
ليس الأخضر هو القاعدة هنا: فقد تكون المانجو ناضجة مع أن مظهرها لا يزال أخضر في معظمه، كما أن رائحة العنق، والطراوة الخفيفة، والتبدلات الصغيرة في الحمرة أو ملمس القشرة، تدلّك أكثر مما يدلّك عليه اللون.
وهذا ليس مجرد كلام متداول في الأسواق. إذ يشير
ليس الأخضر هو القاعدة هنا: فقد تكون المانجو ناضجة مع أن مظهرها لا يزال أخضر في معظمه، كما أن رائحة العنق، والطراوة الخفيفة، والتبدلات الصغيرة في الحمرة أو ملمس القشرة، تدلّك أكثر مما يدلّك عليه اللون.
وهذا ليس مجرد كلام متداول في الأسواق. إذ يشير
مركز أبحاث وإرشاد ما بعد الحصاد في UC Davis إلى أن تغيّر لون قشرة المانجو يختلف باختلاف الصنف، وأن القشرة الحمراء ليست علامة موثوقة على النضج. ويقول National Mango Board الأمر نفسه بعبارات مباشرة عن ثمرة قد تشتريها فعلًا: فقد تبقى مانجو Keitt خضراء حتى عندما تكون ناضجة تمامًا.
حين تقف أمام صندوق المانجو، لا تبحث عن أكثرها اصفرارًا ثم تكتفي بذلك. ابحث بدلًا من ذلك عن التفاوت. فإذا كانت عدة ثمار من الصنف نفسه، فقد ترى واحدة ذات مسحة أدفأ، وأخرى بخضرة أكثر خفوتًا، وثالثة فيها حمرة بنية خفيفة، وأخرى تبدو قشرتها أشدّ شدًّا وصلابة.
وهذا التفاوت مهم، لأن النضج نادرًا ما يظهر على هيئة تغيّر لوني كبير دفعة واحدة. بل غالبًا ما يتسلل في صورة تبدلات صغيرة. وقد توحي لمحة من الحمرة بأن المانجو تمضي في طريق النضج، لكنها لا تثبت شيئًا بمفردها، لأن بعض الأصناف تميل إلى الاحمرار أكثر من غيرها، وبعضها يظل أخضر تقريبًا طوال الوقت.
والآن افعل ما يتجاهله معظم المتسوقين: قرّب طرف العنق من أنفك. فالمانجو التي بدأت تنضج غالبًا ما تفوح منها هناك رائحة أكثر حلاوة وامتلاء، أحيانًا قبل أن يتغير لون القشرة كثيرًا أصلًا. وينجح هذا لأن الثمرة تتغير من الداخل أولًا؛ فقد تظهر الرائحة قبل أن يلحق بها اللون.
بعد ذلك، اضغط برفق بأصابعك، لا بعصر قوي يترك كدمة في الثمرة لمن يأتي بعدك. ينبغي للمانجو الناضجة أو القريبة من النضج أن تستجيب قليلًا للضغط، مثل الأفوكادو الذي تفصله يوم أو يومان عن الجاهزية، لا أن تكون قاسية كالحجر. فإذا كانت صلبة جدًا ولا تكاد تفوح منها أي رائحة، فالأرجح أنها لم تصبح جاهزة بعد.
وراقب القشرة أيضًا. فالقشرة الملساء السليمة مع قدر يسير من الطراوة أمر طبيعي. أما التجعد فقد يعني أن الثمرة تفقد رطوبتها أو أنها بقيت مدة أطول من اللازم، وقد تعني البقع الداكنة المتضررة وجود كدمات لا نضجًا جيدًا.
هل سبق أن تجاوزت مانجو خضراء لأنك افترضت ببساطة أنها غير جاهزة؟ تلك هي الخدعة التي يمارسها عليك قسم الخضار والفاكهة. فعيناك تتخذان القرار الأول، لكن المانجو كثيرًا ما تخفي الإجابة الحقيقية في الرائحة والملمس.
تخيل مانجوتين خضراوين بالقدر نفسه في يديك. إحداهما تفوح منها رائحة حلوة خفيفة قرب العنق وتلين قليلًا حين تضغط عليها. والأخرى بلا رائحة تُذكر، وصلبة من كل الجهات، وتبدو قشرتها مسطحة مشدودة. قد يتطابق لونهما، لكنهما ليستا في المرحلة نفسها.
وهنا تنقلب الفكرة كلها: توقّف عن سؤال «هل اصفرّ لونها بعد؟» وابدأ بسؤال «هل بدأت تنضج بعد؟». السؤال الأول يلاحق المظهر. أما الثاني فيفحص علامات يمكنك الاعتماد عليها في كل مرة تتسوق فيها.
لكن انتبه، فهنا يقع الناس في الخطأ. فبعض ثمار المانجو الخضراء تكون فعلًا غير ناضجة. قد تكون ثمرة Keitt الخضراء جاهزة؛ لكن مانجو خضراء أخرى من دفعة مختلفة، إذا كانت قاسية ولا رائحة لها، فقد تحتاج إلى عدة أيام إضافية.
ولهذا لا ينبغي أن تتسلط علامة واحدة على سائر العلامات. فقد تلين المانجو بشكل غير متساوٍ. وقد تكون أيضًا مصابة بكدمة، فتظهر فيها مواضع رخوة لا علاقة لها بالنضج الجيد المتجانس. فإذا كان أحد الجانبين مهريًا بينما بقيت بقية الثمرة قاسية، فهذا ليس مثل طراوة خفيفة متوازنة في كامل الثمرة.
أجرِ فحصًا سريعًا لنفسك قبل الشراء. اشمّ قرب العنق أولًا. ثم قارن ذلك بملمس الثمرة كلها وحالة القشرة. فإذا اتفقت هذه العلامات، كنت على أرض أكثر أمانًا بكثير مما لو اعتمدت على اللون وحده.
إليك الترتيب العملي الذي سأتبعه عند البائع، من دون تعقيد. أولًا، لا تعدّ القشرة الخضراء سببًا كافيًا للرفض. ثانيًا، اشمّ طرف العنق بحثًا عن رائحة حلوة. ثالثًا، اضغط برفق لتتحسس قليلًا من الطراوة في الثمرة كلها، لا في موضع كدمة واحدة. رابعًا، تجنّب الثمار كثيرة التجعد أو المتضررة. خامسًا، إذا بدا لك أن ثمرتين متقاربتان في كل شيء، فاختر صاحبة الرائحة الأفضل عند العنق، لا صاحبة اللون الأجمل.
من بين أكثر الثدييات الصغيرة القابلة للتعرف على وجه الأرض، يمكن للباندا الحمراء أن تختفي بصمت. تعيش هذه الكائنات في غابات جبلية معتدلة مع الخيزران عبر الهيمالايا الشرقية وجنوب غرب الصين، وهي مدرجة ضمن الأنواع المهددة بالانقراض في القائمة الحمراء للاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة، واتجاه تعدادها يتناقص.
يُدهش الناس لهذا
الأمر لأن الحيوان يبدو مألوفًا لحظة رؤيته. لكن الألفة ليست حماية. تقدير الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة من عام 2015، الذي لا يزال يُستشهد به على نطاق واسع، قدر وجود أقل من 10,000 باندا حمراء ناضجة في البرية، وحتى ذلك العدد يأتي بحذر لأن هذه الفصيلة متوارية من الصعب إحصاؤها بدقة عبر الغابات الجبلية الشديدة.
لقد شاهدت الأطفال يسارعون عبر حدائق الحيوانات، يبحثون عن الحيوانات الصاخبة أولًا. ثم يتوقف أحدهم أخيرًا ويشير إلى الأعلى ويدرك وجود الباندا الحمراء وهي تقوم بما تتقنه غالبًا: البقاء دون حركة تقريبًا، متمركزة في غصن يحتاج للصبر لمشاهدته.
تلك اللحظة مهمة لأنها تعطي الدرس الخاطئ إذا لم نكن حذرين. الباندا الحمراء سهلة المحبة بمجرد ملاحظتها، لكن في البرية تعتمد على ظروف الغابات الجبلية الخاصة التي يمكن عن طريقها الإضرار بسهولة أكثر من الحيوان نفسه الذي تتذكره.
تصف WWF الفصيلة بأنها تعيش في غابات معتدلة مع نبات الخيزران، بشكل عام في الهيمالايا الشرقية وأجزاء من جنوب غرب الصين. تحتاج تلك الغابات إلى أكثر من الخيزران وحده. تعتمد الباندا الحمراء أيضًا على استمرارية المظلة، أماكن التعشيش، والأشجار القديمة حيث يمكنها الراحة والحماية وتربية الصغار.
ببساطة، الحيوان لا يُنسى، لكن موطنه هش. عندما تُقطع الغابات، أو تُجزأ بالطرق، أو تُزعج بالتطوير العمراني، تفقد الباندا الحمراء ليس فقط المساحة، بل تفقد الاستمرارية بين الفروع التي تمكنها من العيش مثل الباندا الحمراء.
إذا سبق لك أن تثبت نفسك ضد شجرة لتنظر إلى الأعلى، تعرف الرحيل الخفيف للقشرة الخشنة، وهو تذكرة صغيرة بأن الغابة مبنية من هيكل: جذوع، تشعبات، تجاويف، أماكن التعشيش، وستار تحتها.
بالنسبة للباندا الحمراء، الهيكل يعني البقاء. يوفر الخيزران معظم الغذاء، لكن الغابة المحيطة توفر الأمان، مسارات التحرك، وأشجار التعشيش. إذا أزيل ما يكفي من هذا الهيكل، قد يبدو الغابة خضراء بينما تصبح أقل نفعًا.
إذا اختفى هذا الباندا الأحمر غدًا، هل يمكنك وصف وجهه من الذاكرة؟
يتذكر معظم الناس شعور رؤية الباندا الحمراء أكثر من الظروف التي تسمح لها بالبقاء. هذا هو الفخ. القابلية للتعرف لا تحمي الفصيلة؛ بل الموطن السليم هو الذي يحميها.
يسمي تقييم الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة فقدان الموطن والتجزئة كضغوط كبيرة. تُجزأ الغابات، وتقلص، وتُعزل. يمكن للتجمع الذي كان لديه حركة بين الرقع أن يُحبس في مناطق أصغر، مما يجعل التكاثر أصعب، والانتشار أكثر خطورة، والخسائر المحلية أكثر خطورة.
ضغط آخر هو فقدان الأشجار القديمة ومواقع التعشيش. لا تحتاج الباندا الحمراء فقط إلى الخيزران في مكان قريب؛ بل تحتاج إلى غابة ذات طابع فيزيائي مناسب. الاضطرابات البشرية تهم أيضًا، خاصة حيث تعمق الطرق وتربية المواشي وجمع الحطب أو توسيع المستوطنات في موائل الجبال.
هناك أيضًا قتل مباشر. الصيد الجائر والوقوع العرضي في الفخاخ يبقيان جزءًا من المشكلة في بعض المناطق، حتى لو كان التغير في الموائل هو القصة الأكبر. يقول العاملون في الحفظ في الدول المعنية منذ سنوات إنه لا يمكن فصل حماية الفصيلة عن حماية الغابات هنا.
تدعم البحوث الميدانية الحديثة ذلك. في دراسة عام 2020 نشرت في Science Advances بواسطة وي وسوايسجود وهو وزو وآخرين، اقترحوا أن ما كان يعتبر لفترة طويلة باندا حمراء واحدة يتضمن في الحقيقة نسبين مختلفين على مستوى الفصائل، وهذا الأمر مهم لأن التجمعات الصغيرة والمفصولة قد تكون أكثر عرضة مما تصور الناس. دراسة أخرى عام 2021 حول مصائد الكاميرا والموائل في شرق نيبال نشرت في Global Ecology and Conservation وجدت أن وجود الباندا الحمراء مرتبط بشكل وثيق بتغطية الخيزران، وتغطية الأشجار، وقلة الاضطرابات، مما يشير مرة أخرى إلى جودة الموائل بدلاً من الحب العام كعامل محدد.
ليست كل التجمعات المحلية تنهار بالسرعة ذاتها، وبعض دراسات الموائل تظهر أنماطًا إقليمية مختلطة، لكن التجزئة وفقدان الموائل لا تزال تهديدات مستمرة في جميع أنحاء نطاق الفصيلة. هذا الغموض يستحق أن يقال بصوت عالٍ لأن الأعداد الدقيقة يصعب تتبعها عندما يكون الحيوان خجولًا، موزعًا بشكل متقطع، ونشطًا في التضاريس الصعبة.
من المريح أن نعتقد أن الحيوان المحبوب هو حيوان أكثر أمانًا. تساعد حدائق الحيوانات الناس على الاهتمام، ويهم الحب العام. لن أقلل أبدًا من قوة الطفل الذي يتوقف، ينظر إلى الأعلى، ويرى واحدًا بالفعل.
لكن الانتباه لا يساعد إلا عندما يتحول إلى شيء ملموس على الأرض. بالنسبة للباندا الحمراء، يعني ذلك حماية وإعادة وصل الغابات، والحفاظ على موائل غنية بالخيزران من أن تُقطع إلى قطع أصغر، ودعم العمل المحلي في مجال الحفظ في المناطق المعنية، وإنفاذ القواعد ضد الفخاخ والتجارة غير القانونية.
هذا هو الجزء الذي يكشفه العديد من الأنواع الساحرة إذا بقيت معهم لفترة كافية: لا يتم إنقاذهم لأنهم رائعون. ينقذون عندما يتم الحفاظ على الأماكن التي يعتمدون عليها بشكل كامل بما فيه الكفاية لدعم الحياة.
بمجرد أن تعرف ذلك، تشعر الباندا الحمراء بشكل مختلف قليلاً. ليست أقل حبًا، لكنها أكثر واقعية. لم يعد "المهدد بالانقراض" مجرد تصنيف مجرد مرتبط بوجه مألوف؛ بل علامة على أن حيوانًا يمكن التعرف عليه على نطاق واسع يمكن أن يضيع بصمت عندما تتمزق غابته.
لذلك، فإن الشيء المفيد الذي يجب حمله هو بسيط: عندما تلاحظ الباندا الحمراء، لاحظ الغابة معها. الانتباه قد يبدو صغيرًا، لكنه هو المكان الذي يبدأ فيه الحماية، وهو كيف يبقى حيوان خجول على غصن جزءًا من العالم الحي بدلاً من مجرد ذكرى كان الناس واثقين من أنها ستبقى.
أوفيديوفوبيا Ophidiophobia هو الاسم العلمي لرهاب الثعابين. إنّ أسوأ كابوسٍ لأيِّ شخصٍ يعاني من هذه الحالة هو أن يجد نفسه فجأةً يسقط في جزيرةٍ للثعابين. من الطبيعي أن نخاف من هذه المخلوقات المنزلقة والزاحفة والسامّة في بعض الأحيان والتي تقتل الآلاف من الأشخاص حول العالم كلَّ عامٍ؛ حتى بدون إصابتنا
برهابٍ كاملٍ. لكنْ هناك جزيرةٌ صغيرةٌ تبلغ مساحتها 430 ألف متر مربع أو 106 فدان فقط، تتميَّز بأنها مكتظّةٌ بالثعابين لدرجةٍ تكفي لأن تثير رهاب الثعابين لدى أيِّ شخصٍ. واليوم سنتحدث عن هذه الجزيرة واسمها إليا دا كيمادا غرانجي Ilha da Queimada Grande، وتُعرَف أيضاً باسم جزيرة الثعابين في البرازيل.
جزيرة الثعابين هذه هي ببساطةٍ مليئةٌ بالثعابين، وهذه الأخيرة ليست مجرَّد أفاعٍ عاصرةٍ صغيرةٍ. فهذه الجزيرة يقطنها ابنُ عمٍّ سامٌّ للثعبان فير دي لانس Fer-de-lance، وهو أخطر ثعبانٍ مميتٍ في الأمريكتَين. دعنا نتعرَّف الآن على القصة الحقيقية للجزيرة بينما نستكشف تاريخها ونبدِّد الأساطير المحيطة بهذا المكان المروِّع.
إليا دا كيمادا غرانجي، المعروفة أيضاً باسم جزيرة الثعابين، هي جزيرةٌ صغيرةٌ تقع قبالة ساحل الجزء الجنوبي الشرقي من البرازيل. تُعتبَر أرضها جزءاً من ولاية ساو باولو، ومن الجدير بالذكر بشأنها أنها تحتوي على عدّة أنواعٍ مختلفةٍ من التضاريس فيها، بما في ذلك وجود جزءٍ صغيرٍ من الغابات المطيرة.
تقع جزيرة الثعابين في البرازيل على بعد حوالي 20 ميلاً من ساحل البرِّ الرئيسي، وهي مسافةٌ كافيةٌ لمنع الثعابين من الوصول إلى قارة أمريكا الجنوبية. ونظراً لكون تلك الثعابين ذات سمومٍ قويّةٍ للغاية، فإنّ تلك الحقيقة تبعث على الارتياح لكثيرٍ من الناس.
اسم الجزيرة لا يُترجَم حرفياً إلى (جزيرة الثعابين). وبدلاً من ذلك، فإنه يشير إلى محاولة إزالة الغابات عن طريق حرق نباتات الجزيرة. إذْ تمَّ إشعال حريقٍ هائلٍ في الغابات ليشرع في إخلاء المنطقة من أجل زراعة الموز في الجزيرة في أوائل القرن العشرين. وبطبيعة الحال، فشل ذلك عندما أدرك السكان المحليون عدد القتلى الكبير الذي سيحدث بين القاطنين الذين يعيشون مُسبَقاً على الجزيرة.
من المثير للاهتمام أنّ الجزيرة كانت موقعاً لمنارةٍ تؤوي حرّاساً لها، لكنّ هذه المنارة تعمل الآن بشكلٍ أوتوماتيكي مع إجراء إصلاحاتٍ سنويةٍ لها من قبل البحرية البرازيلية.
ليس من الصعب سماع عدّة أساطيرَ حول ما حدث لآخر حرّاس المنارة. إذْ يزعم البعض أنّ الثعابين في الجزيرة شنَّت هجوماً موحَّداً عليهم، حيث تسلَّلت إلى غرفة نومهم من خلال النوافذ، وعضَّت أفراد عائلتهم أثناء فرارهم دون جدوى، وهكذا ماتوا في الغابة. ولكنْ من الأرجح أن تكون هذه الرواية غير صحيحةٍ.
تُعَّد إليا دا كاميدا غرانجي موطناً للأفعى المسمّاة بوثرابس إنسولاريس Bothrups insularis، والتي تُعرَف أيضاً باسم الأفعى ذات رأس الحربة الذهبية. هذه الأفعى هي أحَّد أقارب الثعبان الأكثر فتكاً على البرّ الرئيسي، وهو فير دي لانس. ومن الجدير بالذكر أنّ هذه الأفعى موجودةٌ فقط في جزيرة الثعابين، فلا يوجد مكانٌ آخر على وجه الأرض يمكن أن تجد فيه هذا الحيوان.
النظرية السائدة لتفسير الحقيقة السابقة هي أنّ هذا النوع الحيواني أصبح مُحاصَراً في الجزيرة بعد انتهاء العصر الجليدي الأخير منذ أكثر من 11000 عام. حيث أدّى ارتفاع مياه البحر إلى غمر قسم اليابسة الذي يربط جزيرة الثعابين بالبرّ الرئيسي.
الأفعى ذات رأس الحربة الذهبية مميَّزةٌ جداً. فلونها أصفرٌ فاتحٌ وبنيٌّ فاتحٌ، خاصةً على جانبها السفلي. كما أنّ هذه الأفعى تشترك في نفس شكل الرأس الفريد الذي نجده في ثعبان فير دي لانس، وهو رأسٌ طويلٌ ذو نقطةٍ عند الأنف تشبه نصل الرمح.
هذه الأفعى خطيرةٌ للغاية، ولكنْ دعونا نحلِّل حقيقة هذا الحيوان من خلال الأسطورة الاستثنائية الباهرة التي تحيط به.
تُعَّد الأفعى ذات رأس الحربة الذهبية واحدةً من أكثر الثعابين سُمِّيَّةً في أمريكا الجنوبية. يُعتقَد أنّ معدَّل الوفيات للأشخاص الذين يحصلون على ترياق سمِّها يصل إلى 3٪. ويزداد هذا العدد بشكلٍ كبيرٍ إذا لم تحصل على أيّ علاج، حيث يصل معدَّل الوفيات إلى 7%. وحتى لو بقي الشخص على قيد الحياة، فسوف يعاني من أضرارٍ جسيمةٍ في جسمه.
سُمُّ الأفعى ذات رأس الحربة الذهبية سامٌّ للدم. وهذا يعني أنه يهاجم كريات الدم الحمراء، ويمكن أن يسبِّب جميع الأنواع المختلفة للمشاكل الجسدية. إذا عضَّتك الأفعى ذات رأس الحربة الذهبية، فسوف تعاني من ألمٍ ونزيفٍ داخلي ونخرٍ في الأنسجة العضلية، ومن نزيفٍ مُحتَملٍ في الدماغ، بالإضافة إلى أعراضٍ أخرى.
ومع ذلك، ونظراً لأنّ الحكومة البرازيلية تمنع الناس من زيارة الجزيرة، فلا توجد وفياتٌ بسبب لدغات هذه الأفعى في السجلات الحديثة. هذا الثعبان ليس من بين أكثر الثعابين سُمِّيَّةً في العالم بأيِّ حالٍ من الأحوال، ولكنه مميتٌ بما يكفي لقتل البشر بسهولةٍ.
إذا تسلَّل شخصٌ ما إلى الجزيرة وتعرَّض للعضِّ، فمن الأرجح أنه سيواجه صعوباتٍ صحّيّةً خطيرةً. ففي نهاية المطاف، سيكون هذا الشخص على بعد حوالي 90 ميلاً من أقرب عبوةٍ دوائيةٍ تحوي ترياق السُمّ.
مع قلّة عدد الأشخاص الذين تطأ أقدامهم الجزيرة، ومع سمعتها باعتبارها موطناً للثعابين القاتلة، قد تعتقد أنّ الأفاعي ذوات رؤوس الحربة الذهبية تحكم جزيرة الثعابين مثل ملوكٍ للزواحف. ولكنْ في الواقع، فإنّ بقاء هذا النوع النادر من الثعابين في المستقبل غير مؤكَّدٍ أبداً.
يُقدَّر عدد الأفاعي ذوات رؤوس الحربة الذهبية في جزيرة الثعابين بما يتراوح بين 2400 إلى 2900 ثعبانٍ فقط. وبالنظر إلى أنّ هذا هو المكان الوحيد على وجه الأرض الذي تعيش فيه هذه الثعابين، فهي من أنواع الثعابين المُهدَّدة بالانقراض.
في الماضي، أشارت التقديرات إلى أنّ ما يصل إلى 400 ألف ثعبانٍ أو أكثر يعيشون في الجزيرة. واعتقد الناس أنّ هناك ثعباناً واحداً لكلِّ مترٍ مربَّعٍ، لكنّ هذا ليس صحيحاً. ببساطةٍ شديدةٍ، لا توجد مواردُ غذائيةٌ كافيةٌ في الجزيرة لإعالة هذا العدد الكبير من القاطنين. في الواقع، من الأرجح أنه لم يكُنْ هناك أبداً مصدرٌ للغذاء قادرٌ على أن يكفي مثل هذا العدد الكبير من الثعابين في مثل هذه المنطقة الصغيرة.
وهناك تهديدٌ خطيرٌ آخرُ للأفعى ذات رأس الحربة الذهبية، وهو الصيد الجائر. فالبحث العلمي والسوق السوداء لتجارة الحيوانات المنزلية جعلت هذه الثعابين ذات قيمةٍ لا تُصدَّق. ونتيجةً لذلك، حاول المجرمون الاستيلاء على الثعابين النادرة وتهريبها مقابل دفع مبلغ يتراوح بين 10000 إلى 30000 دولار لكل عيّنةٍ.
بدلاً من الرقم المذكور سابقاً، من المُحتمَل أن يكون هناك ثعبانٌ واحدٌ لكلِّ 140 متراً مربعاً. لكنْ عندما تأخذ بعين الاعتبار المساحة الصغيرة في الجزيرة التي تكثر فيها الثعابين أكثر من غيرها، وذلك بالابتعاد عن النتوءات الصخرية، فسيبقى هناك عددٌ كبيرٌ جداً من الثعابين بحيث لا يرغب الشخص العادي في قضاء ولو قليلاً من الوقت على تلك الأراضي.
لا توجد حيواناتٌ في جزيرة الثعابين، فلا شكَّ أنّ الثعابين قضت عليها. تفترس الثعابين الطيور المهاجرة ذات القدر السيء التي تتوقَّف في الجزيرة للاستراحة. وتنتظر الثعابين في الأشجار حتى تهبط الطيور، وقد طوَّرت سُمّاً قويّاً وسريع المفعول لقتل الطيور قبل أن تطير بعيداً.
وممّا زاد الطين بلّةً بالنسبة للثعابين المعزولة، أنّ جهود إزالة الغابات في البرّ الرئيسي أدَّت إلى انخفاض عدد الطيور المهاجرة إلى الجزيرة. لذا هناك المزيد من المنافسة مع طعامٍ أقلّ بالنسبة للثعابين. ومن المُحتمَل أن ينخفض عدد القاطنين نتيجةً لذلك.
أغلقت الحكومة البرازيلية إمكانية الوصول إلى الجزيرة، وذلك من أجل حماية البشر والثعابين. فالبحرية البرازيلية تقيّد الوصول إلى الجزيرة، لكنها تقوم بزياراتٍ إلى المنارة لإجراء الإصلاحات اللازمة كلَّ عامٍ.
هناك عددٌ صغيرٌ جداً من الباحثين لديهم إذنٌ بالذهاب إلى الجزيرة. وعندما يذهبون إليها، من المفروض عليهم أن يحصلوا على موافقةٍ محدَّدةٍ بخصوص هذا الأمر، وعليهم أيضاً بعد ذلك أن تتمّ مرافقتهم من قبل أطباءَ معتمَدين.
بما أنّ الثعابين الموجودة في الجزيرة فريدةٌ من نوعها، فالقيود الحكومية قد لا تكون كافيةً لمنع بعض المجرمين من القدوم إلى المنطقة. ولكنْ من الممكن أن تكون التقارير عن "القراصنة الحيويين" الذين يزورون الجزيرة ويجلبون الثعابين للباحثين ولجامعي الأفاعي مُبالَغاً فيها أو حتى كاذبةً تماماً، نظراً للخطر الذي يتضمَّنه الذهاب إلى جزيرة الثعابين.
باختصارٍ يمكن القول إن إليا دا كيمادا غرانجي ليست مكاناً يرقى إلى مستوى الأساطير. ومع ذلك، فهو خطيرٌ للغاية ولا ينبغي أن يكون وجهةً لأيِّ شخصِ. لن يواجه الشخص تعقيداتٍ قانونيةً شديدةً بسبب الذهاب إلى الجزيرة دون إذنٍ فحسب، بل قد يفقد حياته أيضاً. لذلك من الأفضل أن تشاهد الأفعى ذات رأس الحربة الذهبية وتُعجَب بها، وأنت موجودٌ على مسافةٍ بعيدةٍ جداً عنها، كأن تفعل ذلك من خلال شاشة كمبيوتر.
ياسمين