذاعي والتلفزيوني. أما شكله النحتي الشهير فهو الهيئة المعمارية التي اتخذتها تلك البنية التقنية فوق تل مونتجويك.

كوزيما

كوزيما

ADVERTISEMENT