تلك القبعات البرتقالية ليست كائنات منفصلة بالمعنى المعتاد. فما تراه هو الجزء الإثماري من الفطر، لا الفطر كله في ذاته. أما الجسم الأكبر فمخفي داخل الخشب، لا جالس على اللحاء.
قد يبدو ذلك في البداية وكأنه خدعة، لكنه في الحقيقة مجرد تشريح أساسي للفطريات. فالجزء الذي نسميه على نحو عابر «عيش الغراب» أو «المشروم» يكون في كثير من الأحيان بنية تكاثرية صُممت لإطلاق الأبواغ. أما الجسم الرئيسي العامل فيُسمّى الغزل الفطري: شبكة من خيوط دقيقة تمتد داخل مصدر الغذاء، وهو هنا الخشب.
قراءة مقترحة
يقول متحف جامعة كاليفورنيا لعلم الأحافير الأمر بوضوح: الفطر الظاهر هو الجسم الإثماري، بينما يتمثل الجسم الرئيسي لدى كثير من الفطريات في كتلة من الخلايا الخيطية تُسمّى الغزل الفطري. وتُجري Encyclopaedia Britannica التمييز نفسه، إذ تصف الغزل الفطري بأنه الجزء الخضري من الفطر، وتصف الفطر الظاهر بأنه البنية الحاملة للأبواغ التي تنمو منه. لذا فالقبعات التي تعلو اللحاء حقيقية بالطبع، لكنها ليست الكائن كله.
وثمة طريقة جيدة لتصوّر ذلك، وهي التفاحة على الشجرة. فالتفاحة مهمة، لكنها ليست الشجرة. وبالطريقة نفسها تقريبًا، فإن تلك القبعات المتجمعة هي البنى التي تُنتج الأبواغ، بينما ينتشر الفطر نفسه داخل الخشب في صورة غزل فطري.
أما الجسم الخفي فهو أيضًا الذي يقوم فعلًا بعملية التغذي داخل الجذع.
تُطلق الفطريات المحللة للخشب إنزيمات إلى داخل الخشب، بدلًا من أن تتغذى من السطح وحده.
تُفكك هذه الإنزيمات المادة القاسية داخل الجذع أو السجل الخشبي أو الجذع المتبقي.
بعد التفكك، يمتص الفطر ما يمكنه استخدامه، ولهذا قد لا تظهر القبعات إلا بعد أن يكون العمل الداخلي قد استمر بالفعل مدة من الزمن.
قبعة في الأعلى، وشبكة في الأسفل. ظاهر وخفي. ثمرة وجسم. ما يبدو متعددًا، قد يكون متصلًا واحدًا.
هل ستحسب هذه الكتلة كلها فطرًا واحدًا أم عدة فطريات؟
هذا التوقف مهم. فنحن معتادون على عدّ ما يبرز إلى الهواء. فإذا كانت هناك عشر قبعات وعشرة سيقان، قالت أعيننا إنها عشرة أشياء منفصلة. لكن علم الأحياء أقل ترتيبًا من ذلك.
قد تبدو عدة قبعات ذات سيقان منفصلة وكأنها عدة كائنات مستقلة قائمة على اللحاء.
قد تكون تلك القبعات تثمر من شبكة واحدة متصلة من الغزل الفطري داخل الخشب، بحيث تكون الكتلة الظاهرة جزءًا من جسم فطري أكبر واحد.
والآن تمهّل وتخيّل أن اللحاء يرتفع قليلًا تحت أصابعك. تحت ذلك قد يبدو الخشب رطبًا وإسفنجيًا بدلًا من أن يكون صلبًا متماسكًا. وهذه الليونة علامة على أن الفطر لا يستقر على السطح كأنه زينة؛ بل إن جسمه الخفي ينسج خيوطه داخل الجذع ويهضمه من الداخل.
ولهذا قد تظهر الكتلة في بقعة ضيقة، بدلًا من أن تكون قبعات منفردة متناثرة عشوائيًا. فالغزل الفطري يكون قد شغل مصدرًا غذائيًا تحت السطح، وتخرج الأجسام الإثمارية حيث تلائمها الظروف. وما يبدو على السطح كأنه حشد صغير، قد يكون في الداخل كائنًا واحدًا يتغذى وينمو.
هي تبدو منفصلة فعلًا، وأحيانًا يكون هذا الانفصال الظاهر كافيًا في الحديث اليومي. فإذا التقطت قبعة واحدة، فأنت تمسك جسمًا إثماريًا واحدًا. لكن الجسم الإثماري والفرد الحي ليسا دائمًا الشيء نفسه.
وهذه هي النقطة التي تربك الناس. فالفطريات لا تنطبق عليها دائمًا قواعد العدّ البسيطة التي نستخدمها مع الصخور أو التفاح أو الطيور. فقد تكون عدة فطريات تراكيب منفصلة أنتجها غزل فطري واحد في قطعة واحدة من الخشب، بينما قد ينتمي فطر آخر على بُعد بضع بوصات إلى غزل فطري مختلف تمامًا.
وهذا الحدّ الصريح مهم. فهذا التفسير ينطبق على الحالة الشائعة للفطريات المتجمعة المحللة للخشب التي تنمو من الجذع نفسه أو الساق الخشبية نفسها أو الشجرة نفسها. لكنه لا يعني أن كل فطر ينمو قرب فطر آخر هو تلقائيًا جزء من فرد واحد بعينه.
ابدأ بالخشب. فإذا كان ميتًا أو متحللًا أو طريًا تحت اللحاء المنفصل، فهناك على الأرجح يعيش الجسم الفطري الرئيسي ويتغذى. أما الكتلة على السطح فهي الحدث المرئي، لا الكائن كله.
أهمية الركيزة أكبر من أهمية القبعات الظاهرة، لأن الجسم الفطري الرئيسي يعيش ويتغذى على الأرجح داخل ذلك الخشب.
حين تنبت عدة فطريات من الخشب نفسه وقد لان بفعل التحلل، فضع في حسبانك أنها قد تكون أجسامًا إثمارية صادرة عن شبكة فطرية واحدة متصلة، لا كائنات قائمة وحدها.
عندما تصادف فطريات على جذع أو ساق خشبية، فابحث أولًا عن الجسم الخفي المشترك داخل الخشب، واترك عدّ القبعات إلى المرتبة الثانية.