لماذا تبقى المناظر الطبيعية الألبية بلا أشجار حتى عندما تكون المياه متاحة

ADVERTISEMENT
ADVERTISEMENT

يبدو هنا كما لو أن وجود الماء والأرض المفتوحة ينبغي أن يكون كافيًا. لكنه ليس كذلك. فوق هذا الخط، لا تفشل الأشجار عادة لأن الرطوبة مفقودة، بل لأن البرد والرياح وضحالة التربة وقِصر موسم النمو تجتمع كلها معًا.

ولهذا الخط اسم: الحدّ الشجري. وهو الحد الأعلى الذي تستطيع عنده الأشجار أن تنمو قائمةً وتواصل تعويض نفسها جيلاً بعد جيل. ويمكن للأعشاب والسعديات والزهور المنخفضة أن تستمر على ارتفاعات أعلى، لأنها لا تطلب من الجبل ما تطلبه الشجرة.

الخطأ الذي يقع فيه معظمنا أولًا

ADVERTISEMENT

قراءة مقترحة

أيسر تخمين هو أن الأشجار تتوقف حيث يصبح المكان جافًا أكثر من اللازم. لكن كثيرًا من المنحدرات العالية تكون رطبة بفعل ذوبان الثلوج وعواصف الصيف والماء الذي يتحرك عبر التربة. وقد تقف شجرة إلى جوار وفرة من الرطوبة ومع ذلك تخسر المعركة.

صورة بعدسة أليك نيوتن على Unsplash

وهذه هي الخلاصة الأساسية التي توصلت إليها أبحاث الحدّ الشجري الحديثة. فقد جمع كريستيان كورنر في مراجعة واسعة الاستشهاد نُشرت عام 2012 أدلةً عن الحدّ الشجري من جبال العالم كله، وخلص إلى أن دفء موسم النمو، ولا سيما في منطقة الجذور، هو الحارس الأهم عند البوابة، فيما تساعد الرياح والثلوج والتربة والانكشاف المحلي على تحديد الموضع الدقيق الذي يستقر عنده هذا الخط. وبصياغة أبسط: قد يكون الماء حاضرًا، لكن الأشجار لا تزال تحتاج إلى قدر كافٍ من الدفء ووقت كافٍ لبناء الخشب والجذور والبراعم.

ADVERTISEMENT

ما يبدو أن الجبل يقدمه مقابل ما تحتاجه الشجرة فعلًا

ما يبدو عليه الأمر

قد تجعل الأرض المفتوحة الرطبة المنحدر يبدو صالحًا للأشجار، خصوصًا حين يحافظ ذوبان الثلوج وعواصف الصيف على وجود الرطوبة.

ما يهم في الواقع

تحتاج الأشجار إلى دفء كافٍ خلال موسم النمو وإلى وقت كافٍ لبناء الخشب والجذور واللحاء والبراعم؛ أما النباتات المنخفضة فيمكنها البقاء بقدر أقل بكثير.

فكّر في الشجرة بوصفها بنيةً عالية ومكلفة. فهي مضطرة إلى تكوين جذع وفروع ولحاء وجذور وأنسجة حية تنجو من الشتاء وتبدأ من جديد في الربيع التالي. أما خصلة من العشب فبوسعها أن تبقى منخفضة، وتلتصق بالأرض، وتنمو من جديد بسرعة. الشجرة عليها فاتورة أكبر بكثير.

البرد هو أول الحراس عند البوابة

لا تقتصر أهمية الحرارة على مجرد أن الهواء يبدو باردًا. فالأشجار تحتاج إلى فترة طويلة بما يكفي من الطقس المعتدل كي تُجري البناء الضوئي، وتنقل السكريات، وتمدّ السوق، وتُقسي الأنسجة الجديدة قبل عودة الصقيع. قرب الحدّ الشجري، قد يأتي الصيف متأخرًا، ويتعثر مرارًا، وينتهي مبكرًا.

ADVERTISEMENT

ويضرب هذا الموسم القصير الشتلات في المقام الأول. فالشجرة الأكبر سنًا قد تواصل العيش على نحو متعثر سنواتٍ طويلة. أما الشتلة فعليها أن تمد جذورها، وتكوّن ساقًا سميكة بما يكفي للبقاء، وتخزن غذاءً للشتاء، وكل ذلك في وقت قصير جدًا. وإذا لم تأتِ أيام دافئة كافية، ظلت صغيرة ومكشوفة، ثم مات نموها أو تراجع.

وتجعل الرياح ذلك أصعب بطريقة مادية مباشرة. فهي تثني السوق، وتقذفها بالجليد، وتزيل الثلج عن بعض المواضع بينما تكدّسه عميقًا في مواضع أخرى، وتزيد فقدان الماء من الإبر. وقد يكون الجبل رطبًا ومع ذلك يتصرف كما لو كان مجففًا، لأن الهواء المتحرك يسحب الرطوبة من الأنسجة المكشوفة أسرع مما تستطيع الجذور أن تعوضه في التربة الباردة.

ثم تتراكم القيود سريعًا: تربة باردة، ورياح كاشطة، وتربة رقيقة، وموسم قصير. لذلك يبدو الحدّ الشجري خطًا، لكنه يتصرف أقرب إلى اختبار ترسب فيه معظم الأشجار.

ADVERTISEMENT

أهم العوامل التي توقف الأشجار قرب الحدّ الشجري

1

موسم معتدل قصير

تحصل الأشجار على وقت قليل جدًا لإجراء البناء الضوئي، وتمديد السوق، وتقسية الأنسجة الجديدة قبل عودة الصقيع.

2

الشتلات تتأخر أولًا

على الأشجار الفتية أن تُرسّخ جذورها وتزداد سماكة وتخزن الغذاء بسرعة؛ ومع قلة الأيام الدافئة تبقى مكشوفة ويتراجع نموها أو تموت.

3

الرياح تضيف ضغطًا جسديًا

يؤدي الهواء المتحرك إلى ثني السوق، وإزالة الثلوج على نحو غير متساوٍ، وزيادة فقدان الماء من الإبر حتى في الأماكن التي تتوافر فيها الرطوبة.

4

تجتمع عدة قيود معًا

تعمل برودة التربة والرياح الكاشطة ورقة التربة وقصر الموسم معًا، فتصيّر الحدّ الشجري اختبار نجاح أو رسوب بيولوجي.

إذا كان الماء في كل مكان، فلماذا لا يزال الجبل يقول: لا؟

لأن الجذور لا تنمو في المشهد، بل في التربة، وقد تظل هذه التربة باردة طوال معظم الصيف القصير. وقد أشار كورنر وغيره من باحثي الحدّ الشجري منذ زمن إلى أن حرارة منطقة الجذور جزء كبير من المشكلة: فحتى حين يبدو السطح أخضر ورطبًا، قد تبقى الأرض في الأسفل باردة أكثر مما يسمح للجذور بأن تعمل بالسرعة الكافية.

ADVERTISEMENT

ويمكنك أن تستشعر هذا المنطق في جسدك أنت أيضًا. فالجلد المبلل في رياح قوية يفقد دفأه سريعًا حتى يكاد يخدر. وتواجه الشتلة المكشوفة شيئًا مشابهًا: فالهواء المتحرك يسحب الحرارة والرطوبة من الإبر في الوقت نفسه، فتتعرض النبتة للبرد والجفاف معًا. الماء موجود، ومع ذلك لا تزال الشجرة عاجزة عن الإفادة من المكان على النحو الكافي.

ثم تأتي التربة حارسًا آخر. فقرب الحدّ الشجري تكون التربة غالبًا ضحلة أو صخرية أو غير مستقرة بسبب الرفع الصقيعي، وهو الرفع والتقليب البطيء الناجم عن دورات التجمد والذوبان. وتحتاج الشجرة إلى حيز يتيح لها تثبيت الجذور وجمع المغذيات عبر سنوات كثيرة. وقد تنبت أزهار على بضع بوصات من أرض متكسرة فوق الصخر بلا مشكلة، لكن ذلك لا يمنح الشجرة ما يكفي لتثبت عليه.

ADVERTISEMENT

ولهذا قد يظل منحدر ثلجي موحل بلا أشجار. فالأشجار لا تحتاج إلى الماء فقط. إنها تحتاج إلى تربة دافئة بما يكفي، وعميقة بما يكفي، ومستقرة بما يكفي كي تسمح للجذور والخشب بالتراكم عامًا بعد عام.

لماذا يسمح جبل بوجود الأشجار على ارتفاع أعلى من جبل آخر؟

ليس هناك رقم واحد للحدّ الشجري يصلح في كل مكان. فهو يتغير مع خط العرض، لأن المناطق الأبرد تبلغ حدود الأشجار عند ارتفاعات أدنى. ويتغير أيضًا بحسب اتجاه المنحدر: ففي نصف الكرة الشمالي، يتلقى المنحدر المواجه للجنوب عادة قدرًا أكبر من الشمس مقارنة بالمنحدر المواجه للشمال، غير أن التعرض المحلي للرياح قد يقلب هذا النمط بسرعة.

والأنواع مهمة كذلك. فبعض الصنوبريات أقدر على تحمل البرد والرياح من غيرها. كما أن الغطاء الثلجي مهم في اتجاهين: فقد يحمي الغطاء الثلجي الشتوي النباتات الصغيرة من البرد القاسي، لكن تراكم الثلوج العميق الذي يستمر حتى الصيف قد يمحو أسابيع من موسم النمو.

ADVERTISEMENT

لماذا يقع الحدّ الشجري أعلى على بعض الجبال منه على غيرها

العاملكيف يغير الحدّ الشجريمثال على الأثر
خط العرضتبلغ المناطق الأبرد حدود الأشجار عند ارتفاعات أدنىقد يفقد الجبل من النوع نفسه أشجاره على نحو أبكر كلما ابتعد عن خط الاستواء
اتجاه المنحدريغيّر التعرض للشمس مقدار الدفء الذي يتلقاه المنحدرفي نصف الكرة الشمالي، تدعم المنحدرات المواجهة للجنوب الأشجار غالبًا على ارتفاعات أعلى
التعرض للرياحقد تزيد الرياح المحلية من الجفاف وضغط البردقد يبقى الحدّ الشجري أخفض على منحدر عاصف حتى لو نال قدرًا جيدًا من الشمس
الأنواعبعض الصنوبريات أقدر على تحمل البرد والرياح من غيرهاقد تتوقف أنواع مختلفة من الأشجار عند ارتفاعات مختلفة على الجبل نفسه
الغطاء الثلجيقد يحمي الثلج النباتات أو يقصر موسم النمويوفر غطاء الشتاء حماية، لكن الثلج الذي يطول بقاؤه قد يمحو أسابيع من الصيف
ADVERTISEMENT

وهناك طريقة ميدانية بسيطة للتحقق. ابحث عن ثلاث علامات معًا: أشجار متقزمة أو مشوهة بفعل الريح، وصخر مكشوف، ونباتات منخفضة شكّلتها رياح ثابتة. وإذا ظهرت هذه العلامات حيث لا تزال الرطوبة موجودة، فالغالب أنك ترى مشكلة انكشاف وقِصر موسم أكثر من كونها مشكلة ماء.

وغالبًا ما يشير علماء البيئة إلى الفكرة نفسها حين يتحدثون عن استقرار الأشجار. فقد تصل بذرة. وقد تنبت شتلة فعلًا. لكن الجزء الأصعب هو أن تنجو عبر عدد كافٍ من فصول الصيف والشتاء المتعاقبة حتى تصبح أكثر خشبية وأطول قامة وأقل هشاشة. وهذا يتطلب أيامًا دافئة أكثر مما توفره الأرض الألبية في كثير من الأحيان.

لماذا لا يجعل الطقس الأدفأ هذا الخط يقفز صعودًا بين ليلة وضحاها؟

من المغري أن نظن أن الحدّ الشجري سيتحرك ببساطة صعودًا مع ارتفاع درجات الحرارة. وقد تحرك فعلًا في بعض الأماكن. لكن مراجعات التغير في الحدّ الشجري وجدت أن الاستجابة غير متساوية وغالبًا ما تكون بطيئة.

ADVERTISEMENT

غير متساوية وغالبًا بطيئة

حتى عندما ترتفع درجات الحرارة، قد لا يتحرك الحدّ الشجري بسرعة لأن الشتلات لا تزال بحاجة إلى مأوى، وتربة صالحة، وتتابعٍ من المواسم الجيدة.

وسبب ذلك واضح بما يكفي على الأرض. فالشتلات لا تزال تحتاج إلى أماكن آمنة بعيدة عن الرياح، وإلى تربة قابلة للعمل، وإلى عدد كافٍ من المواسم المتعاقبة كي تترسخ. كما أن الرعي والانهيارات الجليدية وأنماط الثلوج والصخر العاري قد تظل كلها ممسكة بالخط في مكانه حتى حين ترتفع درجات الحرارة المتوسطة تدريجيًا.

إذًا فالحدّ الشجري ليس طلاءً على منحدر. إنه النتيجة المرئية لعدة عوامل تصفية قاسية تعمل معًا في آن واحد، بحيث يضع الدفء الحدّ العام، بينما تقرر الظروف المحلية التفاصيل الدقيقة.

وحين تتوقف الأشجار، فالسؤال المفيد ليس: «أين الماء؟» بل: «هل يوجد ما يكفي من الدفء والمأوى والتربة والموسم لكي تصبح الشجرة شجرة حقًا؟»