قد تبدو المسارات الألبية حول ألماتي كثيفة ومكتظّة بالنباتات تقريبًا، لا لأن المرتفعات معتدلة، بل لأن موسم الجبال قصير وينفجر بالحياة دفعة واحدة، وما إن ترى التوقيت الكامن وراء هذه الدفعة حتى يصبح الأمر كله منطقيًا.
وهذا ما يفاجئ كثيرًا من المتنزهين. فبرودة الهواء، وتأخر ذوبان الثلوج، وقسوة الطقس تبدو كلها وكأنها وصفة لغطاء نباتي متناثر. لكن في كثير من المسارات الصيفية، ولا سيما حيث انحسر الثلج حديثًا، تكون الجبال قد أطلقت الماء وضوء الشمس معًا في وقت واحد.
قراءة مقترحة
لنبدأ بالحقيقة المباشرة: حين يذوب الثلج، فهو لا يكتفي بكشف الأرض، بل يمدّها بطاقة جديدة. فالنباتات الألبية لا تملك سوى نافذة قصيرة جدًا لتنجز خلالها تقريبًا كل شيء: تُخرج أوراقها، وتنمو، وتزهر، وتكوّن بذورها، ثم تخزّن الطاقة من جديد قبل عودة البرد.
2–3 أشهر خالية من الثلوج
كثير من النباتات الألبية لا تملك سوى نافذة صيفية وجيزة للنمو والإزهار والاستعداد لعودة البرد التالية.
وقد وجدت أبحاث حول مواسم الإزهار الألبية أن كثيرًا من هذه النباتات يعمل ضمن إطار يمتد لنحو شهرين إلى ثلاثة أشهر خالية من الثلوج. وهذا هو الإطار الذي يجدر بك أن تحتفظ به في ذهنك. فأنت لا تنظر إلى صيف طويل ومترهل، بل إلى انطلاقة سريعة.
ويبدو هذا الاندفاع مفاجئًا لأن عدة عوامل تتراكم تباعًا فور انحسار الثلج.
يعمل ثلج الشتاء كأنه خزان مائي موسمي، ثم يشبع التربة بالماء ويغذّي مواضع الرشح والجريان السطحي عند ذوبانه.
فالهواء الرقيق، وطول أيام الصيف، والتعرّض المباشر يمنح النباتات التي انكشف عنها الثلج حديثًا ضوءًا شديدًا.
فتستيقظ الجذور، وتندفع السيقان، وتنبسط الأوراق، وتتفتح الأزهار، وتُخزَّن الطاقة من جديد قبل عودة البرد.
وكثير من النباتات الألبية مهيأ أصلًا لهذا النوع من الاندفاع. فهي تبقى منخفضة، وتحتفظ بالطاقة مخزنة تحت الأرض، وتبدأ النمو فور ما تسمح الظروف بذلك. لذا فما يبدو للمتنزه وفرة مفاجئة ليس في الغالب إلا نباتًا يطبّق استراتيجية كررها أعوامًا طويلة: انتظر، ثم انطلق.
هنا تنعطف القصة. فمن السهل أن تمشي في مقطع خصيب من المسار وتظن أن هذه المنطقة الجبلية لا بد ببساطة أنها أكثر خضرة مما كان متوقعًا. لكن هذه الكثافة ليست سمة ثابتة تمتد على مدار الموسم كله، بل حدث مؤقت مضبوط التوقيت يقع داخل نافذة سنوية ضيقة جدًا.
وأنت تسير، قد تشعر ببرودة الهواء على وجهك بينما تضرب الشمس كتفيك بقوة. وهذا التباين ليس من نسج خيالك. فالهواء الجبلي الرقيق يحتفظ بحرارة أقل حولك، فيما تظل أشعة الشمس المباشرة تهبط بقوة حقيقية على الجلد المكشوف وعلى النباتات المحيطة بالمسار.
وهذا الإحساس الجسدي يخبرك بشيء مفيد. فالنمو الألبي كثيرًا ما تقوده ظروف باردة وشديدة في آن واحد. إذ يُبقي ذوبان الثلوج الرطوبة متاحة، بينما تدفع الشمس القوية وطول النهار إلى نمو سريع منذ اللحظة التي تنكشف فيها الأوراق.
بلى، فعلى مدار العام كله، يحدّ طقس الجبال القاسي مما يمكن أن ينمو، ومن مقدار ارتفاعه أو طول عمره. هذا صحيح. لكن الخطأ يكمن في افتراض أن الظروف الصعبة تمنع حدوث ذروة قصيرة من الوفرة.
إذا كان طقس الجبال قاسيًا، فينبغي أن تبقى المسارات متناثرة الغطاء النباتي طوال الموسم.
غالبًا ما تضغط الظروف القاسية النمو في فترة قصيرة ومكثفة، حين تتزامن المياه المخزنة في الثلوج مع ضوء الصيف القوي.
ومع ذلك، سيكون من الخطأ الادعاء أن كل مسار جبلي يجب أن يبدو كثيفًا وأخضر. فبعض المنحدرات تعصف بها الرياح أكثر من اللازم. وبعض الترب رقيقة أو صخرية. وقد تجف الأراضي المواجهة للجنوب بسرعة، بينما يمكن أن تبقى المقاطع الأعلى أو الأكثر ظلًا تحت الثلج مدة أطول. ويمكن لحافتين جبليتين متجاورتين أن تبدوا مختلفتين تمامًا لأن التعرّض والرطوبة والتوقيت تختلف بينها.
تمهّل عندما يضيق المسار فجأة تحت ضغط العشب أو الأزهار أو النمو النباتي الذي يبلغ ارتفاع الكتفين. وانظر أين تقع أغنى البقع. أهي قرب موضع رطب باقٍ، أو رشح مائي، أو حافة جدول، أو مكان يُرجح أن الثلج ذاب فيه متأخرًا؟
هذا هو الاختبار البسيط الذي أحب استخدامه: برودة الهواء على الوجه، وقوة الشمس على الكتفين، وأكثف نمو حيث تستمر مياه الذوبان أطول مدة. فإذا توافقت هذه العلامات، فالغالب أنك تمشي وسط وفرة ناتجة عن موسم مضغوط، لا داخل جيب غامض من الطقس المعتدل.
وحين يتحول مسار جبلي في ألماتي فجأة إلى ممر خصيب، فاقرأه على أنه اندفاعة موسم قصير: مياه ثلوج مخزنة في الأسفل، وضوء صيفي قوي في الأعلى، ونباتات ألبية تسابق الساعة بينهما.