ما يبدو وكأنه من صنع قوة واحدة واضحة، هو في الحقيقة الأثر المتبقي لتأثير الماء وتقلبات الحرارة وتفاوت صلابة الصخور في أزمنة مختلفة — ولهذا السبب تحديدًا توجد هذه المسلات الصخرية أصلًا.
عرض النقاط الرئيسية
وهذا مهم، لأن عبارة «الريح نحتتها» تبدو صحيحة، لكنها تُغفل الحيلة الحقيقية. فهذه الأبراج أقل شبهًا بتماثيل نُحتت من كتلة صخرية، وأكثر شبهًا بآخر أشكال بقيت واقفة بعدما تشققت جاراتها الأضعف، ولانت، ثم انهارت وزالت.
لنبدأ بالصخر نفسه. فالمسلات الصخرية الصحراوية تبدأ عادةً على هيئة طبقات من الرواسب تراكمت في ظروف مختلفة، ثم دُفنت والتحمت لتتحول إلى صخر. وبعض الطبقات ينتهي بها الأمر إلى أن تكون أصلب بسبب حجم حبيباتها، أو تركيبها المعدني، أو الطريقة التي تلحم بها المعادن مكوناتها. أما طبقات أخرى فتبقى أسهل في التفتت.
قراءة مقترحة
وهذا التفاوت في الصلابة هو أساس القصة كلها. وتشرح هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية تجوية الصحراء بهذا المعنى العام تحديدًا: إذ تتفكك الصخور بفعل تكرار السخونة والبرودة، والتجمد والذوبان، وبسبب أن بعض الطبقات تقاوم التعرية أكثر من غيرها. والمسلة الصخرية هي ما ينتج حين ينكشف هذا التفاوت في القدرة على الصمود ويخضع للاختبار.
ما إن تنكشف هذه الصخور الطبقية على السطح حتى لا تعود تتآكل على نحو متساوٍ. إذ يحدث رفع جيولوجي أو تزيل التعرية الغطاء الذي كان فوقها، وتتغير الضغوط، وتبدأ الشقوق في اكتساب أهميتها. والماء هو أول ما ينفذ إلى تلك الشقوق، لأن الشقوق نقاط ضعف لها عناوين محددة.
وهنا يبدأ مشهد الناجين في أن يصبح منطقيًا. ترسّبت طبقة، ثم التحمت طبقة، ثم حدث الرفع، ثم تكوّنت الشقوق، ثم دخل الماء، ثم وسّعت دورات التجمد والذوبان تلك الشقوق، ثم زالت المواد الأضعف، وبقيت الأجزاء الأقدر على الصمود. وهذه صورة أقرب بكثير إلى كيفية تشكّل المسلة الصخرية في الصحراء من الفكرة المبسطة التي تردّ كل شيء إلى قوة نحت واحدة ثابتة.
حتى في البيئات الجافة، يظل الماء حاضرًا في اللحظات الحاسمة. فالأمطار تنساب إلى الفواصل والشقوق. وفي الليالي الباردة وأيام الشتاء قد يتجمد ذلك الماء، وعندما يتحول إلى جليد يتمدد ويفتح الشق أكثر. وتعرض هيئة المتنزهات الوطنية هذا الأمر بوضوح عند حديثها عن أبراج الهودو في وادي برايس: فهي تتشكل أساسًا بفعل المطر والجليد، لا الريح وحدها، ويتعرض وادي برايس لنحو 170 يومًا من دورات التجمد والذوبان كل عام، بحسب مواد الهيئة المحدثة في عام 2022.
فلنسلّم بهذا الانطباع لحظة: نعم، للريح دورها. ففي البيئات القاحلة تستطيع الرمال المحمولة بالهواء أن تسفّح الأسطح المكشوفة، وتنعّم الحواف، وتساعد في إزالة الحبيبات المفككة. ولو توقفت عند نقطة مطلة وقلت إن الريح قامت بمعظم هذا، فلن يضحك عليك أحد.
لكن لو كانت الريح هي القصة كلها، فما الدليل الذي تتوقع رؤيته عند القاعدة وفي الطبقات الألين؟ ستتوقع أن يكون أشد النحت السفلي حيث يشتد السحل الرملي قرب سطح الأرض، وأن ترى نمطًا أكثر تجانسًا في نحت الصخور المكشوفة. غير أن ما يشير إليه الجيولوجيون فعليًا، ولا سيما في مناطق الهودو، هو التفكك الانتقائي على امتداد الشقوق والطبقات الأضعف، حيث يستغل الماء والصقيع نقاط الضعف أولًا.
هذا هو الجزء الذي يفوت الناس غالبًا لأنه ملموس لا استعراضي. فقد يبدو الصخر الصحراوي صلبًا من الخارج، كأنه قد خُبز حتى انغلق سطحه، ثم يتفكك حبة حبة تحت أصابعك في المواضع التي يكون فيها التماسك المعدني أضعف أو حيث يكون السطح قد بدأ أصلًا في الانهيار. وهذا التباين يخبرك أن الصخر لم يتشكل بنحت واحد نظيف. بل تصلب، ثم تشقّق، ثم انكشف، ثم أخذ يتفكك على مراحل.
وهذه الصلابة الخارجية وذلك التفتت الداخلي ينسجمان مع الجيولوجيا. فقد تكفي المعادن لتلحم طبقة ما بحيث تحتفظ بشكلها بعض الوقت، فيما تفقد المواد المجاورة حبيباتها بسرعة أكبر بفعل التبلل والجفاف، أو نمو الأملاح، أو دورات التجمد والذوبان، أو مجرد الجريان السطحي. وتبقى المسلة قائمة لا لأن أحدًا لم يهاجمها، بل لأنها قاومت مدة أطول قليلًا مما قاومته الكتل التي كانت بجانبها.
فكّر في الأمر على أنه عملية طرح أكثر منه عملية نحت. فقد يوفّر غطاء من صخر أشد صلابة حماية مؤقتة لمادة ألين تحته. وقد يبقى عمود نحيل قائمًا عندما تعزل الشقوق كتلةً تصادف أنها أكثر تماسكًا. أما الأجزاء المجاورة، المبنية من طبقات أضعف قليلًا أو المخترقة بعدد أكبر من الشقوق، فتنهار أولًا.
وهنا تكمن لحظة الإدراك: فهذه المسلات ليست «أشياء منحوتة» بقدر ما هي بقايا تركها اختلاف القدرة على المقاومة. فالماء يجد الشقوق، والصقيع يوسّعها، والجريان السطحي يزيل الفتات المفكك، ثم تُتم الجاذبية المهمة. وغالبًا ما تعمل الريح كعامل تشطيب، لا كنحّات وحيد.
وسيتفاوت هذا التسلسل الدقيق باختلاف نوع الصخر والمنطقة، لذلك لم تتشكل كل مسلة في كل صحراء بالتوازن نفسه من العمليات. لكن طريقة القراءة الأوسع تظل صالحة إلى حد كبير: اسأل أي الأجزاء كانت أضعف، وأيها كان متشققًا، وأي عملية استطاعت الوصول إلى نقاط الضعف تلك عبر الزمن.
استخدم اختبارًا ميدانيًا واحدًا. انظر أولًا إلى التطبق، ثم إلى الشقوق، ثم إلى العلامات التي تدل على أن بعض الطبقات تتراجع أسرع من غيرها. فإذا لم تكن القاعدة قد نُحِتت ببساطة بفعل السحل الرملي في حزام أنيق، وإذا كانت الطبقات الألين تتقهقر إلى الخلف بينما لا تزال الأقسام الأشد صلابة قائمة، فالأرجح أنك أمام بقاء انتقائي أكثر من كونك أمام نحت صنعته الريح وحدها.
وهذا التحول البسيط في النظرة مُرضٍ، لأنه يجعل الصخر مقروءًا. فتكفّ المسلة عن أن تكون شكلًا غامضًا، وتبدأ في الظهور كسجل لهجمات متكررة، لم يبقَ بعدَها سوى بضعة أقسام عنيدة ما زالت متشبثة بمكانها.
إن هذه المسلات الصخرية في الصحراء الكبرى لم تنحتها الريح وحدها؛ بل هي ما عجزت الريح والماء والصقيع والشقوق وتفاوت صلابة الصخور عن تدميره.