قد يبدو الشيء الداكن الوحيد كأنه أمر ضئيل لا يُعتدّ به، لكنه قد يكون بالفعل يؤدي عملاً ملموساً في حقل شتوي يظنه الناس خالياً.
عرض النقاط الرئيسية
وأظهرت مراجعة نُشرت عام 2021 أعدّها سميث ومؤلفون مشاركون، وجمعت أبحاثاً عن مصدّات الرياح نُشرت بين عامي 1949 و2020 في الولايات المتحدة، أن الأشجار المزروعة في البيئات الزراعية يمكنها أن تخفف الرياح، وتلتقط الثلوج، وتحمي التربة، وتوفّر موئلاً في الوقت نفسه. والشجرة الوحيدة في الحقل ليست مصدّ رياح كاملاً. ومع ذلك، قبل أن تقطعها، يجدر بك أن تسأل: ما العمل الذي يُنجز بالفعل حولها؟
لنبدأ بالرياح، لأن الرياح شرهة في الأرض المفتوحة. فعندما يندفع الهواء فوق حقل عارٍ أو تغطيه بقايا سيقان المحصول، يظل محتفظاً بسرعته إلى أن يعترضه شيء. إن جذعاً واحداً وتاجاً واحداً لا يوقفان هذا الجريان، لكنهما يكسرانه ويشقّانه، ويتركان في الجهة المعاكسة للرياح منطقةً يكون فيها الهواء أبطأ وأكثر اضطراباً مما هو عليه في العراء.
قراءة مقترحة
وهذا مهم لأن الهواء المتحرك هو الذي يحمل. فهو يرفع الثلج المفكك، ويجفف سطح التربة، وقد ينقل أيضاً دقائق التربة في الأماكن المكشوفة، ولا سيما حين يكون الغطاء النباتي ضعيفاً. الشجرة لا تلغي هذه القوى، لكنها تغيّر الموضع الذي تُنفق فيه أثرها.
هذه هي الفكرة العملية البسيطة وراء الأحزمة الشجرية الواقية، وآلية عملها راسخة جيداً: فعندما تصطدم الرياح بحاجز من الأشجار، تنخفض سرعتها لمسافة ما في الجهة المعاكسة لاتجاهها، وتختلف الآثار بحسب ارتفاع الأشجار وكثافتها والطقس نفسه. وتعطي الشجرة الواحدة نسخة أصغر وأقل انتظاماً من هذه الفيزياء ذاتها. والصِغر لا يعني انعدام الفائدة.
ما إن تهدأ الرياح حتى يبدأ الثلج في كشف أثرها. فالثلج الذي تذروه الرياح يترسب حيث يفقد الهواء قوته، ولهذا كثيراً ما ترى تراكمات أعمق في الجهة الواقعة خلف الشجرة مقارنة بامتداد الحقل المفتوح. وفي المناطق الجافة، أو في أي مكان تكون فيه رطوبة الشتاء مؤثرة في ظروف الربيع، فإن موضع استقرار هذا الثلج ليس تفصيلاً ثانوياً.
والثلج الذي تحتجزه الشجرة يؤدي نوعين من العمل. أولاً، يبقى في مكانه مدة أطول من الثلج الذي يتطاير فوق الأرض المتقشرة المتصلبة. وثانياً، عندما يذوب، تدخل مياهه إلى التربة قريباً من موضع كانت فيه الرياح أقل قدرة على تجريد السطح. وقد يعني احتفاظ الأرض بهذه الرطوبة قدراً أقل من جفاف السطح، واحتمالاً أقل لتحرك دقائق التربة مع الهبّة القوية التالية.
وحين تتراكم هذه الآليات فوق بعضها، تبدأ الشجرة في أن تبدو أقل زينةً مما يُظن. فالرياح تخف، والثلج يترسب، والرطوبة تبقى، والجذور تمسك بالأرض، والطيور تجد مكاناً للوقوف، والحشرات تجد مأوى. ولا يجعل شيء من هذا شجرةً واحدة حلاً سحرياً. لكن كل جزء منه حقيقي، وهذه الأجزاء تتضافر.
إذا خرجت في ليلة باردة حين يكون الحقل مفتوحاً والهواء متحركاً، فغالباً ما يكون الفرق محسوساً في الجسد قبل أن يُفهم بالعقل. ففي امتداد الحقل المفتوح تظل الرياح تضغط على معطفك وتنفذ إلى وجهك. أما في الجهة المحمية خلف شجرة واحدة، وعلى مسافة غير بعيدة من الجذع، فقد يحتفظ الهواء بشيء مختلف من السكون للحظات، وغالباً ما يستقر الثلج هناك في هيئة لا يحفظها العراء.
هذا الجيب الصغير من الهدوء هو ما يلاحظه معظم الناس. أما الجزء الأكبر، فهو ما يفوتهم غالباً.
انتقل من مساء شتوي واحد إلى عشرين أو أربعين سنة، وسيتغير المقياس. لن يعود السؤال مقتصراً على الموضع الذي خفّت فيه الرياح لبضعة أمتار. بل يصبح: أين بقيت التربة، وأين تشربت الأرض مياه الذوبان، وأين أبقت الجذور الأرض متماسكة، وأين وجدت الكائنات الحية موطئاً أو ممراً في حقل لا يقدّم فوق سطحه إلا القليل جداً من البنية.
وقد جعلت الأبحاث المتعلقة بالأشجار خارج الغابات هذه الفكرة أوضح في السنوات الأخيرة. فلطالما اعتبرت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة «الأشجار خارج الغابات» فئة قائمة بذاتها، لأن الأشجار المتناثرة في المزارع، وعلى جوانب الطرق، وفي المراعي أو الأراضي الزراعية، تستطيع أن تخزن الكربون وتوفّر موئلاً حتى وإن لم تكن جزءاً من غابة. كما أظهرت دراسة نُشرت عام 2022 في Nature Communications بقيادة مارتن براندت وفريق دولي كبير، مستخدمةً تحليلاً بالأقمار الصناعية عبر المناطق الجافة، أن الأشجار خارج الغابات الكثيفة تختزن كميات معتبرة من الكربون قد تغفلها الخرائط الغابية الخشنة.
وهذا لا يعني أن شجرة واحدة في الحقل تختزن وحدها كمية ضخمة من الكربون. لكنه يعني أن عادة التعامل مع الأشجار غير الغابية على أنها مجرد زينة عادة ضعيفة الأساس علمياً. فعلى امتداد البلاد الزراعية، تشكل الأشجار المتناثرة جزءاً من النظام العامل. والشجرة الواحدة وحدة صغيرة من هذا النظام، لكنها تظل وحدةً فيه.
والموئل يعمل بالطريقة نفسها. ففي الحقل المستثمَر زراعياً، قد تكون الشجرة الواحدة مرقَباً لطيور الجوارح الصائدة، ومنصة غناء للطيور الأصغر، ومصدراً للتجاويف إذا تقدمت في العمر، وسطحاً لحياة الحشرات على اللحاء، ونقطة ظل صيفاً، وحلقة وصل بين الأسيجة النباتية والجداول وساحات المزارع. وكثيراً ما يسمي علماء البيئة هذا «الترابط»: أي رقع الغطاء التي تساعد الكائنات الحية على التنقل عبر الأرض القاسية المكشوفة. والشجرة المنفردة لن تحل محل غابة صغيرة. لكنها قد تظل جزءاً من الطريق.
هنا يجدر بنا أن نكون صريحين. فالشجرة المنفردة ليست كالحزام الواقي، ولن تعالج بمفردها تعرية التربة أو فقدان التنوع الحيوي أو مشكلات الغلة. وقد تلقي شجرة الحقل ظلاً، وتنافس المحاصيل على الماء، وتعقّد مرور المعدات، وفي المكان الخطأ قد تخلق مشكلات تفوق فوائدها.
وتُظهر أبحاث المزارع عن مصدات الرياح وأشجار حواف الحقول أيضاً أن المفاضلات محلية الطابع. فالفوائد تعتمد على النوع، وشكل التاج، ورطوبة التربة، واتجاه الحقل، ومقدار المساحة الواقعة ضمن نطاق منافسة الشجرة المباشرة. و«غير كافٍ» و«غير مفيد» ليسا الحكم نفسه، وإن كانا يُعاملان كثيراً كما لو كانا كذلك.
ولهذا فالسؤال الصحيح ليس: «هل تصلح شجرة واحدة أمر المزرعة؟» بل: «ما الذي تفعله هذه الشجرة هنا بالفعل، وما الذي سيتوقف إنجازُه إذا اختفت؟». وأحياناً ستظل الإجابة تؤيد الإزالة. وأحياناً لن تفعل.
راقبها في يوم عاصف أو بعد تراكمات الثلج المنجرف. انظر أولاً إلى الجهة المحمية خلفها، لا إلى هيئتها في الأفق. تأمل هل يتراكم الثلج هناك بعمق أكبر، وهل تستقر السيقان أو الأعشاب منبطحة في اتجاه واحد، وهل يبدو الهواء أهدأ لبضع خطوات، وهل تحتفظ الأرض تحتها بالمواد العضوية ودقائق التربة التي فقدها الحقل المفتوح.
ثم انظر إليها على مدار السنة. في الربيع، لاحظ إن كان ذوبان الثلج يستمر على نحو مختلف قربها. وفي الصيف، راقب أماكن وقوف الطيور، والظل، وحركة الحشرات، وأي نمط من الانكشاف أو الغطاء حول الجذور. وفي الخريف، انظر أين تتجمع الأوراق وبقايا القش. فشجرة الحقل المنفردة ليست مجرد شيء قائم هناك. إنها تسجل الطقس وتعيد تشكيله في نطاق صغير ثابت.
في اليوم العاصف أو المثلج التالي، تفقد الجهة المحمية قبل أن تقرر أن الحقل خالٍ.